الاخبارشؤون فلسطينية

المستشار السابق للرئيس الأمريكي وليد فارس: ترامب يريد دور صانع الصفقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين


واشنطن: رغم أن الأكاديمي الأميركي اللبناني الأصل الدكتور وليد فارس ترك منصب مستشار شؤون الشرق الأوسط الذي شغله في حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إبان الانتخابات، فإنه لا يزال منخرطاً في الدوائر المحيطة بالرئيس، وإن بصفة غير رسمية، عبر “المساعدة من الخارج”. فالرجل المتخصص في السياسة الخارجية ومكافحة الإرهاب، يشغل مواقع عدة، بينها منصب مستشار مجلس النواب الأميركي لمكافحة الإرهاب منذ عام 2008، والأمين العام المشارك في “المجموعة البرلمانية الأطلسية لمكافحة الإرهاب”، وهي تجّمع لأعضاء في الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي، منذ عام 2009.
في حديثه مع “الشرق الأوسط” اللندنية، فتح فارس بصراحة كثيرا من الملفات. عندما لا تكون الردود تنقل موقف الإدارة الأميركية الجديدة، كان يشير إلى أن هذا رأيه. وكثير مما قاله كان عن تفكير الرئيس ترامب وما ينوي فعله.
وهنا نص الحوار:
* كنت مستشاراً للشؤون الخارجية ومكافحة الإرهاب أثناء حملة الرئيس دونالد ترمب. لماذا لم تتسلم حتى الآن وظيفة في البيت الأبيض؟
– في الحقيقة إن المنصب مسألة يقررها فريق الرئيس، وحتى الآن لم يتقرر هذا الموضوع. هذا لا يعني أنني لا أدعم الحملة، أو أنني لن أشارك في المستقبل. أما في المرحلة الحالية فأساعد الإدارة من الخارج، وأعطي استشارات للإدارة، إما مباشرة أو عبر الكونغرس.
* عندما استقبل الرئيس ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إنه مع حل للمشكلة الفلسطينية كما يرغب الطرفان: دولة أو دولتان. حصل لغط وقيل إن الولايات المتحدة تراجعت عن حل الدولتين. هل يمكن أن توضح لي ذلك؟
– باعتقادي مما سمعناه ونسمعه، فإن التفاهم قائم بين الكونغرس الذي يضم أكثرية جمهورية والإدارة، وقد سمعنا كلام الإدارة رسمياً ودولياً عبر سفيرتنا في مجلس الأمن، حيث قالت بوضوح إن سياستنا هي الحل على أساس الدولتين، وسنقوم بما نستطيع لتحقيق التفاهم بين الطرفين، وإذا كان هناك من حل فيجب على الشعب الذي ليس له دولة، أن تكون له دولة. الآن يقول بعضهم ربما القصد دولة كونفدرالية، حتى في الماضي كان بعض الفلسطينيين والعرب يقولون إنهم يقبلون بهذا الحل. في اعتقادي الشخصي، وهذا لا يمثل رأي الإدارة، أنه بشكل عام إذا توصلت أميركا إلى حل الدولتين بتفاهم الطرفين فستذهب في هذا الاتجاه.
دعيني أضف أن المقارنة الجديدة للرئيس ترامب ترتكز على عنصرين: عنصر شخصي؛ فهو يريد أن يكون صانع السلام و«الصفقة» ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين. قال الرئيس لي شخصياً عندما كنا مجتمعين في نهاية عام 2016: «لماذا لم تتمكن أميركا، وكل رؤسائها منذ عقود – وهي القادرة – من إيجاد حل لهذا الصراع؟… لقد وضعت كتاباً بعنوان (فن الصفقة). أنا أريد أن أحسم هذا الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين سلمياً. نريد أن يكون للعرب المعتدلين دور في مساعدتنا، أي أن يحتضنوا الفلسطينيين المعتدلين، وهذا أمر مهم، وأنا أتولى العلاقة مع إسرائيل في هذا الموضوع». لذلك أرى أن لديه نية شخصية واستراتيجية لحل هذا الموضوع بشكل عادل.

* كيف تصف لقاء ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس ترمب، وما نتج عن اتفاقهما على أن إيران تمثل خطراً أمنياً إقليمياً، ووصف أحد مرافقي الأمير اللقاء بأنه نقطة تحول. ماذا ستكون أبعاد التحالف المتجدد بين الولايات المتحدة والسعودية؟
– نقطة التحول أن اللقاء حصل، إذ كانت هناك حوارات جانبية بين الإدارة والمملكة أدت إلى هذا اللقاء المميز الذي يعني كثيرا. ومن جملة ما يعنيه، أولاً، أن إدارة الرئيس ترمب ستكون شريكة من جديد مع السعودية على جميع الأصعدة: الاقتصادية، والسياسية، والأمنية، والدفاعية. وهذا بالتالي يعني أن المملكة، تحديداً، قدمت إلى إدارة الرئيس ترمب مشروعاً على الصعيد الاستراتيجي لشراكة في المنطقة، ليس فقط مع المملكة، ولكن مع دول معتدلة أخرى. وهذه الشراكة ستكون حجر الأساس لمواجهة إرهاب تنظيم داعش وحلفائه، وتوسع النفوذ الإيراني.
* ومتى في اعتقادك ستبدأ هذه الشراكة؟
– لقد بدأت فعلاً مع هذه القمة. أما فيما يتعلق بالتنفيذ، فهناك طواقم مشتركة ستقوم ما بين وزارتي خارجية ودفاع الدولتين، وهناك طبعاً طواقم مشتركة أخرى. وستبرز هذه الشراكة خلال وقت لن يكون بعيداً. أعتقد أن التنسيق سيقوم أولاً على الصعيد الأمني، فأميركا بحاجة إلى دور عربي وخليجي في مكافحة «داعش»، ودور سياسي يساعد في حل الأزمتين السورية والعراقية. في المقابل، فإن الخليج في حاجة إلى الولايات المتحدة في مناطق تشهد تدخلاً إيرانياً، لا سيما في اليمن والمناطق المحيطة، بما فيها البحر الأحمر ومنطقة الخليج.
* طبعاً هذا التحالف الجديد والمتجدد سيثير شهية جبهة الممانعة لكل الردود والاتهامات. كيف تتصور المشهد المقبل؟
– هذه الجبهة في نظر الولايات المتحدة هي المحور الإيراني الخميني، وحلفاؤه، أكانوا في العراق، أو نظام بشار الأسد في سوريا، أو «حزب الله» في لبنان، أو الامتدادات الإيرانية عبر اليمن من خلال تنظيم «الحوثيين». هذه الكتلة ستستعمل كل ما لديها من قدرة لتغيير وقائع على الأرض. في العراق مثلاً نرى تثبيتاً للدور الإيراني عبر «الحرس الثوري». وكلما تقدمت القوات العراقية النظامية، وهي شريكة للولايات المتحدة، تبعتها ميليشيات «الحشد الشعبي» و«البسدران» (الحرس الثوري الإيراني)، وهذا يقلقنا جداً، لأنه قد يجدد مرحلة الصراع الطائفي في المستقبل، وحذرنا من هذا. أما في سوريا، فهناك أيضاً محاولات لتثبيت نظام الأسد في جبهات عدة، والتقدم عليها قبل أن تبدأ إدارة ترمب بالعمل من أجل إيجاد حل سياسي. أما في لبنان فالأمر واضح، فـ«حزب الله» ركز قدراته العسكرية والسياسية، ويضغط من أجل زيادة هذا النفوذ عبر مؤسسات الدولة، وهذا أمر يقلق إدارة الرئيس ترمب جداً. ستعمل الولايات المتحدة على وضع حد لهذا كله في يوم قريب.
* قال الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله، مؤخراً، إن سوريا انتصرت وهي تنتظر الانتصار الحاسم. ما تعليقك؟
– صحيح أن النظام السوري حسم معركة حلب، لكن هذا النظام يعرف أمرين: أن إدارة الرئيس ترامب – وهذا صار واضحاً – تمنع توجه النظام إلى شرق سوريا، إن كان باتجاه منطقة الحسكة أو باتجاه مناطق القتال ضد «داعش». وهذا يفسر لماذا أرسلنا وحدات «مارينز» إضافية إلى شمال شرقي سوريا؛ ذلك أن واشنطن تريد أن تكون العمود الفقري في دعم القوى التي ستتقدم وتحرر المناطق التي كان يسيطر عليها «داعش»، وهذه مناطق لن تسمح واشنطن بأن تسيطر عليها قوات النظام. من جهة ثانية، فإن نظام الأسد يسيطر على مناطق ذات غالبية سنّية، مثل المدن الكبرى حلب وحماه وحمص وحتى دمشق، وإذا لم يصل إلى اتفاق سياسي شامل، فحتى هذه المناطق التي يسيطر عليها الآن، ليست مضمونة على الصعيدين الأمني والعسكري.
* هدد الأمين العام لـ«حزب الله» بقصف مفاعل ديمونة ومنشأة الأمونيا في حيفا. لكن وفقاً للاتفاقية الدولية الموقعة في الأمم المتحدة في عام 2005 لقمة أعمال الإرهاب النووي، فإن أي هجوم ضد أي مفاعل نووي يعتبر عملاً إرهابياً نووياً، لكونه يؤدي إلى تسريب الأشعة وموت الآلاف. في مثل هذه الحالة هل سيتحمل لبنان العقاب؟
– كي أوضح وأؤكد ما ذكرته، فإن أي عمل إرهابي من أي طرف في أي مكان ضد أي مفاعل نووي أو القيام بعمل يؤدي إلى انتشار إشعاع يضر بالمنطقة والعالم، سيعتبر عملاً إرهابياً دولياً، وسيواجه على هذا الأساس. فإذا أراد «حزب الله» أن يعبئ المجتمع الدولي، بما فيه دول عربية وإسلامية ودول أخرى على رأسها الولايات المتحدة، فهذه ستكون مخاطرة لا مثيل لها. وتعلم ذلك قيادة «حزب الله» التي ربما تهدد بهذه الهجمات، لكن النتائج ستكون كارثية أولاً على الحزب. أنا لا أقول بنتائج كارثية على لبنان، ولعل اللبنانيين قلقون ويخافون من ردة فعل إسرائيل أو المجتمع الدولي، أو أن دول الشرق الأوسط ستستهدفهم. كلا، هناك رؤية واضحة، على الأقل هنا في واشنطن، فإذا حصل مثل هذا الأمر فإن الرد سيكون على «حزب الله» تحديداً، وعلى مؤسساته إذا هدد الأمن الدولي.
* هل تعتقد أن لقاء الرئيس ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اقترب؟ وهل سيكون إعلاناً لبدء مفاوضات أميركية – روسية لإخراج كل القوات الأجنبية، بما فيها الإيرانية و«حزب الله» والتنظيمات التكفيرية، من سوريا؟
– هناك أمران حتميان لا بد من حدوثهما: الأول أن تعقد قمة بين الرئيسين الأميركي والروسي، فهذا أمر حتمي رغم كل ما نراه هنا في واشنطن من مشادات سياسية. اللقاء سيحصل لأن هناك ظروفاً عالمية تنتظره، إن كانت الأزمات في أوروبا وأوكرانيا، أو في مناطق أخرى، لا سيما في الشرق الأوسط وخصوصا في سوريا.
ثم نعم، عندما تجتمع القيادتان الأميركية والروسية، فمما لا شك فيه أنه سيجري النقاش حول التفاصيل المتعلقة بالحل في سوريا، وتموقع روسيا والولايات المتحدة، وحلفاء كل منهما، والأدوار العربية والتركية. كل هذا سيناقش، لكن ما هو تقريباً متفاهم عليه، أن الحل في سوريا يمر عبر انسحاب كل القوات الأجنبية المسلحة من الأراضي السورية، وتحديداً عناصر «داعش» و«القاعدة» وكل الذين أتوا إلى سوريا ليقاتلوا من أجل إقامة دولة دينية أو متطرفة. هؤلاء عليهم أن ينسحبوا. وبالمقابل، كل قوات «حزب الله» والميليشيات العراقية و«البسدران» وكل من أتوا بتسهيل من النظام الإيراني، عليهم أن ينسحبوا من سوريا. هذا هو الممر الوحيد للوصول إلى حل سياسي، لا يوجد سبيل آخر للحل بوجود هذه القوات على الأراضي السورية.
* قلت الحل المتفق عليه، هل جرى اتفاق مع روسيا على ما ذكرته؟
– هذا مزيج من موقفين صارا في العلن. روسيا تريد انسحاب كل القوى التي تسمى التكفيرية، مثل «داعش» و«النصرة» وغيرهما، إلى خارج الأراضي السورية. عبّرت عن هذا بوضوح وقالت نحن نبدأ بالحل السياسي مع انسحابها. الإدارة الأميركية قالت وستشدد على انسحاب كل القوى المؤيدة لإيران. وإذا مزجنا الموقفين فلا يمكن أن يكون هناك تفاوض على مائدة ترامب – بوتين إلا بالاتفاق على انسحاب كل القوات الأجنبية، وهذا أمر متوازن وعادل.
ودعيني أضف شيئا: الاعتقاد في واشنطن أن أميركا وحلفاءها في دول الحلف الأطلسي، وروسيا وحلفاءها الدوليين كالصين، بإمكانهم الاتفاق على هذا الموضوع. لكن المشكلة أن النظام الإيراني سيحاول عرقلة هذا الاتفاق، لأن بسببه تُقطع أواصر الممرات الاستراتيجية بين إيران وسوريا عبر العراق، إذا انسحبت القوات الغريبة مثل «البسدران» و«حزب الله»، فليس من مصلحة إيران انسحابها، بينما من مصلحة روسيا هذا الأمر.
* بناء على إجابتك، يبدو أنك تشجع على تقارب أميركي – روسي؟
– أنا ممن يعتقدون أن هناك واقعاً لا يمكن تجاوزه بسبب حالة الأمر الواقع الموجودة في سوريا، بمعنى أن هناك قوات روسية تحمي النظام، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، وقواعد عسكرية روسية وقرار روسي في مجلس الأمن يحمي النظام. وفي الوقت نفسه هناك وجود عسكري أميركي في شرق سوريا يدعم التحالف ضد «داعش»، هذا أيضاً أمر موجود. إذن فاللقاء بين الرئيسين يجب أن يحصل، إذا كان لا بد من حل في سوريا.
لكن هناك مراحل يجب أن تسبق هذا اللقاء أو هذا الحل، أولها إلغاء «داعش» على أيدي التحالف الذي تقوده أميركا، لأن روسيا بعيدة عنه، فهي موجودة على السواحل السورية بينما تنتشر أميركا على الأرض مع حلفائها من مختلف الأعراق، عرب وأكراد، مسيحيين ومسلمين وغيرهم، ثم إن أميركا هي الضامنة أنه بعد ضرب «داعش» وتفكيكه، وهذه نقطة مهمة أريد إيصالها إلى الرأي العام العربي، يجب أن تتولى السلطة في المناطق التي كان يسيطر عليها «داعش»، قوى سنية عربية معتدلة، لأنه إذا ذهبت ميليشيات «داعش» وأتينا بقوى النظام السوري، كما يحصل في العراق، أو قوى من إثنيات أخرى، فإن ذلك سيؤسس لمشكلة في المستقبل. لذلك من الضروري أن يكون هناك تمهيد لشيئين: قوى عربية سنّية سورية تتولى السلطة على الأرض عبر البلديات والشرطة وحكومات محلية، وإذا أمكن تساعد في هذا الموضوع مجموعة من الدول العربية، لأن هناك حاجة إلى تحالف على الأرض، فأميركا لن تنشر قوات عسكرية كبرى حسب تفكير إدارة ترمب. إذن نحن نتطلع إلى دول الخليج، وبخاصة السعودية والإمارات والبحرين ثم الأردن، وكذلك مصر إن أمكن. ليس مطلوباً أن تكون هذه الدول كلها على الأرض، إنما هذه القوى تنتج القرار السياسي، وبالإمكان عندها استعمال بعض الوحدات العسكرية من هذه الدول للمساعدة، وهي أيضاً يجب أن تخرج لاحقاً، بعد التوصل إلى حل سياسي شامل.
* هناك ضجة أثيرت مؤخراً حول تحرير فلسطين. إيران تقول إنها قد تقضي في دقائق على إسرائيل، و«حزب الله» سيحرر بقصف المفاعل النووي، ومجموعة عراقية تابعة لـ«الحرس الثوري» شكّلت «لواء الجولان» وتنتظر الإذن من الحكومة السورية. أين تلتقي هذه الخطط؟
– كل هذا الكلام التصعيدي الذي يصدر عن إيران وحلفائها فيما يتعلق بالحرب الكاسرة على إسرائيل، وعلى من ورائها مثل الولايات المتحدة، هو هروب من الواقع المتمثل بأن شعوب هذه الأنظمة والمنظمات لا تريدها، لذلك هي تهرب إلى حروب، إما طائفية كما في سوريا والعراق واليمن، أو إلى هذا «الوهم» بأن النظام الإيراني هو من سيدمر إسرائيل بدقائق.
هناك مشكلة عند هذه القوى، وهي أن الشعب اللبناني بأكثريته يرفض «حزب الله»، وقد رأينا ذلك عام 2005 عبر «ثورة الأرز»، وفي إيران رأينا عام 2009 أن أكثرية الشباب لا يريدون هذا النظام، بل يريدون الحرية والتقدم. والشيء نفسه نراه حتى في العراق؛ حيث الأكثرية معتدلة، لكنها مقموعة. لذلك فإن هذه الأنظمة والمنظمات تريد أن توهم قواعدها الشعبية بأنها ستذهب إلى حرب مقدسة. وأقول أكثر من ذلك، إن الفلسطينيين أنفسهم يريدون حل هذا الموضوع عبر المفاوضات السلمية بمساعدة الدول العربية طبعاً، وبوجود إدارة أميركية حكيمة قادرة على مساعدتهم. هم لا يريدون أن يشن الإيرانيون حرباً أخرى فيخسر الفلسطينيون أكثر مما خسروا في الماضي.
* هل ستتكرر تجربة عام 2009 في إيران؟ وعليه ماذا سيكون موقف أميركا ترمب إذا ما تحرك الشارع الإيراني الآن؟
– نحن نذكر تاريخياً أنه في العام 1999 قامت مظاهرات طلابية كبيرة في حرم جامعات إيران وقُمعت. بعد ذلك بعشر سنوات قامت الثورة الكبيرة، الثورة الخضراء في طهران ومدن أخرى، ونزل إلى الشارع أكثر من مليوني إيراني لأكثر من أسبوع، أكثريتهم من الشباب. هؤلاء الشباب هم المستقبل، وأنا أقول لك إن الذين كانوا في العاشرة من العمر راقبوا ما فعله جيل عام 2009، وهم قادرون الآن على الانتشار في الشوارع. نحن نراقب الوضع ونسمع كلام الإيرانيين عبر مواقع التواصل، ليس فقط من المغتربين أو من المعارضة، بل نسمع ما يقوله الإيراني العادي. يريدون الحرية. إذا حصل أي حادث جديد مع هذا النظام في إيران، فأعتقد، بصفتي محللا وليس سياسيا، أنه ستقوم انتفاضة أكبر من التي رأيناها عام 2009.
الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس الجديد قالت بوضوح إنها تعتبر هذا النظام خطراً على المنطقة، وأنه يتحرك عدوانياً في ثلاث أو أربع دول في المنطقة. لذلك أعتقد أنه إذا انتفض الشعب الإيراني وبكل مكوناته، أكانت الفارسية أو العربية أو الكردية أو الأذرية، فسيكون لواشنطن موقف مع الشعب الإيراني، وليس مع النظام هناك.
* هل تعتقد أن الرئيس ترامب سيحقق هذه النية قبل أن يُقدم «حزب الله» على الحرب؟ فالحزب، حسب ما ذكره موقع تابع له، سيخوض حربه المقبلة ضد إسرائيل من القلمون والقنيطرة، وسيطلق صواريخه البعيدة المدى من منطقة جرود القلمون والسلسلة الشرقية من الجهة السورية؟ هل تعتقد أنه سيسبق ترمب أم أنها مجرد دعايات؟
– «حزب الله» يستعمل الدعايات أولاً، وإذا لم تنجح قد يذهب بمغامرة. لكن قرار المغامرة ضد إسرائيل هجومي، ليس ملك السيد نصرالله وحزبه. تعرفين من أين يأتي القرار، من العاصمة الإيرانية. فإذا قررت إيران أن تسجل صراعاً في المنطقة، وتورط «حزب الله» في هذا الصراع، وتحرق المنطقة، فإنه أمر ممكن. ولكن لننتبه جميعاً، فإذا دخل «حزب الله» في هذا الصراع، فنحن لسنا في عام 2006، ولسنا في عام 1996. هو يفهم أننا في عام 2017، وهو داخل في حروب عدة، له قوات تقاتل في سوريا، ويتدخل في اليمن وفي البحرين؛ وبالتالي ليس مضموناً إذا ذهب في هذه المعركة أن تلبي الدول والجماهير العربية. في اعتقادي، أنه إذا أخطأ ودخل في هذا المعترك، فقد تكون هذه فاتحة لخسارة استراتيجية له في لبنان وفي سوريا.
* إسرائيل متخوفة من تمدد إيراني إلى سوريا، وهناك من يقول إن وجود إيران في سوريا مع امتدادها – «حزب الله» – وصواريخه، يجب أن يُسحب، لأنه يجر حرباً شبيهة بأزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا. ما وجهة نظرك؟
– ليس فقط إسرائيل التي تتكلم علناً، لكن الولايات المتحدة قلقة جداً من تمدد الأخطبوط الصاروخي من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان، ثم هناك محاولات طهران لنشر هذه الصواريخ في اليمن. المسألة ليست متعلقة فقط بإسرائيل، بل بالمنطقة كلها. فإيران تحاول أن تتحول إلى اتحاد سوفياتي في المنطقة ينشر عقيدته المتطرفة وصواريخه تحت شعار: «إنه يقاتل إسرائيل». النظام الإيراني يقاتل الشعب في سوريا وفي العراق وفي اليمن ويقمع اللبنانيين، وكل ذلك تحت شعار: «تحرير القدس».
ثم إن الفيلق المركزي للتحالف ضد الشعوب العربية اسمه «فيلق القدس». لكن هذه الرواية لن تمر على سكان الشرق الأوسط، أكانوا عرباً أم غير عرب. هناك الآن مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الموسع، والشعوب أسقطت هذه المقولة الإيرانية. وطهران عندما تستعمل هذه الدعايات، فإنها تحاول تمتين أواصر العلاقات بين طواقم أنظمتها، وهذا الكلام كله يذكرنا بدولة هتلر، عندما كانت الدعايات فيها تحاول إعطاء بعض النفس لمن يدعمها، وليس لمن تقمعهم أو تضطهدهم.
في هذا الموضوع، هناك سباق حقيقي، إذ يحاول النظام الإيراني نشر مظلة استراتيجية في المنطقة قبل أن تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها، ثم إن إيران ترى أن الشراكة بدأت بين أميركا والخليج، وتقيم أميركا ومصر شراكة عبر الزيارات التي تحصل، وهناك أيضاً احتمال الاجتماع بين الرئيسين الأميركي والروسي. لذلك فإن العالم بدأ يغلق الأبواب على المنظومة الإيرانية. وقد يصوّت الكونغرس الأميركي لعقوبات جديدة، وإيران تعلم ذلك كله، ولهذا فإنها تحاول إقامة وقائع على الأرض من أجل تثبيت توازن الرعب. لذلك تشدد قبضتها على لبنان وسوريا والعراق واليمن، وتحاول الاختراق في السعودية، وتهدد أمن البحرين وربما أبعد، وتذهب إلى أفريقيا عبر باب المندب. وهذا كله لتقول: إذا أردتم التحرك ضدي، فإن الثمن سيكون مرتفعاً جداً. من هنا، فإن نشر هذه الصواريخ هو ضمن منظومة الردع الإيراني، ولكن إذا أخطأت في استعمالها، فربما قد تنهار كتلة هذه المنظومة.
* ولمن يجب أن يسلم «حزب الله» صواريخه؟
– هناك روايتان. تقول الأولى إن «حزب الله» سيسلم صواريخه إلى الجيش اللبناني عندما يسيطر عليه؛ أي عندما ينضم مقاتلو «حزب الله» إلى الجيش، ويرتدون بزاته، فيقول الحزب عندها إنه ينقل صواريخه من هذه اليد إلى اليد الأخرى؛ وعندها ليس من الضروري أن يسلمها، فتبقى تحت مراقبته. هو يعمل بشدة الآن كي يخترق المؤسسة العسكرية، واللبنانيون قلقون ووزارة الدفاع هنا قلقة من هذا الموضوع. الرواية الثانية تقول إن هذا كله مجرد كلام، فهو لن يسلمها لأي طرف، بل ستبقى بين يدي غرفة العمليات الإيرانية في المنطقة القابضة على هذه الصواريخ، لأنه إذا سلّم الحزب هذه الصواريخ، فإنه عملياً يستسلم.
* لم تطلب الحكومة السورية انسحاب الروس أو الإيرانيين أو «حزب الله» من أراضيها. هل يمكن اعتبار وجودهم شرعياً مثلاً، وبالتالي حماية المدنيين السوريين منهم ومن النظام غير مهمة؟
– هناك تمييز ما بين كل الميليشيات و«حزب الله» و«البسدران»، فهي كلها غير قانونية حسب القانون الدولي. أما الجيوش الرسمية فلها مسؤوليات، حتى لو اختلفنا معها سياسيا، وحتى في حالات الحرب، مثلاً، القوات الروسية تحت القانون الدولي، ومن واجباتها المحافظة على المدنيين المقيمين تحت رقعة وجودها. هذا ينسحب أيضاً على الجيش السوري الذي يحاسب. أما الميليشيات الأخرى فإنها تخرج على إطار القانون الدولي، وبالتالي هناك قلق من تطرف هذه الميليشيات. ونحن بالتالي نضع هذه الميليشيات و«النصرة» و«القاعدة» و«داعش» ضمن الخانة ذاتها. يعني أن «حزب الله» موجود على اللائحة الأميركية، وكذلك «النصرة».
* نلاحظ أن الموجة عالية ضد الإرهاب التكفيري، وفي المقابل نلاحظ أيضاً دعماً إيرانياً كبيراً للميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان وباكستان. فهل إرهاب هذه الميليشيات مقبول عند بعض الدول، وهل يريد العالم تحويل المنطقة إلى منطقة نفوذ إيراني؟
– عندما يقال إن المنظمات الإرهابية المرتبطة بإيران أقل إرهاباً من المنظمات التكفيرية، فليس هناك قوانين تحدد ذلك، فالإرهاب إرهاب، والقتلى والجرحى الذين سقطوا بسبب هذا الإرهاب والذين سقطوا على أيدي التكفيريين هم بالقيمة الإنسانية نفسها. أما الواقع فإن آلة الدعايات الإيرانية ذكية وقوية، وتمكنت في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما من تحقيق بعض الإنجازات، ويجب أن نعترف بذلك، فهي تمكنت من إدارة الضغط الإعلامي العالمي ضد التكفيريين وإبعاده عن التنظيمات المرتبطة بها، حتى توصلت في وقت إلى الادعاء أن ميليشياتها مثل «حزب الله» وغيره، تحمي الأقليات بما فيها المسيحية والإيزيدية، وما ساعد إيران في هذا الموضوع هو عدم خروج إدارة أوباما في ذلك الوقت بموقف قوي ضد التنظيمات التابعة لإيران، لأن الإدارة كانت تهندس الاتفاق النووي الإيراني.
عملياً إيران كسبت كثيراً على الصعيد السياسي وغيره من فترة أوباما، لأنها كانت تهدد دائماً بأنها ستسقط الاتفاق النووي ولن توقع عليه. كانت تكسب الوقت حتى إن آلتها الدعائية تمكنت من نشر مقالات في صحف «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«لوموند»، وركزت على ما سمته التكفيريين وغيرهم وكسبت. لكن في النهاية لم تكسب الرأي العام الذي يلاحق تفاصيل الإرهاب الإيراني عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
* بالنسبة إلى الاتفاق النووي الإيراني، فهناك من يقول إنه ليس مطلوباً من الرئيس ترمب تفكيكه، بل التفكير بالسنوات التي ستلي موعد انتهاء صلاحيته. أيضاً مع الاتفاق واصلت إيران العمل على برنامجها الصاروخي. بمعنى أن إغلاق باب فتح باباً آخر. ألا يوجد حل مع النظام الإيراني؟
– لقد كنت من أوائل الذين حذروا من المفاوضات للوصول إلى الاتفاق النووي، ومنذ بداية تطبيق هذا الاتفاق كسب النظام الإيراني. كانت طهران تتحكم بالتوقيت في المفاوضات، وتؤجل. في هذا الوقت حصلت على أموال كانت مجمدة قبل التوقيع ومعه وبعده، وكسبت وقتاً طويلاً كي تتمدد على الأرض في المنطقة. ومنذ التوقيع صارت تشتري نوعية أسلحة جديدة لم تكن تملكها في السابق، بما فيها منظومة الصواريخ المضادة للطائرات، والعابرة للقارات، وتجديد قوة الدبابات، واللائحة طويلة.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى