الاخبارشؤون عربية ودولية

اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي في النظر إلى “القدس الموحّدة”


جرى الاحتفال بـ «يوم القدس» في العام 2017 تحت شعار» خمسون عاماً على توحيد القدس». وخلال الاحتفالات أعلن عدد كبير من قادة وزعماء وناطقين إسرائيليين أن القدس هي «العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل». على مر السنوات وفي الخطاب الإسرائيلي عن القدس ترسخت شعارات ثابتة: «القدس الموحدة»، والقدس الكاملة»، و»القدس العاصمة الأبدية للشعب اليهودي»، و»سلام مع القدس»، وغيرها. تحاول الشعارات بطبيعتها أن تنقل رسائل بسيطة وقصيرة وتهدف إلى توحيد وجهة نظر الجمهور ودفعه إلى استيعاب الرسالة. وتحتل الشعارات التي لها علاقة بالقدس مكاناً مهماً بصورة خاصة، لأنه على الرغم من وجود القدس على الدوام في قلب النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، فإنها لم تكن مطروحة على جدول الأعمال الجمهور الإسرائيلي. ولم ينظر الجمهور إلى مشكلة القدس كجزء من ساحات المواجهة، وكمصدر لتهديد أمني خطير، إلاّ في ما يتعلق بالهجمات الإرهابية. وهكذا يرد ذكر القدس في الحملات الدعائية قبيل انتخابات الكنيست، وعلى الأغلب عندما تريد الأحزاب المتنافسة إقناع جمهور ناخبيها بأنها لا تنوي تقسيم المدينة (في انتخابات 2015 لم يرد تقريباً ذكر المدينة)، أو قبيل «يوم القدس» مع التركيز على وسائل الترفيه المتوفرة فيها.
في ضوء ذلك، من المعقول الافتراض أن الجمهور الإسرائيلي، الذي لا تزور أغلبيته الساحقة عادة الأحياء العربية في القدس الشرقية، لا يدرك عمق المشكلات والمعضلات التي لها علاقة بالقدس. أما شعار» القدس الموحدة» فقد ترسخ طوال سنوات في الخطاب الإسرائيلي، من دون أن يكون هناك فهم عميق للمشكلة المعقدة التي ينطوي عليها وانعكاساتها السياسية.
لقد أدى تزايد الأحداث العنيفة في «موجة الإرهاب» التي حدثت في 2015-2016 في القدس، إلى تبدل علاقة الجمهور بمشكلة القدس. وامتازت هذه الفترة بفيض من اقتراحات لخطط سياسية جديدة من أجل إيجاد حل لمشكلة القدس، كان قاسمها المشترك فكرة الانفصال عن جزء من الأحياء والقرى في شرقي المدينة. ومن بين هذه الخطط خطة رئيس بلدية القدس إخراج الأحياء الواقعة وراء جدار الأمني من نطاق بلدية القدس، وخطة «حركة انقاذ القدس اليهودية»، وخطة يتسحاق هيرتسوغ زعيم «المعسكر الصهيوني» السياسية.
من المناسب فحص موقف الرأي العام حيال هذه الخطط وغيرها، على خلفية أحداث العنف التي وقعت في المدينة، من منظور زمني. طوال سنوات رأت أغلبية الجمهور القدس الموحدة كجزء لا يتجزأ، وعارضت تقسيم المدينة. خلال السنوات 1994-1998، رأى 80% من المشاركين في استطلاع «مؤشر السلام» أن القدس يجب أن تبقى موحدة وعارضوا تقسيمها، بما في ذلك ضمن إطار اتفاق شامل بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد بقيت نسبة المعارضين مرتفعة أيضاً عندما جرى طرح قضية التقسيم كما لو أن اتفاق السلام مرتبط بها فقط. في السنتين 1999-2000 بدأ تحول في الرأي العام: قرابة 65-70% من الذين شملهم استطلاع «مؤشر السلام» واستطلاعات معهد أبحاث الأمن القومي، أعربوا عن معارضتهم تقسيم المدينة. وفي فترة الانتفاضة الثانية أيضاً، عندما سئل الجمهور عن موقفه حيال خيار الانفصال الأحادي الجانب، وعلى الرغم من أن السؤال حدد بوضوح أن «هدف تقسيم القدس هو تقليص الإرهاب»، فإن 70% من الجمهور بقي معارضاً لفكرة الفصل.
خلال السنوات 2004-2014 برز استقرار في الرأي العام. فمن جهة عارض 60-65 % من الجمهور عودة فلسطينيين إلى الأحياء العربية، ومن جهة أُخرى ارتفعت نسبة التأييد لتقسيم القدس، عندما طرحت المسألة كشرط للتوصل إلى اتفاق ضمن إطار صفقة شاملة.
في صيف 2014 تدهور الوضع الأمني في القدس: حدث مقتل الشاب أبو خضير على يد نشطاء من اليمين الإسرائيلي المتطرف، وفي الوقت عينه ازدادت الهجمات التي نفذها فلسطينيون: إلقاء زجاجات حارقة ورشق حجارة على القطار الخفيف، حوادث دهس، وحادثة إطلاق نار على كنيس في هار نوف. خلال تلك الفترة رافق الصراع الفلسطيني على القدس شعار: «الحرب على القدس». لكن في هذه الفترة أيضاً عارض جزء كبير من الجمهور نقل الأحياء العربية في القدس الشرقية إلى الفلسطينيين، بما في ذلك ضمن إطار اتفاق سلام ثابت معهم (حوالي 60%). إنما لاح تطور مهم خلال «موجة الإرهاب» التي حدثت في 2015-2016، إذ أظهر استطلاع جرى فور بدء موجة التصعيد أن 69% من الجمهور مهتم بالانفصال عن الأحياء العربية في شرقي المدينة.
ماذا تخبرنا الأرقام؟
أولاً، يمكن الإشارة بحذر شديد إلى ظهور تحول في مواقف الجمهور في ما يتعلق بالمكونات الفعلية للتسوية في القدس. وبخلاف الماضي، جزء صغير فقط ظل مع الإبقاء على الوضع القائم. في مقابل ذلك، فإن أغلبية الجمهور تعتقد بأن الواقع القائم إشكالي ومن الصعب استمراره إلى ما نهاية، لذلك هي اليوم أكثر انفتاحاً من الماضي على أفكار جديدة. ثانياً، إن توجه الانفتاح المتزايد حيال تسوية جديدة في القدس يسير جنباً إلى جنب مع فكرة الفصل على أساس حل «دولتين لشعبين»، الذي يحظى بتأييد أغلبية الجمهور (نحو 65% من مؤيدون). إن الجمهور معني بالانفصال عن الفلسطينيين مع التشديد على المحافظة على الأمن. وهو مهتم بتقليص الاحتكاك بأي ثمن ومن دون فهم مغزى ذلك وصلته بالوضع المعقد للقدس. ويجب أن نذكّر مجدداً بأنه عندما يبرز تقسيم القدس كجزء من صفقة شاملة للتوصل إلى اتفاق، تحظى هذه الصفقة بتأييد أغلبية الجمهور. ثالثاً، من المهم أن نفحص مجدداً لماذا طرأت تغيرات في موقف الجمهور حيال سكان القدس الشرقية في هذه الفترة تحديداً، على الرغم من أن القدس شهدت حوادث عنف في سنوات سابقة. على ما يبدو أن «موجة الإرهاب» الأخيرة، والشبان الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية الذين حركوها، كان لهم دور مهم في إحداث التغيير في الرأي العام. لقد دحضت هذه الأحداث العنيفة الافتراض الأساسي القائل إن في الإمكان المحافظة على الوضع القائم في المدينة، وقد قسّمت عوائق الباطون التي أقيمت، لفترة قصيرة في القدس الشرقية، عملياً بين أحياء يهودية و أحياء عربية. وقد عكس جوهر التقسيم تغيراً في الوعي: فللمرة الأولى يبدو التقسيم ممكناً، لا سيما وأن الفصل قامت به حكومة يمينية. ويجب أن نتذكر أن الأرضية كانت ناضجة للتغيرات، وكما قلنا، فإن الاستطلاعات أظهرت ذلك من قبل. يُستخلص من ذلك، أنه من المستحسن أن تأخذ القيادة في حسابها تأثير الأحداث على الرأي العام، لأنه في أوقات الطوارىء تحديداً تزداد فرص التغيير، وفي الأوقات العادية عندما يعود الهدوء النسبي تختفي الضرورة وتختفي معها الرغبة في التغيير. وعندما ننظر إلى الأمام، وفي ضوء الاتجاهات السابقة التي تحدثنا عنها في هذا المقال، يمكن الافتراض أنه كلما استمرت فترة الهدوء كلما قويت وجهة نظر التي تدعم فكرة المدينة الموحدة.

عن «مباط عال»

*رئيسة مشروع دراسة اتجاهات الرأي العام في معهد دراسات الأمن القومي.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى