الرئيسيةزواياثقافة وادبباسم الأب!.. فصل من رواية "سماء القدس السابعة" لأسامة العيسة

باسم الأب!.. فصل من رواية “سماء القدس السابعة” لأسامة العيسة

كيف واجهتُ خبر وفاة والدي؟ سأسأل نفسي هذا السؤال دائماً. ربَّما لم أتفاجأ بما حدث، وتوقَّعتُ حدوثه. بعد قتل أُمِّي، أصبحتُ أخشى كثيراً على حياة والدي، وتصوَّرتُ أن سجَّاني الاحتلال سيتخلَّصون منه، بوضع سُمٍّ قاتل في طعامه، وسيطر عليَّ هذا الهاجس، ولطالما تخيَّلتُ كيف سأصحو ليلاً في بيت عمِّي، ويستيقظ عمِّي وأفراد عائلته، على صوت مَرْكَبَة تتوقَّف أمام المنزل، تحمل جثمان والدي، ينزل منها جنود، يحملون الجُثْمان، ويرمونه أمام عتبة المنزل، ويغادرون، بتشفٍّ وغطرسة.
كان وضع والدي الصحِّيِّ، في مستشفى سجن الرَّمْلَة يتدهور باستمرار، وهو مستشفى، ولكنه ليس بمستشفى، يمكن لمعتقلٍ أسير مريض أن يُمضيَ فيه طوال فترة سجنه، دون أن يُقدَّم له سوى المُسكِّنات، هذا إذا توفَّرت.
حظيتُ خلال أيَّام العزاء، بعناية عمِّي وزوجته وأولاده، والأقارب، ووالدة السَّبْع، التي أخذتْني أكثر من مرَّة لأنام في منزلها. بدا لي أنها تغيَّرت كثيراً، لم تكن تلك المرأة التي تحدَّت التقاليد، وتقدَّمت لترقص أمام الرجال في عُرْس السَّبْع، ولم تكن أيضاً تلك المرأة الغاضبة من تصرُّفات ابنها، أو الحزينة عليه بعد الحادث الأخير، أو التي كانت أقرب منِّي إلى أُمِّي، رأيتُها امرأة أخرى، خفيضة الصوت، تمشي وكأنها تتمايل، لا تستطيع رِجْلاها حملها، ولا تأتي في حديثها على سيرة السَّبْع أو والدي، وبدا لي ذلك غير مفهوم من أُمٍّ أرضعت الاثنَيْن من حليبها، وتتذكَّر والدتي بكثيرٍ من الحُبِّ والشوق.
حاصرت قوَّاتُ الاحتلال موقعَ المنزل، بنصبِ حواجز طيَّارة على مداخل الحَيِّ، وتفتيش الأشخاص الذين يقصدون بيت العزاء، والتدقيق في هُوِيَّاتهم، ولم يكن من النادر أن تمنع هذه القوَّات خصوصاً الشبَّان من الوصول إلى المكان، أو اعتقالهم، ورغم ذلك كان الناس يتسلَّلون من المنازل، ليصلوا إلى منزل عمِّي، وتطوَّع أصحاب المنازل لتسهيل مهامِّ التسلُّل، كنوعٍ من التضامن العميق، مع جارهم الفدائيِّ الشهيد، ورغم التدابير الاحتلاليَّة الأمنيَّة، إلَّا أن نشطاء التنظيمات، تمكَّنوا من تهريب البيانات السرِّيَّة التي تنعى والدي، وتُندِّد بجريمة قتله، كما سُمِّيت وفاته، في سجون الاحتلال، نتيجة ما وُصف بأنه إهمال طبِّيٌّ، بعد إصابته في العمليَّة وسجنه، وعدم تقديم العلاج المناسب له.
وأخيراً سمحت سلطات الاحتلال بتسليم جثمان والدي ليلاً، ودُفن في المكان الذي أحبَّ في مقبرة باب الرحمة، مُطِلَّاً على الجبل الذي توقَّع أن يتحوَّل إلى أكبر مقبرة في العالم، بعد أن اشتُهر باعتباره المكان الذي وجدتْ فيه الحَمامةُ غصنَ الزيتون، وأسرعت تحمله إلى النبي نوح التائه في اللُّجَّة، وحاول العمُّ كوكو حمله إلى القُدْس، التي عرفها، من خلال حماماته المنقوشة على المنازل التي صمَّمها، ومات قبل أن يعرف أيَّ مصير ينتظر مدينته.
سمحت السلطات لبضعة أفراد من العائلة، بالمشاركة في الدفن، وحرص عمِّي على تقديم اسمي للسلطات، ضمن القائمة القصيرة التي ستُشارك في الدفن. صَعِدْنا إلى سور القُدْس الشرقيِّ، وكانت المقبرة مُطوَّقة بعددٍ كبيرٍ من الجنود، الذين أخفوا وجوههم بسِناج أسود، دهنوه عليها، وكأنهم يخوضون حرباً بعيدة عن هذا المكان الذي يسكنه الأموات، أو ينتظرون عدوَّاً، سيُباغتهم من خلف بحار، كما حدث للمسلمين في الحروب الصليبيَّة، ففي وادي جهنَّم أسفلنا تجمَّعت جحافل الصليبيِّين، وبَنَتِ الجسور، لتصل إلى سورٍ غير هذا السُّور العثمانيِّ، وتقتحم المدينة، وتسيل دماء سكَّانها، لتُوغِل به أقدام أحصنتهم. كيف سبحت الأحصنة في دماء سكَّان المدينة؟ صورة لفروسيَّة القرون الوسطى أم لإرهاب فرسانها؟ الفروسيَّة والإرهاب تحتاجان، كلاهما، لدماء سكَّان القُدْس، لتزكيتهما في سجلِّ حكايات الناس.
القمر الذي ظهر بدراً في سماء القُدْس تلك الليلة، كشف عن وجود الكثير من الجنود، الذين بدوا كأصنامٍ لا تتحرَّك، وُضِعَ كلٌّ منها في موقعه، كتمائم في مواجهة انتقام سكَّان القبور الذين قد لا يروقهم كلُّ هذا التدنيس لصمتهم الليليِّ، ولتراب أرضهم الذي يُرجَّح أنه ليس سوى رفاتهم المتآكل على مرِّ قرون من استقبال الجثامين المتعدِّدة والمختلفة، من جثامين الأولياء ورجال الله الصالحين، إلى رجال الأوطان المقاتلين، والأطفال المغدورين مثل صديقي موسى.
اقشعرَّ بدني، عندما جيء بوالدي محمولاً على بساط الرحمة في رحلته الأخيرة نحو رحمته تعالى، ولكنه ليس كأيِّ بساط رحمة، وإنما حمَّالة يحملها جنود، يحرسهم جنود، ويحيط بنا وبهم جنود، وبينهم ضابط بلباسٍ مدنيٍّ، عرفتُ أنه من المخابرات. تمعَّنتُ في الحمَّالة، هل سُجِّي عليها نفس الشَّخص الذي كنتُ وإيَّاه نقف على الشارع، أسفل هذه التلَّة ونطلُّ على الوادي يحكي وأنا أسأل، ونعتقد أن الدنيا لن تنتهي حتَّى نُنهي الحكايات التي سيحكيها لي؟ هل يشعر بي مثلما أشعر به؟ ما هي الحكاية الأخيرة التي أحبَّ أن يحكيَها لي ولن يتمكَّن بعد الآن من حكايتها؟
قبل اعتقاله، بيوم، قال لي: إنه سيحكي لي حكاية الملك داود وابنه سليمان، وكيف الأخير كان أكثر فطنة من أبيه، عندما قضى بين صاحب الأغنام والفلَّاح.
وبينما كنتُ متَّجهاً لأنام، غير قادر على الاستماع لحكايات إضافيَّة، قال: “عليكَ التذكُّر، أن الابن يمكن أن يبزَّ أباه، ويسبقه، في سباقات الدنيا التي لا تنتهي”.
وضعوا الحمَّالة، وطلب رجل المخابرات من عمِّي أن يقترب، ليكشف عن وجه أبي ويؤكِّد أنه فعلاً شقيقه، وليس شخصاً آخر. تقدَّم عمِّي، وكشف عن الوجه، وحاول أن يتماسك، وهو يومِئ برأسه، بينما الدموع تُفلت من عينَيْه، تسمَّرتُ في مكاني، لا أعرف بالضبط ما عليَّ فعله، هل أتقدَّم لأودِّع والدي أم أظلُّ في مكاني؟! ولكنَّ عمِّي المكلوم، الذي كان يرتجف، أمسكني من يدي، واقترب من والدي، حاول رجل المخابرات التدخُّل، ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، عندما لمس تصميم عمِّي، الذي طلب منِّي أن أُقبِّل والدي سريعاً، خائفاً عليَّ من أيَّ لحظات زائدة، قد تثير المشاعر، قائلاً: “إنه هناك، حيث لا يُظلَم أحد، بعد أن ظلمتْهُ الدنيا، من الأفضل ألا نُثقِل عليه، وأن ندعه لسكينته. إنه يشعر بنا، ويعذرنا”.
لن أنسى ما حَييتُ مَلْمَسَ الشفتَيْن الباردتَيْن، والفَمَ الذي يفترُّ عن ابتسامةٍ عريضةٍ، وكأنه يحكي لي ويبتسم، شعرتُ بيد ترفعني، بلا أيّ عاطفة، عن الجسد، لأجد نفسي في حضن عمِّي الذي أمسك يدي، وضغط عليها بشدَّة، أراد إيصال أكبر قَدْر من شحنة حنان وتحدٍّ إليَّ، بينما تولَّى شيخ المراسم الدينيَّة دفن والدي، بعد أن أفتى بأنه ما دام شهيداً، فلا يتوجَّب تغسيله، وخلال ذلك، انتبهتُ إلى عمود قصير أعلى السُّور، يخرج باتِّجاه جبل الزيتون، تذكَّرتُ ما قاله لي والدي يوماً: إن السلطان سليمان القانوني، عندما بنى سور القُدْس، أخرج هذا العَمُود، ليُربَط فيه الصراط المستقيم، يوم الدَّيْنونَة؛ لقد أراد ترك مساهمته الملحوظة في يوم الإنسانيَّة الكبير الآتي، حيث تزول العصبيَّات والرُّتَب والطبقيَّة، ولن يعودَ هناك فرق بين الفلَّاح وابن المدينة، وبين الغفير والوزير، وبين الصُّعْلُوك والسلطان، ولا بين اليهوديِّ والعربيِّ، كما قال لي والدي، والتفتُّ إلى جبل الزيتون، وكانت بعض أجزائه تتلألأ بالإنارة، بينما أجزاء أخرى تغطُّ في نومٍ عميق، أمَّا في الوادي، فإن البدرَ كشف عن طَنْطور فرعون، الذي بدا لي لونه بلون الغَسَق، وخُيِّل إليَّ أنه يتحرَّك نحونا، بجسده الثقيل، ولكنْ، قبل أن يصل، طلب منَّا رجل المخابرات النزول إلى القرية، هل رأى مثلي طَنْطور القُدْس يتقدَّم ويتحرَّك أخيراً، فخشي ممَّا هو آت، وقرَّر إنهاء تدابير موت والدي؟! لا أعرف، وسمعتُ الضابط الملول يحذِّر عمِّي من استمرار مظاهر التجمهر والغناء والهتاف في منزله، وقال له بلهجةٍ، أرادها محلِّيَّة:
– شوف خبيبي، استجبنا لطلبكَ وسلَّمناكَ شقيقكَ، رغم أنه مُخَرِّب، فجَّر في أحد أسواقنا، ليقتل مدنيِّين، منَّا ومنكم، وأمثاله عندما يموتون نحتجزهم في الثلَّاجات، حتَّى يُكملوا فترات محكوميَّاتهم، فالقانون عندنا يسري على الحَيِّ وعلى الميت، وليس مثلما الحال عند العرب، فلا قانون إلَّا قانون القويِّ، والقويُّ كما تقولون يا خبيبي عايب، أو ندفنهم في المقبرة، ونعطي كلَّ واحد منهم رَقْماً، ومثلما كنَّا كويسين معكَ، عليكَ أن تقابلنا أيضاً بنفس المشاعر. خَلَص؛ أخوك صار عند ربّنا، والحياة لازم تمشي، وأنتَ لازم تفهم.
لم يجبْ عمِّي، وأومأ برأسه علامة الموافقة، ولكنَّ الأمورَ لم تجرِ، كما طلب رجل المخابرات، وربَّما لم يكن عمِّي قادراً على تنفيذ ما طلبه.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب