الايام – يوسف الشايب:كشفت الشاعرة أسماء عزايزة، أن أوّل مرّة قرأت فيها الشعر بفلسطين كانت رفقة الشاعر الراحل زكريا محمد، مشيرة إلى أنها حين عادت لقراءة الشعر مجدداً بالعموم، بعد انقطاع أعقب ولادتها لابنها “سينا”، كان في ذات يوم رحيله، وتحديداً في أمسية تدشين مجلة “فكرة” بمقر مؤسسة عبد المحسن القطان، واصفة ذلك بالمؤثر، بل إن آخر مجموعة شعرية قرأتها، وهي حامل، كانت “كشتبان” له أيضاً.
وأضافت عزايزة في حواريّتها مع الشاعر فارس سباعنة، بمقر مكتبة بلدية رام الله، ضمن سلسلة حواريّات “في المعنى”، مساء الأربعاء الماضي: آخر شاعر انطبع داخلي، و”مخمختُ” على شِعره بمتعة فائقة كان زكريا محمّد الذي أحبّ ما يكتب.. كانت قراءة متأنيّة وهادئة.. فقدانه شكّل خسارة كبيرة لنا جميعاً، لكن عزاءنا أنه ترك لنا الكثير من قصائده التي سنبقى نستمتع بها إلى الأبد.
عزايزة أكّدت أن علاقة جيلها بالشعر لا تزال تتمتع بشيء من القوة، لكوننا جيلاً وسطاً لم نملّ الحياة العامة والناس بعد، وما زلنا نخوض التجارب، واحدة تلو الأخرى، لذا تجد أن شِعرنا “مريض” لالتصاقه بالواقع، فبصرف النظر عن روحانيّاته يبقى ترابيّاً، وهذا لا ينزع عنه صفاته الجماليّة.. “ثمّة منطقة شعورية نسعى للوصول إليها تتسم بالنقاء”، وقد لا يكتب “بعضنا عن واقعه أو حاضره، ويكتفي بالعودة إلى الطفولة، أو يذهب إلى خارج تجربته الآنيّة الواقعيّة”، لافتة إلى أن كلاً من زكريا محمد وغسّان زقطان يعملان في هذه المنطقة، ولكن كلّ بطريقته.
“زكريا محمد يتمتع بنوع من المخيال يمكن وصفه بالمفاجئ والمدهش، والذي لا يشبه أي ترسّب أو مخزون بذاكرتنا أو وجداننا عن معنى الخيال، فهو يقوم على فكرة التحوّل لأي شيء ويكونه بالفعل، والأهم أن ذلك يتأتى بقدرة فائقة ودون عناء أو افتعال، أي ببساطة شديدة، فهناك قصائد قد يعيد فيها الجملة ذاتها، وكأنه يؤكد عليك كقارئ ضرورة الانتباه إلى ما يقول، فثمة إعادات مدروسة فيما يكتب لكونه يخاطبك دون هندسة لغوية، ولكن بالاتكاء على هندسة ما في ذهنه، وهذا مكان ساحر في الشِعر برأيي، بحيث لا تدرك من أين تأتي القصيدة”.
ووصفت عزايزة شعر غسّان زقطان بـ”النقي”، مضيفة: تجربة غسّان فريدة من نوعها لكونها تحافظ على هدوئها، فهو منذ بداياته يحافظ على هذا الهدوء الشعري النابع من حالة سلام مع اللغة يمكنني وصفه بالرهيب، أو غير العادي، وكأنه يكتب في العتمة، وخارج العين المجرّدة، والأذن المجرّدة، والحوّاس المجرّدة، بل وكأنها خارج الكوكب أيضاً.. يكتب زقطان كثيراً في مناطقه الشخصية، لكن ما يميّزه أنك لا تشعر بأنه يفعل ذلك، وكأن ثمة غلافاً شفّافاً في قصائده ما بينه وبين أشباح الآخرين الذين يمكن وصفهم في أحيان بالقبائل، أو المعشوقات، أو الأبناء، أو الأصدقاء، وهم من يدورون في فلكه، ولكن دون اتضاح هوّياتهم تماماً، وهذا المجهول الذي يحيط بتجربته الفردانيّة، وكأنه يعزل ولا يعزل في الوقت نفسه، ما بينه وبين محيطه، يبدو وكأنه أشبه بالسحر.. هو شاعر ساحر بالفعل، فيوحي لك بأنك امتلكت مفاتيح القصيدة، لكنه يبقيها بحوزته دون غيره”.
واعترفت عزايزة أن لا قرار مسبقاً يدفعها لكتابة القصيدة بهذا الاتجاه أو ذاك، مضيفة: “ولا مرّة القصيدة بتكون براسي”.. في بداية كتابتي كنت كما أصدقاء شعراء، أترك الكتابة حتى تختمر الأفكار في ذهني، وتدوين الملاحظات إثر ذلك، ومن ثم البدء في الكتابة، لكني بتّ أذهب إلى القصيدة بيضاء كما الصفحة تماماً، لقناعتي بأن كتابة الشِعر تحدث داخل اللغة، داخل الصورة الشعرية، والفكرة أيضاً تحدث هناك، في اللحظة التي فيها هذا الاستسلام، الذي تأتّى بعد معركة ضارية، وهذا لا يعني أنها لا تختمر في مكان ما داخلي، لكنّي لا أراها بشكل شِعريّ، وغير قادرة على ترجمتها لغويّاً.. “فكرة أي قصيدة تكونها حياتي التي أعيش، لكني أذهب إليها حافية أو فارغة، بمعنى دون أفكار مسبقة حول شكل القصيدة وإلى أين ستذهب بي وأذهب بها”.
وعن “حبسة الكاتب” كما سماها سباعنة، أجابت: حدثت بالطبع، وأراها ضرورية، فأحياناً يملّ الكاتب ممّا يكتب، ومن نفسه ربّما، خاصة إذا ما بات يشعر بأن قصائده باتت تشبه بعضها البعض، لكني إذا ما شعرتُ بذلك فإنني أفكر بإلقائها في القمامة، أو التخلص منها، ولكن هذا لا يعني أنني لا أؤمن بأن ثمة جهداً في كتابة الشِعر، وبأنه تمرين، ومحاولات متتالية ليست بالضرورة متقاربة زمانيّاً، ولكنها ليست مرتبطة بما يسمونه وحي الشِعر.. أبقى على الدوام في مساحة الكتابة لا مساحة القصيدة، التي قد أغادرها ولا أغادر المساحة الأولى الأكثر رحابة، بحيث أكون جاهزة لأي التقاطة.. حين أنجبت قرّرت ألا أكتب لعام كامل، كي لا أشعر بالذنب لكوني لم أخرج بنص جديد، خاصة في ظل كوني أعيش تجربة حياتيّة رهيبة ما بعد الولادة، بحيث أمنح هذه التجربة حقها ولا أجعلها تتصارع مع أي مناطق أخرى، ما يوفّر لي نوعاً من الراحة النفسيّة، مع قناعتي التامة بأن شِعري لن يتغيّر تبعاً لتجربة الأمومة.. قد تتغيّر بعض المفاهيم، والاستنتاجات، والصور، لكني لن أختلف تماماً، لكنها تجربة تُضاف إلى تجاربي الحياتيّة، ومن الوارد أن تظهر فيما أكتب كما غيرها من التجارب.. عُدتُ إلى الشعر مؤخراً، ولكن الأهم بالنسبة لي أنني عُدت إلى القراءة.
ومن بين اعترافات عزايزة أنها تحبّ الوحدة.. “قد أبدو اجتماعية وربّما بشوشة، لكني لا أستطيع أن أعيش بعيداً تماماً عن تلك المساحة التي أشعر داخلها أنّني وحيدة للغاية، لذا فإن خرجت إلى مكان عام أحبّ أن أكون مجهولة، ولا أفضل العيش في جغرافيّات يعرفني فيها الناس كثيراً، بمعنى أن أعيش حالة من المجهوليّة تمنحنا إيّاها المدن الكبرى بالعادة أكثر من القرى أو المدن الصغيرة، ولكن الشِعر يوفر لي تلك المساحة التي أحبّ، فلا أحد حولي، وهذه الوحدة عند كتابتي للقصيدة تشعرني بمتعة لا أجدها في أي مكان آخر، خاصة أنني لا أجد أن القارئ شريكي أيضاً في الكتابة، بل أنا شريكة نفسي فيها دون غيري.
وفي إطار النقاش مع الحضور، الذي هو أساسي في بنية اللقاء، وتلك التي سبقته، لفتت عزايزة إلى أن “ثمة شعراء يكتبون خارج إطار تجربتهم الشخصية واليومية، وبرأيي حين يكون الشعر خارج اليومي والشخصي لا يصل إلى القارئ باعتباره ليس صادقاً.. بالنسبة لي أكتب حياتي، بشكل أو بآخر، ولا أغادر نفسي في القصيدة، صحيح قد أتخيّل مستقبلي مثلاً كروح كوني أؤمن بتقمّص الأرواح، لكني لا أستوعب الكتابة خارج منطقتي الذاتيّة”، معترفة أيضاً: كتبتُ مجموعة شعريّة خارجة عن ذاتي، ولو يمكنني إعدامها لفعلتُ.





