الرئيسيةالاخبارالربيع العربي.. هل أخفق؟

الربيع العربي.. هل أخفق؟

205323


الآن، بعد انقضاء حوالي سنتين ونصف السنة منذ انطلاق الثورات في العالم العربي، لا توجد ولا حتى دولة واحدة تسير بوضوح على الطريق إلى أن تصبح ديمقراطية مستقرة تعيش بسلام. ما تزال البلدان التي كانت أكثر أملاً (تونس، وليبيا، واليمن) تكافح. وفي مصر، أكثر الدول العربية سكاناً، انتهت تجربة فوضوية مع الديمقراطية إلى وضع رئيس منتخب خلف القضبان.
وإذن، لا عجب في أن البعض خلصوا إلى الاعتقاد بأن الربيع العربي محكوم عليه بالفشل. إن الشرق الأوسط، كما يقولون، ليس مستعداً للتغيير. وأحد أسباب ذلك هو خلوه من المؤسسات الديمقراطية، ولذلك سوف تنحدر سلطة الشعب إلى الفوضى، أو أنها ستفضي إلى إعادة تنصيب دكتاتورية. وثمة سبب آخر هو أن إحدى القوى التي تشكل وشيجة تربط بين أنحاء المنطقة هي الإسلام، الذي يقال إنه لا يستطيع استيعاب الديمقراطية والتكيف معها. ويستنتج هؤلاء المراقبون أن حال الشرق الأوسط كان ليظل أفضل بكثير لو أن الربيع العربي لم يحدث على الإطلاق.
لكن هذه الرؤية غير ناضجة في أحسن الأحوال، وخاطئة في أسوئها. إن التحولات الديمقراطية عادة ما تكون عنيفة ومطولة. ولا شك أن أسوأ تداعيات الربيع العربي كانت مروعة –في ليبيا ابتداء، والآن في سورية. ومع ذلك، وكما بين تقرير أعدته “الإيكونوميست”، فإن معظم العرب لا يريدون إعادة الساعة إلى الوراء.
وضع العربة وراء الجمل
من الواضح أن أولئك الذين يقولون بأن الربيع العربي قد أخفق إنما يتجاهلون الشتاء الطويل الذي ساد قبله، وكيف أثّر على حياة الناس. وعلى سبيل المثال، كانت مصر وكوريا الجنوبية تتقاسمان في العام 1960 نفس معدلات الأعمار ونفس حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. لكنهما أصبحتا تنتميان اليوم إلى عالمين مختلفين. وعلى الرغم من أن عدداً أكبر بكثير من المصريين أصبحوا يسكنون الآن في المدن، وأن ثلاثة أرباع السكان متعلمين، فإن حصة الفرد المصري من الناتج المحلي الإجمالي تساوي خُمس نظيرتها في كوريا الجنوبية وحسب. كما أن الفقر والتقزُّم (توقف النمو) بسبب سوء التغذية هي أمور شائعة جداً في مصر. ولم تفعل حكومة الإخوان المسلمين قصيرة المدة وغير الكفؤة شيئاً لتغيير هذه الوجهات، لكن مشكلات مصر الأعمق كانت قد تفاقمت في الحقيقة على يد الحكام الاستبداديين الذين سبقوهم. ولم يكن أداء العديد من الدول العربية الأخرى أفضل حالاً.
وهذا مهم، لأن الكثيرين يقولون، نظراً للتفاوت في عملية الربيع العربي، أن الإجابة هي تحديث السلطوية: قدوم أوغستو بينوشيه، لي كوان يو، أو دينغ زياوبينغ من نوع ما، والذي يحافظ على النظام بينما يجعل الاقتصاد ينمو. ولا يستطيع العرب، على عكس سكان جنوب شرق آسيا، التفاخر بأي حاكم-فيلسوف عمل طوعاً على تغذية الديمقراطية فيما اقتصاده يزدهر. وبدلاً من ذلك، عادة ما يستولي أشقاء الدكتاتور في العالم العربي وأبناء عم السيدة الأولى على كافة الأعمال التجارية الأكثر نجاحاً. وقد مال الطغاة –القلقون على الدوام من إثارة الجماهير- دائماً إلى تجاهل التحديات الكبرى التي يتطلبها الإصلاح، مثل الإلغاء التدريجي لدعم الوقود الذي يبلغ في مصر وحدها 8 % من مجموع الناتج المحلي الإجمالي. وحتى في هذه الآونة، تحاول الدول الغنية بالنفط شراء السلام؛ ولكن، وبينما يستنشق الجيل الشاب المتعلم وغير المروض عبق الحرية، فإن هذه الطريقة للقيام بذلك تصبح أقل إمكانية باطراد، إلا إذا كان الحاكم مستعداً لإراقة كميات هائلة من الدماء، كما حدث في سورية، حتى يحتفظ بسلطته. وهناك بعض الملكيات الأكثر تقدماً في العالم العربي، مثل المغرب والأردن والكويت، على سبيل المثال، والتي تتلمس طريقها الآن في اتجاه وضع أنظمة دستورية تعطي لمواطنيها حصة أكبر.
حسناً، سوف يجيب البعض: لكن الديمقراطية العربية تقود فقط إلى إنتاج حكم يقوده الإسلاميون، الذين ليسوا أقدر على الإصلاح من المستبدين القدماء، والذين يظلون غير ديمقراطيين بعمق بفضل تعصب الإسلام السياسي. مثلاً، هناك محمد مرسي، الأخ المسلم الذي أطيح به في وقت سابق من هذا الشهر على يد الجنرالات على أساس مطالب واضحة من عدة ملايين من المصريين في الشارع، والذي كان قد انتخب ديمقراطياً، لكنه فعل ما في وسعه لينتهك أعراف الديمقراطية وقواعدها خلال فترته القصيرة كرئيس. ويقول بعض العلمانيين العرب وأصدقاؤهم في الغرب إن الإسلاميين، لأنهم يميلون إلى اعتبار حكمهم هبة من الله، لن يقبلوا أبداً بفكرة وجوب أن تضمن الديمقراطية الحقيقية مبدأ المساءلة، بما في ذلك وجود المحاكم المستقلة، والصحافة الحرة، والسلطات المتطورة، ودستور تعددي لحماية الأقليات.
لكن هذا الطرح خاطئ أيضاً، مع ذلك. ففي خارج العالم العربي، في ماليزيا وإندونيسيا مثلاً، بيّن الإسلاميون أنهم يستطيعون تعلُّم عادة الديمقراطية. وفي تركياً أيضاً، في الاحتجاجات ضد رئيس الوزراء الأوتوقراطي -وإنما المنتخب، رجب طيب أردوغان، هناك الأكثر من المشترك مع حالة البرازيل مما هناك مع الربيع العربي. وتبقى تركيا، مع كل عيوبها، أكثر ديمقراطية اليوم مما كانت عندما كان الجيش يحوم في الخلفية.
المشكلة، إذن، هي في الإسلاميين العرب. وذلك مفاجئ بالكاد. فقد تلقى هؤلاء الإسلاميون تعليمهم من عقود من القمع الذي استطاعت حركتهم النجاة منه فقط بكونهم تآمريين ومنظمين. ويشكل أنصارهم الرئيسيون أقلية كبيرة في معظم الدول العربية. ولذلك، فإنه لا يمكن تجاهلهم، ويجب بدلاً من ذلك امتصاصهم واستيعابهم في التيار الرئيسي.
هذا هو السبب في أن انقلاب مصر يتسم بالتراجيدية. ولو كان الإخوان المسلمون قد ظلوا في السلطة، فإنهم ربما كانوا سيتعلمون التسامح والبراغماتية اللازمة لإدارة بلد. وبدلاً من ذلك، جرى تأكيد شكوكهم إزاء السياسة الديمقراطية. والآن أصبح يعود لتونس، أول دولة عربية تطيح بنير الاستبداد، أن تري الآخرين كيف أن الإسلاميين يمكن أن يديروا البلدان بطريقة لائقة. وربما تفعل ذلك فعلاً: إنها على الطريق لإنجاز دستور يمكن أن يخدم كقاعدة لديمقراطية لائقة شاملة. وإذا ما تحرك بقية العالم العربي في ذلك الاتجاه، فإنه سيحتاج إلى سنوات ليفعل ذلك.
ولن يكون ذلك مفاجئاً، لأن التغيير السياسي هو لعبة طويلة في الأساس. ولا شك أن فكرة الإدراك المتأخر تخفت إذا ما قيس ذلك على تفصيلات التاريخ غير المرتبة. وعلى سبيل المثال، يبدو التحول من الشيوعية يبدو سهلاً عندما ننظر إليه بعد حدوثه. ومع ذلك، وبعد ثلاث سنوات من سقوط حائط برلين، تعرضت أوروبا لاجتياح المافيات الإجرامية؛ وساد الساسة المتطرفون في بولندا، وسلوفاكيا ودول البلطيق؛ وكانت دول البلقان على وشك الانجرار إلى حرب، واندلعت حرب في جورجيا. وحتى الآن، ما يزال الناس في الكتلة السوفياتية السابقة يعيشون تحت حكم أنظمة قمعية –ومع ذلك يريد القليلون العودة إلى الوراء.
لا توقفوا المدّ
كان الربيع العربي قد وُصف دائماً أفضل ما يكون بأنه صحوة: ذلك لأن الثورة الحقيقة لا تتعلق كثيراً بالشارع بقدر ما تتعلق بالعقل. لن يستطيع الإنترنت، والإعلام الاجتماعي، ومحطات تلفزة الأقمار الاصطناعية والتعطش للتعليم –لدى النساء العربيات بقدر ما هو لدى الرجال- أن تتعايش مع الدكتوريات المخدِّرة القديمة. الآن يتعلم المصريون، بين آخرين، أن الديمقراطية ليست مسألة انتخابات فقط، ولا هي القدرة على جلب الملايين من المتظاهرين إلى الشارع. لقد كان الوصول إلى هناك دائماً محكوماً بأن يكون فوضوياً، وحتى دموياً. ربما تستغرق الرحلة عقوداً، لكنها تظل مع ذلك موضع ترحيب وجديرة بالترحال.

(الإيكونوميست( ترجمة: علاء الدين أبو زينة الغد الاردنية.

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب