الايام – بديعة زيدان:”إلى الذين حُرموا حقوقهم بكنوز ظهرت بوجودهم”.. كان هذا الإهداء عتبة من عتبات رواية “سجناء خلف قضبان الذاكرة” الأولى للكاتب الفلسطيني أحمد مسلّم، الصادرة حديثاً عن دار كاريزما للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية.
تدور الرواية ما بين ذهاب وإياب حول “مراد” الذي يعيش مع جدّته، ويبيت في سرير جدّه المتوفى، بعد أن غادر الجميع إلى غير عودة، متحدثاً عن حكاية جدّه و”فريد” البنّاء وراعي الأغنام في القرية مع “الكنز”، وشيء من رصد انتهاكات الاحتلال وحصار العام 2002.
يتوزّع السرد الزمني بين أربعينيّات القرن الماضي، حيث بدأت الحكاية بزواج الجدّين، وانتفاضة الأقصى في العام 2000 والسنوات القليلة التالية لها، والعام 2014 حين كان “مراد” الحفيد ينتظر بشوق انطلاق المونديال، هو الذي كان يحبّ كرة القدم دون التمكّن من ممارستها.
“في منتصف أربعينيات القرن العشرين احتفلت عائلة الحجّار بزفاف الجدّة إلى الجد، قد بلغا سن الزواج، واستكمل الجدّ بناء بيته، في ليلة ذلك اليوم كان الحنّاء، اجتمعت القرية في ساحة واسعة، لم يتغيّب أحد، فالقرية صغيرة، عدد أفرادها لم يتجاوز الأربعمائة، يساوي بينهم الفقر، لا توجد طبقات مخمليّة، فإمّا أن تكون راعياً أو فلّاحاً أو حرفيّاً بسيطاً”.
وبعد عقود، باتت الجدّة تعيش برفقة حفيدها “مراد”، بينما بات “الموت يحيا بداخلها”، بعد أن حصد “أرواح أحبابها واحداً تلو الآخر، مات أبناؤها في سن مبكّرة، لم يصل أحدهم سن الأربعين باستثناء “أبو مراد” الذي مات وزوجته في حادث سير بعد ميلاد ابنهما بشهور، ذلك الحادث كان بالنسبة لزوجها “أبو محمود” القشّة التي قصمت ظهر البعير، دخل في حال من الحزن تسبّب له بمرض هاجم جسده المتين.. صارع المرض بضع سنين، ثم لحق بأولاده”.
وليست فقط حكايات الموت هي من تسكن “الجدّة”، بل الأمل بأن يملأ “مراد” البيت أطفالاً بعد أن يتزوّج، وكذلك الكوابيس التي استوطنتها، والمتأتية من حكايات “الكنز”، ويوميّات “الجدّ” مع “فريد” التي ترويها كل مرّة بأسلوب مختلف، و”سيناريوهات متعددة تفيض بفنتازيا عالية”.
وذات مباراة في المقهى، تعلّق بأذنيّ الحفيد عبارة ردّدها أحد المشجعين المتحمّسين عقب فوز فريقه، بأن “هذا الفوز بالنسبة لي أغلى من كنز أبي محمود الحجّار، وهذه اللحظات أجمل من ذلك اليوم الذي وجد فيه جدّكَ، يا مراد، الكنز واستحوذ عليه، وحرم فريد من حقّه إذ لم يعطِه، ولو قطعة ذهب واحدة”.
لم تكن الجدّة تذكر اسم “فريد” في حكاياتها عن قصة “الدّفين”، ففي “يوم الذهب”، كما قالت مراراً “كانت تزرع البصل، وخلال الحفر ظهر لها كنز ثمين جعلها أغنى نساء القرية”، إلا أنه، وبعد مرض “الجدّة” بدأت تأخذ الحكاية بشخوصها شكلاً آخر يلامس ما حدث بالفعل، فبعد أن اشترى الجدّ أرضاً جديدة، واستعان بـ”فريد” لمهمة البناء على جزء منها، وبخبرة الحجّار بات متأكداً أن ما ضربته فأسه كنز بعد أن كُسرت إحدى الجرار الدفينة، فأراد أن يصرف “فريد”، ومن ثم تراجع ليتقاسمه ما تحت الأرض.
إلا أن “الجدّة” ترفض مسالمته هذه غير المعهودة، ولو كان الشريك “مُهاباً”، فتلجأ إلى الحيلة لا القوة، وتبّرر بأن الأرض أرضهما، راسمة “مسرحية” تقوم على خلاف بين الزوجين، اللذين كانا ينتظران مولودهما الأول بعد شهرين، ويتظاهران بالعزوف عن فكرة البناء لتفاقم الخلافات حدّ طلاق سرابيّ، لينفردا بالجرّة المليئة بالذهب.
“خرج فريد من المولد بلا حمص، هكذا قالت بعض النساء التي اعترفت لهن الجدّة بقصة الدّفين.. لم تعترف الجدّة بيوم الذهب إلا بعد موت فريد، ومرور أكثر من ثلاثين عاماً على تلك القصة”.
وفي التحقيق يتحايل “الجدّ” على العساكر، بل يوحي بأن “فريد” من وشى به، فما كان من الأخير، بعد أن كتم غيظه وغضبه، وتراجع عن قتل “أبو محمود”، إلا أن رحل عن القرية حاملاً حذاءه كشاهد على المظلمة، ممتهناً رعاية الأغنام في الجبال المجاورة.
وبعد إشارات إلى أجواء القرية في “نكسة” 1967، يُعرّج إلى بدء الانتشار غير المسبوق للحواجز العسكرية في أعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، وحين كان “مراد” ينهي ذات عطلة بين فصلين خلال دراسته الجامعيّة في تخصص الآثار تبعاً لرغبة الجدّة، يسرد شيئاً عن ذلك، فقد “كان أحدهم إذا ما أراد أن يذهب إلى قريته يدعو له أصحابه أن تكون طريقه سوداء، يعنون فيما بينهم أن يستطيع الوصول إلى قريته عبر الطريق المسفلتة، يتمنّون ألا تكون طريقه خضراء، قصداً منهم ألا يضطر إلى طريق الجبال، لقد قلبت الحواجز الأمور رأساً على عقب”.
وفي السرد المكاني الذي لم يغادر القرية إلا نادراً، تُذكر حكايات كثيرة، بسرد متقطّع كومضات عابرة، دون تفاصيل تجعل منها أكثر حضوراً قد يليق بها، بينها وداع “مراد” وجموع قريته لـ”فريد” الأسير المحرّر، والخاتم الملوكي الذي ورثه عن جدّه، وديالا والضبع، ومدرّس التاريخ الذي كان يعزّي نفسه بسقوط نصف شعره، وأحمد النحّات، والمتشائل الذي يحضر ولا يحضر، وغيرها.
ثمة أحداث كثيرة غابت عن السرد، وكان بالإمكان أن تأخذ مساحتها التي تستحق، كتلك الحصارات المتواصلة للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة بعد انتفاضة العام 2000، والحواجز العسكرية بالمئات حتى جدار الفصل العنصري، والتوسع الاستيطاني جغرافياً وقتلاً، وغيرها الكثير.
ولكن يبقى “الأجداد يرمون قصص الماضي في بئر سحيقة (…) وأحياناً يذهب الأحفاد إلى تلك البئر، ويدلون دلاءهم كي يستمعوا إلى الحكايات، فتطفو الأحداث على سطح الماء طازجة مدهشة”.





