
كتب يوسف الشايب:”لطالما كانت هناك زميلة حاضرة بيننا في المهرجان كلّ عام، ابنة مخلصة في عائلة مركز الفن الشعبي، تنتظر المهرجان جالسة بيننا في كلّ الأمسيات، تسابق لإنجاز قصّة تقول للعالم إن فلسطين هي أرض الثقافة والفن.. كانت تتنفّس حريّة حتى صباح الحادي عشر من أيار 2022، فجاءت رصاصة القنّاص لتقطع عنها الهواء، لكن أنفاسها نقلت فلسطين إلى العالم، وسطرّت باستشهادها البطوليّ في الميدان، وهي ترصد معركة الحقيقة، والتصاق الصوت الواحد مع نبض الجموع، حينما رفعت راية فلسطين في سماء القدس.. مقعد شيرين أبو عاقلة قد يبدو فارغاً، لكنّ بطاقتها موجودة، وروحها وأنفاسها موجودة”.
رغم تحشرجها أكثر من مرة، حيث بلل الدمع أحبالها الصوتية، محدثاً ارتجافاً في الصوت، وقشعريرة في أجساد كل الحاضرين، تماسكت، ولو لبعض الوقت، الإعلامية جيفارا البديري، فأكملت بالكاد مهمتها الصعبة في عرافة حفل افتتاح مهرجان فلسطين الدولي للرقص والموسيقى للعام 2022، واحتضنته قاعة قصر رام الله الثقافي، مساء أول من أمس.
وكانت لافتة تلك الحكاية التي سردتها جيفارا حول الثوب الفلسطيني المطرّز الذي ارتدته في حفل الافتتاح، فقد حيك بأنامل وسنّارات فلسطينيات من قطاع غزة، لا تزال تجهلهن، أرسلنه تحديداً إلى جنين، ومن هناك وصلها، مرفقاً برسالة تحمل ترحّماً على شيرين أبو عاقلة، وإهداءً لرفيقة دربها، فكان الثوب تتويجاً أيضاً لذلك الالتفاف المتواصل حول شيرين حيّة وحيّة.
ومع تكريم أسرة الشهيدة بمنح عائلتها رسماً لشيرين حيك “بألوان الحياة”، رسماً حلّ لأكثر من مرّة مكان ملصق المهرجان الرئيس، خلال حفل الافتتاح، كانت مديرة المهرجان إيمان حموري أشارت في كلمتها إلى أن المهرجان الذي ينطلق تحت شعار “صرارة بتسند حجر”، ينطلق والقلوب يعتصرها الألم والحزن على فقدان “الزميلة والصديقة والصحافية الفذة شيرين أبو عاقلة، ابنة عائلة مركز الفن الشعبي، التي لطالما كانت جزءاً نابضاً في المركز والمهرجان، وساهمت بحرص شديد في إنجاحه”، قبل أن تواصل، رغم الحشرجة التي اجتاحت صوتها هي الأخرى، بأننا “لا زلنا نرى في غيابك يا شيرين حضوراً أكبر”.
وهذا الحضور البهيّ لشيرين أبو عاقلة في حفل افتتاح مهرجان فلسطين الدولي تُوّج أيضاً بمداخلة للكاتب وسيم الكردي حولها، تحدث فيها بمشاعر عميقة تماهت مع عمق النص وطريقة تقديمه، هناك عند وعلى حافة الوقت، حيث “كانت امرأة بكامل حضورها، تعيد لنا ترتيب لحن الغياب على إيقاعها وعلى لحن وقتها، وتصعد بنا إلى أكثر لحظات الموت بهاءً (…) هذا الموت الذي يضج بالحياة، فالأجراس لم تنم، والمآذن لم تسكن، ولمّا زالت الابتهالات تمور في صوتها”، بينما “النايات تتشقق، والأنفاس لا شأن لها بالهواء”.
وكما كان ثمة حضور طاغٍ لشيرين أبو عاقلة، شهيدة فلسطين، في افتتاح المهرجان، حضرت المطربة اللبنانية جوليا بطرس، عبر عرض مبهر لخمسة وثلاثين فنانة وفناناً من فرقة جمعية بيات الموسيقية، بقيادة الموسيقار درويش درويش، وهي التي تأسست في العام 2006، في قرية “معليا” بالجليل الأعلى شمال فلسطين، عبر عرضهم “جوليا”، وقدموا باقة من أجمل أغنياتها عن الحريّة والثورة والحجر والحبّ بحالاته وتجلياته ومفاهيمه المتعددة.
وقدمت كل من المطربتين نانسى حوا ورنا خوري، أغنيات وطنية وأخرى طربية وثالثة رائجة بين أجيال عدّة لجوليا بطرس، بشكل منفرد أو ثنائي (ديو)، غير المقاطع الموسيقية التي استعرض فيها بعض عازفي الفرقة قدرات استثنائية على مختلف الآلات الموسيقية الشرقية والغربية.
واهتزت القاعة مع أغنيات من قبيل: “الحق سلاحي”، و”مقاومة”، و”أحبائي”، و”إحنا الثورة والغضب”، و”غابت شمس الحق” في حين تمايلت الرؤوس واعتلت صفوف الكفوف وهي تصفق بعضها البعض، على وقع أغنيات من قبيل: “أنا بتنفس حريّة”، و”يا قصص”، و”وين مسافر”، و”يوماً ما”، و”جوّز بنته صاحبنا”، وغيرها الكثير.
أنهت فرقة بيات الموسيقية عرض “جوليا” مدشنةً فعاليات مهرجان فلسطين الدولي، بعد غياب قسري لعامين بفعل تداعيات “الجائحتين”، تلك “الكورونية” التي تقاسمنا معاناتها مع العالم، والأخرى الاحتلالية التي لا تزال تفتك بنا وحدنا، ليخرج الجمهور القادم من كامل الجغرافيا الفلسطينية، وفي ذهنه رجع الصدى: “بنرفض نحنا نموت قولولن راح نبقى، أرضك والبيوت والشعب اللي عم يشقى”.




