الاخبارشؤون عربية ودولية

مسيرة الاحتجاجات في العالم اليوم

 

204629
ظهر وجه مألوف في العديد من الاحتجاجات التي تجري في عشرات المدن في ثلاث قارات في هذا الأسبوع: قناع “غاي فوكس” مع ابتسامة خبيثة وشارب بسمك قلم الرصاص. ويعود القناع إلى “في”، وهو شخصية في رواية غرافيتية ظهرت في سنوات الثمانينيات، والذي أصبح رمزاً لمجموعة من قراصنة الكمبيوتر الذين يدعون “المجهولون”. وتتردد أصداء ازدرائه للحكومات عند الجماهير في كل أنحاء العالم.
للاحتجاجات العديد من الأصول المختلفة. ففي البرازيل، نهضت الجماهير احتجاجاً على رفع أسعار تذاكر الباصات، وفي تركيا ضد مشروع بناء. ورفض الأندونيسيون زيادات أسعار الوقود، في حين رفض البلغار محسوبية الحكومة. وفي منطقة اليورو، ينظم الناس المسيرات ضد سياسات التقشف، في حين أصبح الربيع العربي احتجاجاً مستمراً لا ينتهي ضد الكثير من الأشياء. وفي كل هذا، تكون كل مظاهرة غضب غاضبة بطريقتها الخاصة.
ومع ذلك، وتماماً كما حدث في الأعوام 1848 و1968 و1989 عندما عثر الناس أيضاً على صوت جماعي، فإن لدى هؤلاء المتظاهرين الكثير من الأشياء المشتركة. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، وفي بلد بعد الآخر، نهض المحتجون بسرعة مذهلة مربكة. وكانوا أكثر نشاطاً في الديمقراطيات منهم في الدكتاتوريات. وهم يميلون لأن يكونوا أناساً عاديين، من الطبقة الوسطى، وليس جماعات ضغط لها قوائم مطالب. ويدين مزيجهم من المرح الصاخب والغضب، مظاهر الفساد وعدم الكفاءة والغطرسة عند جماعة المسؤولين.
لا يستطيع أحد أن يعرف كيف سيغير العام 2013 العالم – إذا كان سيتغير أصلاً. في العام 1989 ترنحت الإمبراطورية السوفياتية وسقطت. لكن اعتقاد ماركس بأن العام 1948 شهد أول موجة من ثورة بروليتارية، دحضته عقود من الرأسمالية المزدهرة. كما أن العام 1968 الذي بدا راديكالياً على نحو سار في ذلك الوقت، فعل للتغيير الجنسي أكثر مما فعل للسياسة. ومع ذلك، وحتى الآن، يبقى المغزى الوليد للعام 2013 عصياً على المعرفة. وبالنسبة للساسة الذين يريدون بيع نفس البضاعة القديمة، فإن الأخبار ليست جيدة.
على الإنترنت وإلى الشوارع
ما يزال إيقاع الاحتجاجات يتسارع بفضل التكنولوجيا. فترى وجه الشخصية الروائية “في” يظهر في كل من ساو باولو وإستانبول على حد سواء، لأن الاحتجاج ينظم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي تنشر المعلومات وتشجع على التقليد والمحاكاة، وتجعل من القضايا شائعة. ويستطيع كل شخص يتملك هاتفاً ذكياً نشر قصص، حتى لو أنها لا تكون دائما موثوقة يعتد بها. وعندما أشعلت الشرطة النار في المخيم الذي كان منصوباً في محيط متنزه “غازي” في إستانبول يوم 31 أيار (مايو)، ظهر هذا التطور على شبكة التواصل الاجتماعي “تويتر” مباشرة. وبعد أن نزل الأتراك إلى الشوارع للإعراب عن غضبهم، غذيت النار بقصص تحدثت عن وفاة محتجين بسبب المعاملة الوحشية للشرطة. ومع أنه تبين أن تلك القصص الأولى كانت خاطئة، فقد أصبح التظاهر أصلاً فعلاً شعبياً شائعاً.
لم تعد الاحتجاجات تنظم من جانب النقابات أو جماعات الضغط الأخرى كما كانت في السابق. والآن، أصبحت تبادر إلى تنظيم البعض منها مجموعات صغيرة من الناس الذين ينطوون على غايات -مثل أولئك الذين نهضوا ضد زيادات أسعار تذاكر الباصات في ساوباولو- لكن الأخبار سرعان ما تنتشر بسرعة كبيرة حتى أن محور الاحتجاج يميل إلى أن يصبح مغموراً. وتعطي التلقائية المحتجين شعوراً مسكراً بالإمكانية. لكن غياب التنظيم يقوم على نحو حتمي بتعتيم الأجندة. وقد تحول احتجاج البرازيل على أجرة المواصلات إلى إدانة لكل شيء، من الفساد وحتى الخدمات العامة. وفي بلغاريا، نزلت الحكومة عند مطلب الجموع بتغيير رئيس أمن الدولة المعين حديثاً. لكن الجمهور كان قد توقف عندها عن الاستماع.
ربما يتلاشى هذا الإمداد الجاهز الواسع المعتدل من النشاط العام بمثل السرعة التي ظهر بها. كان ذلك هو مصير محتجي حركة “احتلوا” الذين أنشأوا مخيماً في مدن غربية في العام 2011. لكن الاحتجاجات هذه المرة يغذيها السخط العميق. هناك مصر التي تعاني من الفشل الكارثي للحكومة عند كل مستوى. وقد أصبح الاحتجاج هناك بديلاً للمعارضة. وفي أوروبا يدور القتال حول كيفية جعل الدولة تنكمش. وفي كل مرة تصل حالات الخفض إلى هدف جديد -أحدث حالة هي مؤسسة البث الوطني في اليونان- فإنها تجر احتجاجاً آخر. وفي بعض الأحيان، كما في أحداث شغب المهاجرين الشباب في ضواحي السويد في أيار (مايو) والشباب البريطانيين في العام 2011، تشعر مجموعات بأكملها بأنها مستثناة من الازدهار من حولها. وتسجل السويد أعلى معدل من بطالة الشباب قياساً مع معدلات البطالة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويعاني العديد جداً من البريطانيين الشباب من التعليم البائس وغياب آفاق حدوث تحسن في سبل العيش. وفي الاقتصادات الصاعدة، قاد النمو الفعلي السريع الناس إلى توقع تحسينات مستمرة في مستويات معيشتهم. وكان هذا الازدهار قد أسهم في دفع كلفة الخدمات، لكنه عمل، في مجتمع غير متمتع بالمساواة مثل البرازيل، على تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء. لكنه يبقى تحت الخطر. ففي البرازيل، تباطأ متوسط إجمالي الناتج المحلي من 7.5 % في العام 2010 إلى 0.9 % فقط في العام الماضي. وفي أندونيسيا، حيث ما يزال إجمالي الناتج المحلي دون 5000 دولار للفرد، ستشعر العائلات الاعتيادية تماماً بأثر فقدان دعم أسعار الوقود.
ومع ذلك، ما تزال التوقعات السياسية ببروز متنام للطبقة الوسطى قوية. وفي نهاية العام الماضي، نزل الهنود الشباب المتعلمون إلى الشوارع في العديد من المدن بعد أن قامت عصابة باغتصاب طالبة تدرس الطب عمرها 23 عاماً، للاحتجاج على الافتقار إلى الحماية التي توفرها الدولة للنساء. وكانت احتجاجات أكبر قد اكتسحت البلد في العام 2011 عندما نهضت الطبقة الوسطى ضد الفساد الذي يسيطر موضوعه على كل مواجهة مع مسؤولين حكوميين تقريباً. وفي تركيا، يزداد عدد الطلبة المتخرجين من الجامعات بواقع 8 % في العام منذ العام 1995. وتتضارب الطبقة الوسطى التي خلقتها هذه الحالة مع الاتجاه الديني المحافظ لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، الذي يريد عائلات كبيرة وفرض قيود على الكحول. وقد تمكن الأربعون مليون برازيلي الذين تخلصوا بجهد من الفقر في الأعوام الثمانية الماضية لأول مرة من إقناع المجتمع بأن ضرائبهم تمول الدولة. وهم يريدون خدمات عامة لائقة، فيحصلون بدلاً منها على استادات رياضية باهظة الكلفة.
متاعب في بروكسل وبكين
كيف ستتكشف سنة الاحتجاج هذه؟ إحدى المحصلات القاتمة، هي أن الديمقراطية أصبحت أصعب: سيكون توزيع الموارد بين مجموعات المصلحة المتنافسة أصعب إذا كان بإمكان الملايين النزول إلى الشوارع خلال أيام. ويشي ذلك بأن صيف منطقة اليورو سيصبح بالتأكيد أكثر سخونة. وقد اهتز ساسة القارة قليلاً حتى الآن (وكانت أكبر المظاهرات في باريس على سبيل المثال قد نظمت عندما قادت “فريجيد بارجو” الفرنسيين الكاثوليك في محاولة منها لوقف زواج المثليين). لكن عدم الاستقرار الاجتماعي يكون سائداً بمعدل الضعف عندما ينخفض الإنفاق العام بنسبة 15 % على الأقل من إجمالي الناتج المحلي مقارنة مع وضعه عندما ينمو. ويجب على القادة الأوروبيين أن يقيدوا الإنفاق المفرط المزمن على الرفاه الاجتماعي، وأن يتشبثوا بالضعف التأسيسي لليورو -والقلاقل التي ستلي.
لحسن الحظ، تتسم الديمقراطيات بالبراعة في التأقلم. وعندما يقبل الساسة حقيقة أن الناس يتوقعون الأفضل -وأن الأصوات تخفق في إرضائهم- فإنه يمكن للأمور أن تتغير. ومع أن الاحتجاجات ضد الفساد في الهند لم تؤد إلى تغيير مباشر، لكنها أبرزت عمليات ابتزاز الأموال بطرق غير مشروعة وأدرجتها على الأجندة الوطنية، مع الوعد بإصلاح تدريجي. وفيما يصب في صالحها، تريد رئيسة البرازيل، ديلما روسيف، إقامة حوار وطني حول تجديد السياسة. ولن يكون هذا الأمر بالشيء السهل ولا بالسريع. لكن الاحتجاج يستطيع أن يحسن الديمقراطية في البلدان الصاعدة -وحتى في الاتحاد الأوروبي نفسه في نهاية المطاف.
ربما يحس الديمقراطيون قدرة الدكتاتوريين على لجم المظاهرات. فقد نجحت الصين في منع العديد من مواطنيها المحليين من التلاحم في إطار حركة قومية. ورشت دول خليجية معارضيها حتى يهدأوا؛ واستأسدت روسيا على معارضيها بتهديدات بفرض غرامات وبالسجن. لكن الأوتوقراطيين ربما يدفعون ثمناً أعلى على المدى البعيد. ومن شأن استخدام القوة لإبعاد الناس من الشوارع أن يفضي إلى إضعاف الحكومات بشكل مميت، كما قد يكتشف السلطان أردوغان لاحقاً؛ وكما اكتشفت الحكومات العربية قبل عامين، فإن الدكتاتوريات تفتقر إلى المؤسسات التي تستطيع من خلالها توجيه غضب المحتجين. وفيما هم يشاهدون الديمقراطيات وهي تناضل في العام 2013، لا بد أن قادة بكين وموسكو والخليج يشعرون بعدم الارتياح.
(الإيكونوميست( ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى