ثقافة وادبزوايا

شيء عن “الكرنفالية الأسترالية” في فلسطين!

كتب يوسف الشايب:يتفاجأ الزائر لمعرض “فلسطين من أعلى” في مقر مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، وتحديداً عند وصوله إلى القسم أو الركن الأخير، بعد رحلة من الانبهار والدهشة حد الصدمة أحياناً لما يحويه من مخزون معرفي هائل والكثير منه خفيّ، ولطريقة التقديم، والوسائط المتعددة، وليس انتهاء بحرفيّة القائمين عليه، والكتاب الذي يحمل ذات عنوان المعرض، ويُعدّ مرجعاً مهماً للباحثين في الأرشيف والتاريخ الفلسطيني.

والقسم الأخير هذا وُسِم بـ”الكرنفالية الأسترالية”، يكشف عن جانب خفيّ يمزج ما بين الفن والتأريخ، أو بتعبير آخر هو تأويل فنّي للأرشيف ودلالاته.. والجانب الخفيّ يتعلق بالوجود الكولونيالي الأسترالي على أرض فلسطين، وهو ما عبّر عنه د. أندرو ييب، المؤرخ الفني الأسترالي، وفي فيديو “فلسطين من السماء”، وهو واحد من محتويات الركن هذا، بالقول: “إنه لمن المذهل استخلاص أن لأستراليا صلة عميقة جداً، وفي بعض الأحيان إشكالية جداً مع الشرق الأدنى”.

ويشتمل ركن “الكرنفالية الأسترالية” على لوحات لفنانين كانوا يرافقون القوات العسكرية الأسترالية (الرسم من الأعلى)، وصور لمصورين محترفين بعضها اتكأ على التركيب والمقاربة كما في حال الصور العملاقة لفرانك هيلي، وليس انتهاء بتلك الطاولة التي تحوي الكثير من الصور، وتوثق ما عُرف باسم “كرنفال الركمجة (رياضة ركوب الأمواج) وإنقاذ الأرواح في غزة”، وتتأرجح ما بين استعراض القوة العسكرية على شواطئ غزة، وما بين المرح والرياضة والتسلية، والاستمتاع بالطبيعة الفلسطينية.

وعن حكاية “الكرنفال” يمكن الإشارة إلى أنه في الرابع عشر من تموز للعام 1940، وخلال الحرب العالمية الثانية، نظم الجنود في القوات الأسترالية الإمبراطورية كرنفالاً للركمجة على شاطئ غزة، حيث قام الجنرال توماس بليمي، قائد القوات الأسترالية بدعم الفكرة، وتبرع بنفسه للفائز في سباق الركمجة المفتوح.

ونظم الكرنفال برعاية صندوق المعونة الأسترالي، وهي منظمة كانت تجمع التبرعات للجنود تحت شعار “حافظ على لياقة الرجل اللائق”، وكان الكرنفال مشروعاً أسترالياً بحتاً، وعرضاً لمجموعة من المهارات الضرورية لإنقاذ الأرواح والقدرات الجسدية للرجل الأسترالي المثالي، التي نشرتها نوادي الركمجة التي ازدهرت في سيدني منذ مطلع القرن العشرين، وهو الحدث الذي ساهم في تعزيز صورة الجنود الأستراليين كأبطال وطنيين.

وفيما لم تكن فلسطين بحد ذاتها ساحة معركة، فإنها كانت موقعاً للتدريب والاستراحة والترفيه للقوات الأسترالية، وكانت غزة تحديداً قاعدة للمستشفى الأسترالي.

ولعبت فلسطين دوراً مهماً في بناء صورة الذات الأسترالية، ففي معركة بئر السبع، هجمت وحدات الخيالة الخفيفة من الشرق عابرة السهول لتطرد القوات العثمانية وفرضت سيطرتها على المدينة.

استحضر تمثيل جنود وحدات الخيالة الخفيفة في اللوحات والصور الأسترالية أبطال الثقافة الشعبية في القرن التاسع عشر، وعكسوا الصور النمطية للرواد الأوروبيين الذين استعمروا أستراليا، حيث أصبحت الأمة التي اتحدت حديثاً قوة مستعمرة للأراضي التوراتية القديمة، كما أشار الكثير من المواد البصرية، بشكل مباشر، إلى المشهد الأسترالي، محولة أراضي فلسطين الغريبة عن الجمهور الأسترالي إلى مشاهد مألوفة لديهم.

ولكن دلالات ما هو غائب في الصور واللوحات الأسترالية أكبر بكثير مما هو ظاهر فيها، فهي تبيّن مساحات فارغة ومجرّدة لا أثر فيها لسكان محليين، مرسخة بذلك أكذوبة أن فلسطين بلاد مهجورة بانتظار من يستوطنها، كما أن هذه الأعمال تنأى بنفسها عن أي تفاعل مع السكان أو الثقافة الفلسطينية، وتحصر فلسطين في كونها خلفية لصور انتصارات وحدات الخيالة تتغير بحسب اللازم، كما كان ثمة تجاهل لعلاقات الجنود الأستراليين أو تفاعلهم مع سكان فلسطين الأصليين، وناسها الحقيقيين، بحيث إن وجدت مثل هذه العلاقات، فإنها غابت عن التوثيق البصري تصويراً ورسماً.

وفي تمجيدها للجندي الأسترالي، تتجاهل هذه الأعمال الانتهاكات التي ارتكبها هذا الجندي كالمجزرة التي حصدت أرواح جميع رجال صرفند، انتقاماً لمقتل جندي في عملية سطو.
ولعل هذا ما دفع ييب في فيلمه آنف الذكر للقول: “أحياناً أشعر بالخجل بل بالخزي إلى حد ما، حين أقول، وهذه مشكلة بالنسبة لي، إن التواجد الأسترالي في فلسطين كان في معظمه زمن الحرب، فلقد كنا هنا خلال الحملة البريطانية ما بين العامين 1916 و1918، وعدنا بعدها في الحرب العالمية الثانية”.

وكانت الحرب العالمية الأولى نقطة تحوّل مهمة بالنسبة لأستراليا كمحمية بريطانية سابقة، حيث كانت هذه الحرب هي الحرب الأولى التي تشارك فيها أستراليا كأمّة مستقلة إلى جانب بريطانيا العظمى، وكانت إيذاناً بصعود “أسطورة الأنزاك” التي صوّرت الجندي الأسترالي كشخصية ملحمية، بحيث جسّدت روح الزمالة التي تجمع ما بين الجنود على الخطوط الأمامية، ورفض الالتزام التقليدي، إضافة إلى القوة الجسدية والمساواة والوفاء وبذل الذات، وغيرها من المفاهيم الذكورية للقرن العشرين.

وفي هذا الجانب أشار ييب في فيلمه إلى أنه “بالنسبة للأستراليين والتاريخ الأسترالي، كانت الحرب العالمية الأولى والحملات على الإمبراطورية العثمانية في غاليبولي أولاً، ومن ثم في فلسطين قبيل نهاية الحرب، أحداثاً مهمة ساهمت في تشكيل الوعي.. لقد كانت في الواقع لحظات وطنية في غاية الأهمية بالنسبة للأمّة الأسترالية الفتيّة، التي تحوّلت إلى اتحاد فيدرالي في العام 1901”.

تعاقدت الحكومة من خلال البرنامج الأسترالي الرسمي لفن الحرب مع خمسة عشر فناناً ومُصوّراً أسترالياً، كان يعيش عشرة منهم في إنكلترا، بينما كان الخمسة الآخرون أصلاً من ضمن أفراد القوات الإمبراطورية الأسترالية، ومن أبرزهم سيدني ويليام كارين، عبر لوحات عُرضت في رام الله ومصدرها متاحف الحرب الإمبراطورية، كلوحة “طائرة العدو فوق البحر

الميت”، ولوحة “تدمير النقل التركي في مضيق وادة فارة بفلسطين”، و”بحيرة طبريا: طائرات تهاجم زوارق تركية”، وغيرها، وكذلك المصور فرانك هورلي، وعرضت له عديد الصور من الأعلى، وأخرى مركبة، بينها صورة التقطت من الجو خلال قصف جنين تُبيّن قنبلة تسقط من الطائرة في العام 1918، وأخرى تظهر قنبلة تنفجر على قطار في محطة سكة الحديد في جنين أيضاً، وثالثة للدفاعات التركية في القدس، ويوثقها ييب بالاشتراك مع المؤرخة والمنظرة حول صور الصراعات، إما كروت، في أحد فصول كتاب “فلسطين من الأعلى”.

ووثق ييب في فيلمه لـ”ثلاثة فنانين كان لرحلتهم إلى فلسطين وفيها أثر دائم في الخيال الثقافي الأسترالي وفي الحياة الأسترالية، أبرزهم وأولهم فرانك هيرلي، الذي هو أفضل من وثق لطبيعة رحلة حملة فلسطين وأصدر كتاباً عن القدس، والثاني السير هدسون فيش، وآخرهم الرسام الأسترالي الشهير جورج لامبرت والذي وثق رسماً لأهم أحداث الحرب العالمية الأولى على أرض فلسطين، الذي أثارت فلسطين لديه مشاعر خاصة على المستويين الفني والإنساني”، كما ذكر بعض أسماء الفنانين الذين زاروا فلسطين قبلهم، وقبل الحرب، ومن بينهم: إيمانويل فيليبس فوكس، وإيثيل كاريك، وتشارلز كوندور، وآرثر ستريت، مع التركيز على رسام الكاريكاتير الساخر ويل دايسون المؤسس الفعلي للمشروع الرسمي لفن الحرب الأسترالي.

وبناء على مشورة تشارلز (1879 – 1968)، وهو المؤرخ ومراسل الحرب الرسمي، حينذاك، طُلب من هؤلاء الفنانين والمصوّرين ألا يوثقوا الحرب كشهود عيان فقط، ولكن أن ينخرطوا بشكل فاعل في تجسيد الأسطورة الأنزاكية والترويج لها، بمعنى المساهمة في مشروع بناء الأمة الأسترالية.

وفي وقت لاحق، تم إنشاء المتحف التذكاري الأسترالي للحرب، وتحديداً في العام 1919، ويتضمن أرشيف الحرب وثائق تم جمعها خلال الحرب في لندن، و11243 صورة سالبة التقطها المصوّرون الرسميون، إضافة إلى لوحات ورسومات لفناني الحرب الرسميين، وجميعها تمجّد أرض المعركة والجنود، وتقلل من الآثار المدمرة للحرب.

“كانت فلسطين مفتوحة، وفيها المزيد من الحريّة، كما كانت أشبه بأستراليا”، وفق العديد من الفنانين والمصورين الذين وثقوا لفلسطين من أعلى، والأعلى هنا ليس السماء حيث الطائرات، بل التعبير الأبرز للنظرة الفوقية للقوى الكولونيالية الاستعمارية في تعاطيها مع فلسطين، والجيش الأسترالي بفنانيه ومصوّريه لم يكن استثناءً هنا.
صحيفة الايام

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى