السبت, مايو 9, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءالتوازن الديمغرافي في إستراتيجية بناء القوةبقلم :حسين حجازي

التوازن الديمغرافي في إستراتيجية بناء القوةبقلم :حسين حجازي


قيل في الأزمان القديمة إن الله يحارب مع الجيوش الكبيرة، وهذا القول يقابله قول العرب والمسلمين إن يد الله مع الجماعة، وهو قول يفيد غلبة الكثرة في نهاية الأمر أو الصراع، او في كلام آخر ان الكمية تتفوق على النوعية في بناء استراتيجية القوة. وهو ما يؤكده او يحيله الى قانون الديالكتيك او الجدل الماركسي الذي يتحدث عن التراكم الكمي، الذي يؤدي الى معادلة النوعية أو ما يسمى التحول أو التغير النوعي.
وواقع الحال اننا لا نتحدث عن الحرب بالمعنى الكلاسيكي أي عن الجيوش التي تواجه الجيوش الأُخرى، ويكون النصر في الحرب يعادل تدمير او تحطيم قوة العدو المادية او قدرته على مواصلة القتال، ولكننا نتحدث اليوم عما يبدو انه التحول الأخير في صراع القوة او المبارزة التاريخية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في هذا السياق الممتد والمتطاول من كفاح الفلسطينيين للتحرر الوطني من نير الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على ظهورهم، كشعب او جماعة وطنية. وهو التحول الذي قد ننظر اليه كما أسلفنا او أوضحنا السبت الماضي، باعتباره يعكس غنى وتنوع التجربة الفلسطينية في القدرة المدهشة على إحداث هذه النقلات في صراعهم مع المهمة.
وربما تكون المصادفة وحدها هي التي أبرزت على السطح هذا التزامن بين هذا التحول الذي حدث بدءاً من الجمعة قبل الأخيرة يوم 30 آذار، فيما يعتبر ذروة الانتقال نحو المقاومة الشعبية السلمية الناعمة، التي تظهر تطويرا جديدا مبدعا وخلاقا على قدر كبير من الإلهام للانتفاضة الشعبية الناعمة التي جرت العام 1987.
والمقصود بهذا التزامن هو الإعلان الذي صدر في ذات الوقت نتائج التعداد السكاني او الديموغرافي للفلسطينيين عن مركز الإحصاء الفلسطيني، والذي يظهر حقيقة هذا التعادل او التوازن او التساوي بين عدد الفلسطينيين الإجمالي على مجموع ارض فلسطين التاريخية وعدد الإسرائيليين، وهو توازن او تعادل لا يخدم او يلعب على محور الزمن وإستراتيجيات الطرفين لمصلحة إدامة الاحتلال الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه يحدد او يرسم ملامح معطى جديد وحاسم في إعادة بناء استراتيجية القوة الفلسطينية، والتي بدأت ملامحها تتشكل الآن.
والمفارقة ان هذا حدث دونما توقع او تنبؤ وعلى قدر كبير من المفاجأة، كشأن جميع التحولات التي حدثت سابقا في مجرى الصراع وفي التاريخ، حتى ليبدو ما حدث ويحدث الآن كما لو انه زلزال سياسي او هزة استراتيجية. أي ان مقاربتها تتخذ هذا السياق الجديد لما قبل وما بعد.
لقد توصلوا أخيرا بعد تراكم تاريخي في السير على المنحنيات الى ان يتعلموا ان يعلموا او كيف يعلموا انفسهم في اكتشاف ورقتهم القوية، وان يلقوا بها على الطاولة الكمية، التي تفل او تقهر النوعية المضادة، القوة الكمية الإنسانية او البشرية مقابل النوعية النخبوية التي محورها التفوق التكنولوجي. أي بخلاف ما ذهب اليه كلاوزفيتز الذي تحدث عن أفضلية هذه النظرية في بناء الاستراتيجية التقليدية للجيوش في الحرب، وإنما في إطار هذا النوع من الاستراتيجيات المضادة التي لاحظناها في نموذجي الهند مع المهاتما غاندي، وجنوب إفريقيا مع نيلسون مانديلا.
ولكن اذ نصل أخيراً الى إغلاق هذه الدائرة من هذا التلون الخماسي الذي يشبه مجازاً ألوان الطيف او السلم الموسيقي تدرجا من الأحمر الى الأزرق وما بينهما. فقد يمكن محاكاة هذه التحولات المتدرجة ايضا على نحو رمزي او مجازي بتنوع وتعدد تضاريس فلسطين التاريخية الطبيعية، او تناقض وتعدد وتنوع مناخاتها من السهل الساحلي الى السهل الداخلي الى الصحراء والجبال، ومنطقة الغور الأكثر انخفاضاً.
ومع ذلك فان شرطاً او عاملاً حاسماً طالما لعب دوراً في تفوق او انتصار هذه الاستراتيجية غير التقليدية، التي تعتمد على القوة الناعمة او التفوق البشري الكمي على الاستراتيجيات التقليدية للجيوش الاستعمارية او الغازية، وهو الوضع الذي يشبه تفوق الطب البديل او العودة الى الأم الأرض على الطب التقليدي الحديث، وهذا الشرط او العامل الذي ما برح يتكرر في تجارب الاستعمار، هو انعدام او غياب المعرفة لدى القوى الغاشمة او القوة الاستعمارية بالحقيقة الذي يصل الى حد الغباء التاريخي. وكل الاحتلالات كانت تحتوي على هذه النسبة المتساوية تقريباً من هذا الغباء، في تعارضها وعنادها ضد منطق التاريخ او القوانين الطبيعية.
والذي حدث في المثالين البارزين الهند وجنوب إفريقيا والذي يحتذي بهما اليوم الفلسطينيون فيما يسمى مسيرة العودة الكبرى، ان الكمية او الكثرة البشرية غير التقليدية وبوسيلة المقاومة السلمية او الناعمة، هي التي انتصرت على الأقلية النخبوية التي تمثلها حداثة اعظم جيش او قوة عسكرية يملكها الاحتلال البريطاني، وفي انتصار الأغلبية الإفريقية من السود على الأقلية البيض العنصرية الأكثر حداثة في القوة العسكرية.
واليوم هذا هو النموذج او المثال الذي يتجه اليه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عندما ألقى أخيرا الفلسطينيون الذين لا يمكنهم حسم هذا الصراع عبر القضاء على القوة المادية الأكثر حداثة للجيش الإسرئيلي من خلال المواجهة العسكرية المتماثلة، وانما عليهم إطفاء او تحييد او شل هذه القوة النارية بالماء، أي مواجهة وهزيمة القوة الصلبة ولكن التقليدية بالقوة الناعمة والميديا الإعلامية او الصورة.
وربما يحدث هذا التحول بفعل المكر التاريخي او التدخل الإلهي، اذا كان الانسداد في حل أو حسم هذا الصراع لا يمكنه ان يبقى على محور الزمن كجمود مطلق يمكن التعايش معه. وإذ كان واضحاً أن هذا التعادل او التوازن الديمغرافي إما ان يقود الى تقسيم البيت الواحد أي الأرض وفق حل الدولتين، او التوافق على حل الدولة الواحدة.
ولكن اذا كنت لا تريد او ترفض السير بأي من هذين الخيارين، ولا تستطيع عبر التفوق العسكري لجيشك أن تحسم هذا الصراع بإفناء وإبادة الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه، فانك تخاطر بخسارة كل رأس المال. ودلالة ما يحدث انك عندما ترفض التسوية او الحل على أساس حدود العام 1967، فانك تخاطر او تقامر بان يصار الى فتح الحدود التي انتزعتها في العام 1948.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب