
في ذكرى يوم الأرض 30 آذار، تصدر المجتمع المدني الفلسطيني الحراك الجماهيري الذي حصل بشكل عظيم لدرجة الإبهار. تصدره، بكثافة الحضور وبتنوعه واتساع دائرة انتشاره، وبالمشاركة اللافتة للمرأة، وبالتمسك بطابعه الشعبي السلمي. تصدره، بالإصرار على هدف التحرك وشعاره المركزي «حق العودة»، وأعاد تذكير العالم وشعوبه وهيئاته الدولية والوطنية بهذا الحق وبأنه ما زال قائماً وحياً وراسخاً. تصدره، بالصمود البطولي في وجه الفاشية الوحشية لدولة الاحتلال وقواتها الأمنية التي واجهت التحرك السلمي بالنيران الحية وقنابل الغاز. ودفع من أرواح شبابه 17 شهيداً، ومن دماء وآلام مصابيه وجرحاه أكثر من 1200 جريح. وتصدره فوق ذلك، بنجاحه الكبير في إعادة دولة الاحتلال إلى رأس القائمة الدولية للفاشية والعنصرية والعدوانية، وفي تحريك مياه المطالبة العالمية بمحاسبتها ومعاقبتها، وأيضاً في تحريك «سنسولة» مياه في مجتمع دولة الاحتلال نفسه ترفض وتستنكر الأساليب الفاشية لدولتهم وتخجل وتتبرأّ منها، كما عبرت عن ذلك بعض المواقف والمقالات.
لا يقلل من درجة الإبهار المذكورة تركز زخم الحراك وعنفوانه في قطاع غزة أولاً وفي مناطق 1948. فلذلك أسباب أهمها وأصعبها موضوعي يتمثل بالاحتلال ودرجة سيطرته. أما الثانوي منها فيتعلق بأكثر من سبب، ويبقى الانقسام وتعبيراته وتأثيراته في مركزها. لكن الحراك الذي تم بنجاح مبهر يشير بقوة إلى إمكانية مقاومة الأسباب الموضوعية والتغلب عليها. ويشير إلى إمكانية تجاوز الأسباب الذاتية، على الأقل فيما يخص استمرار الحراك وتطويره.
يمكن التفاؤل بأن يكون تصدر المجتمع المدني لحراك يوم الأرض هو بداية مسار يتواصل لاستعادة «النضال الجماهيري» لدوره كشكل نضالي أساسي يتكامل مع الأشكال الأخرى للنضال الوطني الفلسطيني ومقاومته للاحتلال؟ فمنذ الانتفاضة الشعبية المجيدة الأولى 1978 تم تغييب هذا الشكل النضالي لصالح النضال السياسي الدبلوماسي التفاوضي من جهة، ومن جهة أخرى، لصالح العسكرة المفرطة بالذات في ابتعادها عن حركة الناس وتعبيراتها.
لقد أضعف تغييب النضال الجماهيري كثيراً دور الجماهير وفعلها في النضال الوطني المباشر كما كان في معظم مراحله، وآخرها الانتفاضة الأولى، وأضعف دور وفعل هيئات ومنظمات المجتمع المدني في كل الأمور التي تهم الوطن، وتهم المواطن أيضاً.
هذا التغييب أضعف أيضاً، العلاقات مع الجماهير العربية ومع هيئاتها المجتمعية المختلفة وأضعف بالتالي دور هذه الجماهير وهيئاتها وتأثيرها في دعم النضال الوطني الفلسطيني ودعم مواقفه ومطالبه ومشاريعه من جهة، وفي فرملة أي مظاهر تراخ في النظام الرسمي العربي من جهة أخرى.
من الآن وحتى 15 أيار القادم يوم الذكرى السبعين للنكبة ويوم قمة الحراك الجماهيري ومحصلته وموعد حدثه المركزي، فإن المهمة المركزية هي استمرار وتواصل مسار الفعل الجماهيري السلمي وانتشاره بأشكال متنوعة حسب تنوع الظروف والإمكانيات في مناطق الوطن وفي تجمعات الشتات والمنافي. إضافة إلى إكساب الحركة الجماهيرية أعلى قدر ممكن من النظام والتخطيط القريب والبعيد المدى. وقد ينتج عن النجاح في مسار الفعل الجماهيري ظهور قيادات ميدانية وربما هيئات قيادية.
إن القيام بهذه المهمة المركزية لا يمكن ولا يجب أن يتم بمنطق التضاد، أو حتى التنافس مع التنظيمات القائمة ولا مع هيئات ومؤسسات السلطة الوطنية القائمة، بل بالترحيب والمساعدة، وبمنطق التكامل المتنوع وعلى قاعدة وحدة النضال الوطني ووحدة أهدافه.
إن أي نجاح يتم إنجازه في المهمة المركزية المشار إليها، لا بد من أن يجد انعكاساته وتأثيراته الإيجابية المشجعة على النضال الوطني في أكثر من مستوى وأكثر من مجال:
– يجد انعكاسه الإيجابي على وحدة الموقف السياسي الفلسطيني، وبالذات تجاه العناوين الأكثر تفجراً والأكثر إلحاحاً (صفقة العصر للرئيس ترامب وقراره حول القدس، وقضية اللاجئين وحق العودة، والدولة الفلسطينية ذات السيادة، وتغول الاستيطان، و….).
– ويجد انعكاسه الإيجابي على موضوع الانقسام المدمر باتجاه الخروج منه.
– ويجد انعكاسه الإيجابي الواسع على مزيد من كشف وتعرية حقائق الاحتلال الصهيوني ومدى عنصريته وفاشيته وقمعه أمام كل شعوب ودول وهيئات العالم، ويطرح على جداول أعمالها ضرورة معاقبته.
– ويجد أي نجاح يتم إنجازه في المهمة المركزية، انعكاسه في تقوية حضور وفاعلية الحركة السياسية للسلطة الفلسطينية، والكل السياسي الفلسطيني، وتقوية مواقفها وفاعليتها على المستوى الدولي. وتقويتها أيضاً، على المستوى الرسمي العربي.
إن استمرار الحراك الجماهيري السلمي وتطوره لا بد من أن يفرض نفسه على أجواء وأعمال ونتائج مؤتمر القمة العربية الذي سينعقد بعد أسبوع، بشكل يزيد من قوة الحضور الفلسطيني. ويعزز القدرة والإمكانية على تبني المؤتمر للمواقف والمطالب والتوجهات والمشاريع الوطنية الفلسطينية. كما يعزز، إمكانية تبني المؤتمر سياسات ومواقف وقرارات حاسمة تتقاطع مع الموضوع الفلسطيني تزيل أي لبس قد يعتري حقيقة الموقف العربي وتمنع استغلاله أو أي خروج عليه.



