
لوسألتَ مستثمِرًا مسحورًا بالمال وبالأوراق المالية: “هل النقود (المال، أو الأموال) تَلِد؟هل تَلِد مولودًا من جنسها؟هل المال يَلِد مالًا؟” لأجابكَ على البديهة قائلًا: “نَعَم، النقود تَلِد”.
أرسطو، وبذهنه الوقَّاد، أدركَ “الحقيقة”، فقال إنَّ المال لا يَلِد مالًا؛ فالمال في حدِّ ذاته عاقِر.
مع تقسيم، واتِّساع تقسيم، العمل، وتنوُّع المنتجات، اشتدت الحاجة إلى سلعة ما، لتؤدِّي وظيفة “النقد”، أو إحدى وظائفه (واسطة لتبادل السِّلَع). وقد تواضَع وتوافَق الباعة والشراة على سلعة ما (أو على بعض السِّلَع) قبل ظهور “النَّقْد الذَّهبي” لتؤدِّي وظائف “النقد”، أو وظيفتا “مقياس القيمة” و”واسطة التبادل”.
وللسبب نفسه، اشتدت الحاجة إلى “المعادِل العام”؛ وكان “الذَّهب”، أو “سلعة الذَّهب”؛ فمعدن الذَّهب تَواضَع على اتِّخاذه “نقدًا” كل الناس؛ كل الباعة والشُّراة؛ فهو الذي بقليلٍ منه نحصل على سِلَعٍ قيمها التبادلية كبيرة؛ وهو الذي لا يتلف، وقابل للتجزئة، ويحتاج الناس دائمًاإلى اقتنائه واستعماله؛ وهو الذي، بصفة كونه “سلعة”، يظل محتفظًا بقيمته التبادلية نفسها زمنًا طويلًا.
“النَّقْد الذَّهبي” هو الدرجة العليا من “النقود السلعية”؛ ولقد غدا “مقياس قِيَم السلع جميعًا”، و”واسطة تبادلها (سلعة ـ نقد ذهبي ـ سلعة)”، و”وسيلة للادِّخار”؛ فلا ملاذ آمنًا لثروات الناس المادية، وفي أوقات الضيق والشدة على وجه الخصوص، إلَّا المعدن الأصفر.
وكان يكفي تجميع مُدَّخرات الناس (من النقود الذَّهبية) في مكان واحد (أيْ المصرف) حتى يزداد ويتَّسِع “الاستثمار”؛ فـ”المُسْتَثْمِر” الذي اقْتَرَض نقودًا ذهبية من المصرف يَسْتَثْمِر هذا القرض في الصناعة، مُنْتِجًا سلعةً ما؛ و”النتيجة النهائية” هي “ربح ثلاثي”، ربح للمستَثْمِر، أيْ المُقْتَرِض، وربح للوسيط، أيْ المصرف، وربح للمدَّخِر؛ فلا استثمار بلا ادِّخار؛ ولا ادِّخار قبل ظهور النقود الذَّهبية.
ومع مرور الوقت، واتِّساع تبادُل السِّلع أكثر، تحوَّل “النقد الذَّهبي” من شكله السِّلعي (أيْ من شكل سلعة الذَّهب) إلى الشَّكل الورقي، فظهرت “النقود الورقية”، التي تَرْمُز فحسب إلى “النقد السِّلعي الذَّهبي”؛ فـ”الورقة النقدية” لا قيمة لها في حدِّ ذاتها.
لقد كنتُ أدَّخِر نقودًا ذهبية في المصرف، ولمَّا جئتُ لأسْحَب بعضها (من أجل شراء سلع) قال لي صاحب المصرف: خُذْ هذه “الأوراق” بدلًا منها، واقضِ بها حاجتك (أيْ اشْترِ السِّلع التي تريد) فإنَّ جمهورًا واسعًا من الباعة والتُّجار والمستثمرين.. “يَثِقُ” بالمصرف، ويَقْبَل، من ثمَّ، التعامُل بهذه “الأوراق” التي تنوب عن “النقود الذَّهبية” في البيع والشراء.
وبعد نجاح هذه التجربة الجديدة، وتعميمها، أصبح مصرفًا واحدًا فحسب، هو المصرف المركزي”، أيْ مصرف الدولة، هو الذي يملك سلطة إصدار هذه “الأوراق (النقود الورقية)”. وهكذا أضافت “الدولة” إلى سلطانها السياسي سلطانًا ماليًّا؛ فهي الآن تَطْبَع وتُصْدِر “النقود الورقية”.
قد أحتفظ بهذه “الأوراق” في يدي، زمنًا يطول، أو يقصر؛ وقد أشتري بها (لغرض الاستهلاك) سلعة ما، أو خدمة ما، من بائع ما، في بلدي؛ وقد أشتري بها، وبغيرها، “سلعًا إنتاجية (آلات ومواد..)” لأعيد إنتاج سلعة ما؛ وقد أضعها (أيْ أستثمرها) في مصرف ما، فيُقْرِضها صاحب المصرف (أيْ صاحب الرأسمال المصرفي) لمستثمر ما، فيحصل هذا “المُقْتَرِض ـ المستثمِر”، في آخر المطاف، على مبلغ (إضافي) من المال، يأخذ جزءًا منه على شكل “ربح صناعي”، ويعطي المصرف الجزء الآخر؛ أمَّا صاحب المصرف فيتقاسم هذا الجزء معي بصفة كوني “المودِع”؛ فهو حصل على “ربحه المصرفي”، وأنا حصلتُ على “الفائدة”.
كل ورقة نقدية تملك إنَّما تعني أنَّكَ “دائن”، وأنَّ أيَّ بائع (لسلعة أو خدمة) في بلدك مدين لك؛ وتعني أنَّ لكَ حقًّا (مكفولًا قانونيًّا) في أنْ تشتري بها ما تريد من السلع والخدمات؛ لكن ليس لكَ الحق في أنْ تَذْهَب إلى مُصْدِر هذه الورقة، وهو الدولة ومصرفها المركزي، لتقول له: خُذْ ورقتكَ، وأعِدْ لي ما تُمثِّله (وتَرْمُز إليه) من “نقد ذهبي (سلعي)”. سيُجيبكَ قائلًا: هذا ليس حقك، وهذا ليس واجبي؛ فاذهبْ إلى السوق واشترِ منها ذهبًا إذا ما أردت.
كان لك حقٌّ في ذلك عندما كانت المبادلات التجارية الدولية بواسطة الذَّهب؛ فالدولة (ومصرفها المركزي، وغيره) تعطيكَ ذَهَبًا (بدلًا من نقودك الورقية) لتشتري به سلعًا من دولة أخرى؛ والآن، لا تعطيكَ ذهبًا؛ وإنَّما “الورقة الخضراء (الدولار)”، أو غيرها من “القطع النادر (العملات الصعبة)”. وأنتَ يكفي أنْ تملك دولارًا واحدًا حتى تصبح دائنًا، ويصبح كل بائع في العالم (والولايات المتحدة على وجه الخصوص) مدينًا لكَ.
كل “ورقة نقدية” أمْلك إنَّما هي دَيْنٌ، أنا فيه “الدائن”، وكل بائع في بلدي هو “المدين”؛ وكأنَّ هذه “الورقة (التي أمْلُك)” تُخْبرني أنَّني قد تخلَّيْتُ لغيري (مِنْ قَبْل) عن سلع كنتُ أمْلكها، ولم أحصل حتى الآن على ما يَعْدلها قيمةً من سِلَع أخرى.
وإنَّني سأظلُّ “دائنًا” ما ظَلَلْتُ محتفظًا بـ”الأوراق النقدية”؛ ولن تزول صفة “الدائن” عنِّي إلَّا عندما أشتري سلعًا بهذه “الأوراق”.
ظهور “الأوراق النقدية” أسَّس لاقتصاد موازٍ للاقتصاد الحقيقي (الذي تُنْتَج فيه السلع، والثروة الحقيقية للأمم). وهذا الاقتصاد الموازي لا يُضيف سنتًا واحدًا للثروة الحقيقية للمجتمع، ولا يُفْقِدها سنتًا واحدًا.
وكان “سعر صرف” العملة هو الشكل الأوَّل لـ”اللعبة المالية”؛ فقيمة العملة النسبية (نسبةً إلى الدولار مثلًا) تَعْظُم بتضاؤل الطَّلب على الدولار في السوق القومية، وتتضاءل بتعاظمه.
ثمَّ اسْتُحْدِثت لـ”اللعبة” أوراق أخرى كالسهم (والسند). وقد انفصل حَمَلَة الأسهم عن الاقتصاد الحقيقي بنشاطهم، وأسَّسوا لهم، ولنشاطهم هذا، أسواقًا خاصَّة بهم، وبه، يبيعون فيها، ويشترون، الأسهم، التي يتحكَّم قانون “العرض والطَّلب” في أسعارها. وفي هذا النوع من الاستثمار تتعادَل أرباح الرابحين وخسائر الخاسرين، فتتصَفَّر النتيجة الاستثمارية النهائية.
إنَّهم كلاعِبَيْن اثنين من “الدائنين”، يلعبان بصكوك الدَّيْن، وهي الأسهم، فلا يربح أحدهما إلَّا ليخسر الآخر، في الوقت نفسه؛ ورِبْح أحدهما يَعْدِل خسارة الآخر؛ أمَّا الاثنان معًا فلا يربحان، ولا يخسران.
ولتبيان وتوضيح الفَرْق النوعي بين الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي والاستثمار في سوق الأوراق المالية، أو البورصات، أقول: افْتَرِضْ أنَّك تملك مليون دولار، فاستثمرتَ هذا المبلغ المالي في الصناعة، أو في سوق الأوراق الأوراق المالية (في تجارة الأسهم مثلًا).
لقد عاد عليكَ هذا الاستثمار، أو ذاك، في آخر المطاف، بمبلغ مالي آخر، 200 ألف دولار مثلًا، على شكل ربح.
إذا استثمرتَ في الصناعة، فإنَّ هذا المبلغ المالي الإضافي هو إضافة إلى الثروة الحقيقية للمجتمع؛ أمَّا إذا استثمرتَ في تجارة الأسهم، فإنَّه لا يضيف سِنْتًا واحدًاإلى هذه الثروة؛ فربحكَ يَعْدِل خسارة تكبدَّها، في الوقت نفسه، مستثمر آخر في سوق الأسهم.
ثروة المجتمع (المادية، والحقيقية) إنَّما تأتي، وتنمو، فحسب، من طريق إنتاج (صناعة) أشياء، يستهلكها، أو يمكن أنْ يستهلكها، الفرد، أو الجماعة، تلبيةً لحاجة ما، كالحاجة إلى حذاء، أو إلى حافلة؛ أو لإنتاج شيء آخر، كالآلة، يُسْتَعْمَل (أو يُسْتَهْلَك إنتاجيًّا) في إنتاج الحذاء أو الحافلة..
من طريق الاتِّجار بالسلع (أيْ من طريق بيعها وشرائها) يَحْصَل مالك السلعة (ومن حيث المبدأ) على نقود تُمثِّل قيمتها، وتَرْمُز إليها؛ ومن هذه الطريق “تتحقَّق” قِيَم السلع.
أمَّا من طريق الاتِّجار بـ”الرموز”، أيْ النقود الورقية، وسائر أنواع الأوراق المالية، فلا نضيف شيئًا إلى ثروة المجتمع الحقيقية، ولا ننتقص منها شيئًا؛ مع أنَّ هذا النوع من النشاط الاستثماري يشتمل على أرباح وخسائر، وعلى رابحين وخاسرين.



