كتبت بديعة زيدان:عبر شخصية “الحاج عبد النور”، وأبنائه، لا سيما “آدم”، والمحيطين بهم، نساءً ورجالاً، وفي سردية انتقلت من غزة، بعد يافا، إلى بيرزيت، والداخل الفلسطيني، يناقش الروائي حسن القطراوي في روايته “لغة آدم”، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمّان، وبجرأة، العديد من القضايا حول العلاقة مع الاحتلال، والوقوع في فخ العمالة، ونظرة المجتمع وتعاملهم الذابح مع عائلة “العميل”، والفرق بين اليهودية والصهيونية، والزواج المختلط بين الواقع تحت الاحتلال ومن يحمل جنسية الممارس للاحتلال وإن كان يناهضه، والمقاومة بما لها وما عليها، وغير ذلك، في فترة زمنية تمتد منذ أشهر ما بعد احتلال القطاع في العام 1967، وحتى مطلع تسعينيات القرن الماضي.
و”الحاج عبد النور”، خمسيني، بات صاحب متجر للأقمشة وسط مدينة غزة، بعد أن تهجّر في العام 1948 من يافا، حين كان في الثامنة عشرة من عمره، هرباً برفقة أسرته من المذابح التي استشهد والده في واحدة منها، بعد أن قامت العصابات الصهيونية بتفجير سيارة مفخخة راح ضحيّتها سبعون عربيّاً.
ومع الوقت، يتحوّل “الحاج عبد النور” إلى مقاوم يعمد برفقة “مهدي” شقيق زوجته “زينة”، لشراء الأسلحة من سيناء ونقلها إلى الثوار في غزة نهاية ستينيات القرن الماضي، حتى يسقط شهيداً برصاص الاحتلال الإسرائيلي، بينما يُعتقل نسيبه عشرين عاماً.
وهنا يتناول القطراوي بجرأة، كيف أن “المقاومة” قد تأكل أبناءها أحيانا، عبر شخصية “مهدي” الذي عبّر صراحة عن ندمه على الانخراط فيها.. “أنا غبي لأنني عملتُ مع هذه المقاومة التي لم تسأل عني يوماً، حتى في سجني لم يلتفت إليّ أحد، وها أنا أعيش بقيّة عمري في هذا السجن الحقير، وقد ضاع مستقبلي.. كنتُ مجنوناً، ولو عاد بي الزمن لم أكن لأعمل معهم، فهذه ليست مقاومة، هذه تجارة، كيف لهم أن يتركونا نأتي بالسلاح من سيناء دون أن يرتبّوا لنا أمر إخفائه”، قبل أن يسأل شقيقته، زوجة الشهيد “الحاج عبد النور”، مُستنكراً: هل جاء أحد من المقاومة ليسأل عنك بعد مقتل زوجكِ؟.. بالطبع لا، فهم يتمغّطون بجانب نسائهم وأبنائهم بوافر من الحياة الجميلة، ونحن من يدفع الثمن.. هؤلاء يشبعونكِ كلاماً عن الثورة دون أن يكون لديهم استعداداً للتضحية”.
عند استشهاد “الحاج عبد النور” كانت زوجته “زينة” حُبلى بمن طلب والده تسميته بـ”آدم” حال كان مولوداً ذكراً، وهو ما كان، في حين يتوجّه عمّ “آدم” الوحيد، ويدعى “عبد الهادي” إلى عمل في إسرائيل بعد عرض من “أبو غسّان” أحد سكان حيّهم في مدينة غزة.
وخلال فترة غياب “عبد الهادي” تنشأ علاقة بين زوجته “سميرة” وبائع الخضار “شهاب”، لتكتشف المقاومة أمرهما، ويقضي أحد قادتها المكنّى بـ”أبو نضال” بقتل “شهاب” في أحد شوارع الحي، وإلى جانبه “كرتونة” خطّ عليها “متعاون مع الاحتلال”، ما خلق خلافات داخل المجموعة المُقاوِمة، وخاصة “أبو العلا” الذي يرفض القتل دون تحقيق، وكأن “حياة الإنسان كحياة نملة”، لافتاً إلى أن “هذه المقاومة لن تنتصر إذا كانت تتصرف بهذا المنطق”، وبأنها بأفعال كهذه “تخلق بيئة خصبة للارتباط بمخابرات الاحتلال”، بل “وتصنع مجتمعاً مفككاً وحاقداً”.
ويقرّر “أبو نضال” التستر على “سميرة” حفاظاً على سمعة عائلة الشهيد “الحاج عبد النور”، ومن ثم إجبارها على العمل مع المقاومة، هي التي تقيم علاقة أيضاً معه قبل استشهاده، لتكمل حياتها، بعد ذل، في كنف زوجها الذي يبقى جاهلاً بما حصل.
يكبر “آدم”، ويفقد “أبو العلا”، رمز الثورة، عقله، وفي العام 1988، أي ما بعد انتفاضة الحجارة بأشهر، يُتم ابن الشهيد دراسته الثانوية بتفوّق، وينتقل لدراسة الفيزياء في جامعة بيرزيت، وفي ذات الوقت يبدأ العمل في تل أبيب برفقة عمّه “عبد الهادي”.
وفي تل أبيب، يتعرف “آدم” إلى “لوليتا” اليهودية لأب يهودي فرنسي هو ربّ عمله، وأم يهودية مغربية، وهنا يتحدث الروائي عبر شخصية ابن الشهيد العاشق عن “منطق المجتمع الذي يرفض الارتباط بيهودية، وعاطفته التي تدعوه للمزيد بعيداً عن رأي الناس، خاصة أن لوليتا صارت كأنها فتاة فلسطينية”، أو هكذا أقنع نفسه، لا سيما مع قولها له، ذات مرّة، إنها “تنوي الانضمام لإحدى المؤسسات اليهودية التي تؤمن بالسلام، لتدافع عن حقوق الفلسطينيين في حياة كريمة ودولة خاصة بهم، وأنها ستقاتل لإبراز مظلوميتهم التاريخية”.
يتزوج “آدم” من “لوليتا” بعد أن تشهر إسلامها في محكمة شرعية بالقدس، وتحبل بطفل منه، وتسير بهما الحياة حتى يرد إليه نبأ من زوج إحدى شقيقاته يفيد بأنه تبين تورّط “أبو غسّان” بالعمل لعقود جاسوساً لصالح “الشاباك” الإسرائيلي، وأنه كان وراء اغتيال قوات الاحتلال لوالده “الحاج عبد النور”، فيطارده في الداخل حيث بات يعيش إثر افتضاح أمره، ويتمكن من قتله.
وبينما يرث “آدم” دم والده، والثأر له، يرث “غسّان” زوج شقيقته “إيمان”، وابن قاتل أبيها، “العار”، كابن جاسوس تلطخت يداه بدماء المقاومين، وبينهم حماه “الحاج عبد النور”، فينتحر شنقاً، وكأن المجتمع يفرض على الابن أن يرث صيت أبيه، وسيرته ومسيرته، ولو دفع أثماناً لا يستحقها بسبب خيانات الأب، أو تحصّل على ما لا يستحق من حضور مجتمعي وربما سياسي لمآثر تعود لوالده لا له.
يُسجن “آدم”، ويحكم بالسجن لثلاث سنوات، كونه قتل عربياً وليس يهودياً، وربّما “عميلاً” وليس “جندياً”، بينما “لوليتا”، التي يكشف الجاسوس القتيل قبل رحيله أن والدتها “راحيل” تعمل في صفوف “الموساد” الإسرائيلي، تلد ذكرا في تل أبيب، تسميه “عبد النور” على اسم جدّه الشهيد، هو الذي كان من المفترض أن يعيش برفقة والديه خارج البلاد، كما كان يخطط “آدم” و”لوليتا”، لولا تدخّل أمها التي بعلاقاتها مع رجال أمن الاحتلال تستصدر له قراراً بمنع بقائه في “الأراضي الإسرائيلية”، ومنعه من السفر خمس سنوات، فيفترقان بعد عناق طويل، فيما ينتظر “عبد النور” ابن اليهودية، كما كانوا يطلقون عليه في سجون الاحتلال، مع أن والده كان يدافع عن فكرة الارتباط بيهودية تعادي الصهيونية، دون الإشارة إلى إسلامها، ينتظر مصيراً بقي مجهولاً.
جدير بالذكر أن حسن القطراوي روائي وأكاديمي من غزة، يحمل شهادة الدكتوراه في الإرشاد النفسي، ويعمل محاضراً في جامعة الأقصى برتبة أستاذ مساعد، علاوة على كونه مستشاراً نفسياً للعديد من المؤسسات الدولية، ومدربا في التنمية البشرية لدى العديد من مؤسسات المجتمع المدني في القطاع قبل السابع من تشرين الثاني الماضي.
وكان أطلق روايته هذه “لغة آدم”، وتميزت بلغة رفيعة المستوى، في المركز الثقافي الفرنسي بمدينة غزة، قبل أيام من اندلاع الحرب، مشيراً إلى أنه بصدد إطلاق رواية جديدة، لا ندري إن كانت سترصد مسيرة “نور الدين” الحفيد ووالديه كجزء ثانٍ لروايته هذه، أو أنها ستذهب إلى منطقة مغايرة، ودون معرفة ماهية مصير الرواية الجديدة بعد أكثر من 135 يوماً على حرب الإبادة المستمرة، هو الذي نشر، أمس، عبر صفحته في “فيسبوك”، منشوراً مفاده: “من يشتري كرامتي برغيف خبز، من يشتري أحلامي بخيمة تقيني وجع البرد، من يشتري صور أصدقائي الموتى بجلسة في المساء، من يشتري حارتي والذكريات”.





