ص دنيا الوطن- اسامة الكحلوت :في شهر فبراير الماضي، استدعت
أجهزة الأمن الإسرائيلية المواطنة (خلود السعيدني) من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة لمقابلة أمنية في معبر بيت حانون/ (إيرز)، بعدما تقدمت بطلب للحصول على تصريح مرور لاجتياز المعبر، والوصول إلى مستشفى اوغستا فكتوريا(المطلع) بمدينة القدس لتلقي العلاج الطبي.
اشترطت السلطات الإسرائيلية حضورها للمعبر وإجراء مقابلة أمنية كي تحصل على تصريح للمرور، قامت والدتها بمرافقتها وأوصلتها عبر الكرسي المتحرك إلى المعبر.
وعندما وصلت قام ضابط الأمن الإسرائيلي بوضعها في مكان يبعد عن الحافلة التي تقل المرضى إلى القدس عدة أمتار، وأخبرها أن الحافلة تنتظرها الآن كي تذهب إلى المستشفى وتحصل على جرعة العلاج، لتبقى على قيد الحياة، ومن ثم أظهر لها صورة لأحد الأشخاص وسألها عن مدى معرفتها بالشخص، فأخبرته أنها لا علم لها به ولا تعرفه، فوضعها أمام خيارين إما الإدلاء بمعلومات عن الشخص الظاهر في الصورة، وبذلك يمكنها الصعود إلى الحافلة التي كانت تنتظر نقلها إلى مستشفى القدس، وإما العودة للبيت.
ولكن المواطنة خلود،عادت إلى زوجها وأطفالها في قطاع غزة، وبقيت تنتظر السماح لها بالسفر للحصول على العلاج اللازم من الجرعات الكيماوية، وظل رفض التصريح سيد الموقف حتى توفيت بتاريخ 13/3/2017.
هذه واحدة من الروايات التي نشرت في تقرير أصدره مؤخراً مركز الميزان لحقوق الإنسان، يبرز معاناة وآلام المرضى في قطاع غزة جراء انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والتي أفضت إلى انتهاك الحق في الحياة للعديد من المرضى، وبلغ عددهم منذ مطلع العام ستة مرضى هم طفلان وثلاث سيدات ومسن.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تدهورت الحالة الصحية للعديد من المرضى أثناء انتظارهم نتائج طلبات التصاريخ، كما ذكر التقرير أن سياسة الاحتلال الإسرائيلي في منع وحرمان المرضى من حقوقهم الأساسية في تلقي العلاج تشكل مخالفة واضحة وصريحة لالتزاماتها القانونية كدولة احتلال بموجب القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
حيث تفرض اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949، على سلطات الاحتلال السماح بمرور جميع إرسالات الأدوية، والمهمات الطبية، وضمان حماية واحترام المرضى والضعفاء والنساء، والعمل بأقصى ما تسمح به وسائلها لصيانة المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات.
وأوضح التقرير، أن القيود على المرضى ومحاولات الابتزاز التي تحاول من خلالها استغلال أوضاعهم الصعبة لتجنيدهم، وإجبارهم على العمل لصالحها شكلت انتهاكاً خطيراً ومنظماً، بالإضافة إلى كونه عملاً غير أخلاقي في ظل ارتفاع عدد المرضى المحولين للخارج بنسبة (53.6%) من عام 2012، والتي سجل فيه عدد التحولايات (13.764) تحويلة، بينما في العام 2016 ارتفع العدد إلى (21.152) تحويلة.
وأكد التقرير بأن جميع المرضى الذين ترسل طلباتهم للسلطات الإسرائيلية هم مرضى حقيقون أخضعت طلباتهم لسلسلة من التدقيق والفحص الطبي، وأعطيت لهم التقارير بناء على قرار من لجان طبية، ومع ذلك فإن استيفاء المريض للإجراءات كافة وحصوله على التحويلة لا يعني على الإطلاق أن المريض سيحصل على الرعاية الصحية المناسبة لحالته.
حيث تقف القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي كعقبة أمام قدرة المريض على الوصول إلى المستشفى الذي ينتظره وفقاً للموعد المحدد.
وأوضح التقرير أن مصير الطلبات المقدمة للسلطات الإسرائيلية تكون أمام عدة احتمالات منها المواقفة ويصبح المريض أو مرافقه عرضة للاعتقال أو الاستجواب أو التأخير المتعمد أو المضايقة أو الاحتجاز.
أما الاحتمال الثاني فهو رفض الطلب، حيث تشير الحقائق والأرقام إلى أنه خلال الثلاث سنوات الماضية وخلال عام 2014 تم رفض 535 طلباً للمرضى، بينما في عام 2015 رفض 1244 طلباً، وفي عام 2016 رفض 1725 طلباً، وكما هو ملاحظ فإن نسبة طلبات المرضى المرفوضة في تصاعد.
أما الاحتمال الثالث فهو الطلبات بدون رد أو تحت الفحص والدراسة، الأمر الذي يضاعف من معاناة المريض جراء الانتظار والترقب والقلق الدائم لمعرفة نتيجة الطلب.
ويستمر في الانتظار حتى انتهاء مدة حجز المستشفى، ليعاود مرة أخرى محاولاته للحصول على حجز جديد في المستشفى وتفعيل طلب الحصول على تصريح مرور من جديد.
وهذا ووصلت نسبة الطلبات التي ظلت تحت الفحص وبدون رد 14% من إجمالي الطلبات المقدمة ما بين عامي (2014-2016)، حيث قدمت دائرة التنسيق والارتباط بوزارة الصحة لـ 66252 طلباً، كان مصير 9057 طلباً هو المماطلة بالرد على أصحابها بذريعة أنها تحت الفحص الامني.
احتمال آخر هو طلب المريض للمقابلة ليتعرض بعض المرضى إلى محاولات ابتزاز ووضع القيود والعراقيل في سبيل وصولهم إلى المستشفيات.
وبلغ عدد المرضى الذين تم استدعاؤهم للمقابلة خلال الثلاث سنوات الأخيرة 1444 مريضاً، جرى إخضاعهم للاستجواب، ويتعرض المريض أو ذووه للمساومة بحيث يطلب منهم المحققون معلومات ذات طابع أمني أو تعرض عليهم العمل لصالح أجهزتها الأمنية.
وخلص التقرير الصادر في 40 صفحة إلى أن سلطات الاحتلال ترتكب انتهاكات جسيمة ومنظمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان من خلال جملة الإجراءات والممارسات التي تنتهجها في تعاملها مع السكان المدنيين في قطاع غزة، لا سيما المرض منهم.
وتتجاوز الممارسات الإسرائيلية انتهاك حقوق الفلسطينيين في حرية الحركة والتنقل وحقهم في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسدية والنفسية يمكن بلوغه، لتتحول إلى شكل من أشكال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والمهينة.
وطالب التقرير المجتمع الدولي بالوفاء بالتزاماته القانونية تجاه ضمان احترام قواعد القانون الدولي ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، من خلال تفعيل أدوات المحاسبة وملاحقة كل من يشتبه به في ارتكاب جرائم بحق المدنيين العزل.
” دنيا الوطن” حملت هذا الملف الى عدة جهات مختصية لمعرفة كيف يمكن لهذا النزيف أن يتوقف؟؟
متابعة
مدير منظمة الصحة العالمية في قطاع غزة د محمود ضاهر، قال إن المنظمة تراقب الوضع الصحي منذ العام 2006 حتى الآن، وسجل عام 2016 أسوأ عام لوضع خروج المرضى من قطاع غزة، بما يعادل 60 بالمائة فقط ممن تم الاسجابة لطلبهم من الجانب الإسرائيلي.
وأضاف، “لدينا تدخلات مع الجانب الإسرائيلي بإعلامه بأن الفلسطيني من حقه الحصول على الصحة والخدمات الصحية، وهناك نقاشات كثيرة”.
وأوضح ضاهر لمراسل “دنيا الوطن”، أن المنظمة تساعد المؤسسات القائمة على تحويل المرضى للخارج من خلال التعاون والعمل مع الشؤون المدنية وقسم التنسيق الصحي في وزارة الصحة ودعمهم بمعدات وأجهزة.
كما أن المنظمة تعمل على تنمية القطاع الصحي إذا كان في قلة خدمات في القطاع الصحي بغزة، يتم الدعم بشكل مباشر بين المنظمة والوزارة من خلال توفير دعم تقني وتدريب طواقم واستقدام طواقم فرق طبية من الخارج، لمحاولة التخفيف من وطأة هذا الحال.
لكنه أكد أن ذلك ليس بديلاً عن خروج المرضى في هذا الوقت إلى خارج غزة، لأنه لا تزال خدمات لا وجود لها في قطاع غزة، ومن حق المريض الحصول على العلاج المناسب.
وأفاد أن المنظمة تعمل للتخفيف عن المرضى في ظل وجود قلق من الموضوع بعد تسجيل حالات وفاة في انتظار تصاريح العلاج، مضيفاً:” نحاول في المنظمة النقاش مع كل الأطراف سوءاً مع إسرائيل كدولة احتلال بالإضافة للسلطة من خلال دعم العلاج بالخارج أو من خلال النقاش مع السلطات الصحية في غزة لإيجاد بدائل لهذا”.
ولفت إلى ان المنظمة تضغط باتجاه حق المرضى في العلاج خاصة مع اسرائيل لان لديها مفاتيح الحل، مطالباً بايجاد بدائل مختلف للمرضى الذين لا يجدون فرصتهم للخروج من غزة من خلال توفير العلاج داخل غزة، وهذا يعني ايجاد خدمات على مستوى عالي تحقق الحد المقبول من تقديم الخدمات الصحية للمواطن الفلسطيني.
واضاف ضاهر: “مستمرون في منظمة الصحة العالمية في الدفاع عن حقوق المرضى للحصول على العلاج المناسب وتوفير الدعم المطلوب للجهاز الصحي”.
تطوير
وفي السياق، قال الصحفي أشرف ابو خصيوان، إنه يمكن أن يتم وقف إهدار أموال الشعب الفلسطيني وخاصة سكان قطاع غزة الذين يتم تحويلهم للعلاج بالخارج من خلال دعم الاقسام والتخصصات الجراحية وتطوير الكوادر الطبية والمعدات والأدوات وإعطاء الفرصة للطاقات والخبرات من إتمام عملها.
لان قطاع غزة يتواجد فيه طواقم طبية كبيرة ولها خبرات عديدة وتمتلك كفاءات تضاهي الخبرات الموجودة في الدول العربية، ولكن هناك نقص حاد في الأدوات والمعدات الطبية وصياة الأجهزة، وهذا يعود للحصار الاسرائيلي والانقسام السياسي الفلسطيني الذي حرم الشعب الفلسطيني من العديد من خبرات ابنائه لعدم قدرة الحكومات على صرف رواتب ومكافأت تليق بحجم الطاقم الطبي الذي يعمل في قطاع غزة”حسب قوله.
ثلاثة محاور
في الأثناء، قال الناطق باسم وزارة الصحة الدكتور أشرف القدرة، إن منع المرضى من الوصول للمشافي التخصصية لاستكمال العلاج داخل الخط الأخضر يعتبر قرصنة واضحة من الاحتلال لحقوقهم العلاجية التي نصت عليها المواثيق الدولية.
وقال إن لمرضى غزة الحق الكامل في مقاضاة الاحتلال على العذابات التي يواجهونها بسبب منعهم من السفر للعلاج بالخارج وما يترتب عليها من تداعيات خطيرة على أوضاعهم الصحية والتي من شأنها أن تؤدي إلى حالات الوفاة كما حدث مع العديد من الحالات التي قضت نحبها وهي تنتظر أن يسمح لها من الاحتلال بمغادرة قطاع غزة.
وأضاف: “الاحتلال يمعن في تقويض الحقوق الصحية لمرضى قطاع غزة بمنع إدخال المستلزمات والأدوية وتأخيرها إضافة لمنع المرضى من مغادرة القطاع باستمرار الحصار للعام 11 على التوالي، ونحن هنا أمام عدو لا أخلاقي ولا تنسجم سياسته مع القيم الإنسانية”.
ولفت القدرة لـ”دنيا الوطن” إلى أن تغيير الواقع المرير الذي يتجرعه المرضى في قطاع غزة يتم من خلال ثلاثة محاور، أولها: أن يتولى المجتمع الدولي مسؤولياته في رفع الحصار غير القانوني وغير الأخلاقي عن قطاع غزة وفق اتفاقية جنيف.
اما المحور الثاني:” يتطلب جهداً فصائلياً واضحاً ومسؤولاً للتنديد بحالة الحصار المستمر على قطاع غزة على المستوى الرسمي والفصائلي والعمل الجاد من أجل رفع الحصار وإنهاء معاناة مرضى قطاع غزة.
ثالثاً:” هي مسؤولية المنظمات الدولية كالصليب الأحمر والأونروا ومنظمة الصحة العالمية والمؤسسات الانسانية والحقوقية بالعمل الجاد لوقف السياسات الإجرامية وإنهاء الحصار وضمان حصول المرضى على حقهم في العلاج سواء داخل غزة أو خارجها”.
توجه للمحكمة الجنائية
في حين يرى خبير القانون الدولي د عبد الكريم شبير، أنه في الخطوة الأولى لا بد من تسجيل الانتهاكات وتوثيقها قانونياً عن طريق مؤسسات حقوق الإنسان.
وقال د شبير لمراسل “دنيا الوطن” انه يتوجب على السلطة أن تخاطب بشكل رسمي مؤسسات حقوقية ومنظمات حقوقية، وأخذ الملف إلى القضاء الدولي بشقيه محكمة جنائية دولية أو قضاء دول لها علاقة بالموضوع، لملاحقة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية التي تلاحق مرضى غزة وترفض منحهم الحق في العلاج، وهو حق مكفول في المواثيق الدولية، ويجب عليها الالتزام به كاحتلال.
وتأمل الخبير الدولي من مؤسسات حقوق الإنسان بغزة كمؤسسة حقوق الإنسان والضمير والهيئة الفلسطينية المستقلة والمركز الفلسطيني، تبني الموضوع كمنظمات أعضاء في منظمات دولية وطرحه على القضاء الدولي إذا تخلت السلطة الفلسطينية عن الموضوع، لأن المسؤولية الأولى تقع على عاتق السلطة الفلسطينية.




