الايام – بديعة زيدان:قد يتبّدى لدى البعض أن الثيمة المحورية في رواية “أنطونيو الجميل” للإيطالي فيتالينو برانكاتي، هي “العجز الجنسي”، لكن المتعمّق في دلالاتها، وما وراء سرديّتها الأخّاذة، يكتشف أن فيها تعرية لحقبة الفاشية في إيطاليا، ولفترة حكم موسوليني، وتحديداً في “كتانيا” بجزيرة “صقلية” التي تجمع بين شخصية الجذّاب، أو ساحر النساء، وشخصية الديكتاتور “السوبرمان”، وبشكل خاص في ثلاثينّيات ومطلع أربعينيّات القرن الماضي.
ولعل الاستنتاج السابق يتعلق بالنظرة المُباشرة للسردية التي تمكن برانكاتي عبرها، من جذب القارئ إلى مئات الصفحات التي تشكل الرواية بشكل لافت، مردّه أن المحطات المركزية فيها تتعلق بهذا الإخفاق لساحر النساء في السرير مع زوجته، أو في الطريقة التي قُدّمت فيها الرواية سينمائياً ودراميّاً، مع أن ربط الشخصية المحورية في السرد الروائي، أنطونيو مانيانو بالفاشية كان واضحاً، وكذلك الربط العام في الجغرافية الصقلية بين الشخصي، والعائلي، والمجتمعي، والسياسي بدءاً بصعود المدّ القومي، وحتى انتهاء حقبة موسوليني، لم يكن غائباً أيضاً.
والفاشية هنا ليست ممارسة سياسية قمعية مُباشرة فحسب، بل هي ممارسة مجتمعية أيضاً، عكسها برانكاتي من خلال “فحولة” الرجل، عبر حكاية “أنطونيو الجميل” الفاشي الذي ابتعد في مرحلة لاحقة عنها، بعد أن تزوّج تبعاً لرغبات والده، رغم خياراته الكثيرة باعتباره “دون جوان” عصره، في صفقة تجارية ارتبطت بالرؤية الاقتصادية المتعلقة بالاشتراكية الفاشية، ليتكشف سرّه الذي كان لا يدركه ويخفيه، ومن ثم تم التستر عليه لثلاثة أعوام، قبل أن يتحوّل إلى حديث المدينة أو فضيحتها، أي عجزه في السرير، لدرجة أن والد زوجته “باربرا” صرّح علانيّة بأن ابنته بقيت عذراء كما خرجت من منزله، بل وطالب باعتبار الزواج وكأنه لم يكن، وهو ما كان، لتتزوج من آخر أكثر ثراءً ونفوذاً.
وهنا علينا التوقف قليلاً، فعند الربط بين “أنطونيو” والفاشية، خاصة أنه كان واحداً من أنصارها، نجد أن كليهما فشلا في الاختبار الأكبر، فالأول لم ينجح، رغم كل المحاولات، في أن يعكس وسامته فعلاً زوجياً كما البقية رفقة “باربرا”، مع انه معشوق وعاشق النساء خارج ملعب المطلوب منه جسديّاً، فمحاولاته كلّها، كانت تسقط أدراج الرياح خارج إطار أحلام اللايقظة، بل وفي فخ التقزّز حدّ التقيؤ، أما الفاشية فقد فشلت هي أيضاً في أول اختبار عسكري كبير لها، ففي حزيران من العام 1940، تكشف ضعف الجيش الإيطالي عبر سلسلة من الهزائم في شمال وشرق أفريقيا والبلقان، وفي تموز من العام 1943، نزلت قوات الحلفاء في صقلية وتمت الإطاحة بموسوليني وسجنه من قبل زملائه السابقين في الحكومة الفاشية.
وفي الربط بين “أنطونيو الجميل” وموسوليني الذي لقبه البعض بـ”العبقري” والـ”سوبرمان”، وكان “زير نساء” منذ شبابه في عشرينيات القرن الماضي، حين بدأ بتأسيس الفاشية عبر عصابات “القمصان السود”، التي حظيت بتأييد غير قليل، وتمكنت من حكم البلاد بقيادته، هو الذي تمكن كوماندوز ألماني من إنقاذه، ليتم تنصيبه على رأس حكومة جديدة، ولكن لم يكن لديه سوى القليل من السلطة، وذلك بعد توقيع معاهدة هدنة في أيلول من العام 1943، ما بين إيطاليا والحلفاء، وبدأ على اثرها “جيش هتلر” عملية احتلال إيطاليا.
ومع تقدم الحلفاء شمالاً عبر إيطاليا، هرب موسوليني نحو سويسرا، ولكن تم القبض عليه من قبل الثوار الإيطاليين وقتل بالرصاص في 28 نيسان من العام 1945، واستقبل السواد الأعظم من الشعب الإيطالي مقتله بنوع من اللامبالاة.
وإن كانت الرواية توقفت قبل إعدام موسوليني، إلا أن نهاية موسوليني، ومن بعده نهاية حزبه الفاشي، الذي حصل بعد مقتله على 2% من نسبة المقترعين في أول انتخابات ديمقراطية، وبهذه الفضائحية، تبدو غير بعيدة عن أجواء الرواية التي يمثّل فيها “أنطونيو الجميل” الفاشية عموماً تارة، وموسوليني نفسه تارة أخرى، وإن كانت السياسة في العجينة السردية هذه غير حاضرة بكل هذا الطغيان.
ولا يعرف في هذا السرد المنسوج ببراعة ضمت مجموعة متنوعة من الشخصيات، واشتملت على جرعة رهيبة من التقلّبات والانعطافات، أيهما الموضوع الرئيس وأيهما الفرعي، العجز الجنسي، أو الحكم الفاشي في “صقلية” وعموم إيطاليا، وهو أمر يتعلق بطبيعة التعاطي مع السردية ذاتها، لاسيما إذا ما كان بعيداً عن الفيلم المأخوذ عنها، لكن لا شك أنها تبقى سردية قادرة على السيطرة على كسل أو تململ لدى أي قارئ، أو لجهة إتمام الراوية بمتعة ورغبة في معرفة ما تؤول إليه المصائر، ولعلّ كون برانكاتي نفسه من “صقلية” ساهم في ذلك بوصفه البارع لمحيط الشخوص كما هم.
ومن بين شخصيات الرواية التي تتمتع بشيء من الخصوصية، “ألفيو”، والد “أنطونيو”، والذي يمكن وصفه بـ”الرجل الصقلي التقليدي”، خاصة عندما قاتل من أجل إنقاذ “الشرف” وقطع ثرثرة الكثيرين، لعله يستعيد السمعة الطيبة لعائلته، قبل أن ينتهي به المطاف ميتاً وسط تفجيرات متتالية إبّان الحرب العالمية الثانية، في “شارع البغايا”.
وكان حضور الخال “إرمنيجيلدو” في حياة “أنطونيو الجميل” كما في الرواية ليس عابراً، فكان ملاذَه وكاتمَ أسراره، ويستمع بصبر إلى الاعترافات الصادمة والمختلطة بين حزن وعار لابن شقيقته.. من ناحية أخرى، كان “إرمينجيلدو” يعاني من الشيخوخة التي قد تودي به قريباً إلى الموت، ولهذا السبب، فإن المحادثة بينهما تبدو وكأنها تفريغ متبادل للآلام.
ومع ذلك، فإن شخصية أخرى، قد تبدو ليست أساسية في تطور الحبكة، تترك للقارئ مهمة استيعاب تنوّع التكوينات البشرية لدى كلّ فرد، وأعني “إدواردو”، ابن عمة أنطونيو، أحد القلائل الذين بحساسيته، يمنع بطل الرواية من الوقوع في اليأس والكآبة، أو يحاول ذلك.
وفي الرواية الصادرة بالعربية عن منشورات المتوسط في إيطاليا، بترجمة لوفاء البيه، لا يمكن تجاهل مقتطفات برانكاتي في مطلع كل فصل، والتي تشكل جزءاً من عتباته، كمقولات شكسبير، ودانتي، وفولتير، وكوستانت، وفوفينارجوي، وكارداريالي، وباريني، وهوميروس، وغيرهم، وخاصة مقولة ستاندال: “الكاتب المُشوّش يضيف كلمة واحدة فقط، لأنّ الوقائع التي ادّعى من خلالها رسم الحكاية هي كلها من اختراعه”، وهي رواية يمكن وصفها بأنها حكاية العجز الفاشيّ





