رام الله-في اللحظة الملتبسة بين ما يقترفه الراعي من اعمال بطش في الحظيرة، وبين تربص الذئب بالقطيع لينال قسطه من لحومها، وهو يرى أنياب”الراعي” ناشبة فيها، لا يمكنك ألا أن تلوم الذئب و”الراعي” معا، لأن الاثنين يلتقيان عند هدف واحد هو القضاء على كل ما في الحظيرة من غنم لتسود بعدها شريعة الغاب، ذلك أن الراعي بسلوكه الغريب “ومن حيث يدري أو لا يدري” إنما استدعى الذئب ليفتك بالحظيرة !
في المسافة الفاصلة بين تهيؤ الذئب لضرباته وتنفيذها تنحبس الأنفاس وتنخلع القلوب الماً إزاء المخاطر الكبيرة المحدقة بسوريا الوطن والشعب، بعد أن تجاوز عدد القتلى حاجز المئة ألف، معظمهم من الأطفال والنساء، الذين يموتون في ساحة مفتوحة لحروب بالوكالة، تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، وتقترف في ساحاتها أبشع الجرائم باسم الحفاظ على الوطن وتطبيق الشريعة.
ومن بين أنقاض هذا الخراب المقيم منذ أكثر من عامين في المدن والأرياف والحارات السورية التي سويت بالارض، في مشاهد تستدعي صوراً من الحرب الكونية، نهضت فجأة صحوة ضمير مرتبكة تفرك عينها بعد طول نوم، على جثث أطفال بدوا كأنهم نيام في جريمة تحمل هوية مرتكبيها، وتستدعي مشاهد مماثلة من التاريخ القريب والبعيد.
“صحوة الضميرالإنساني” المتأخرة عامين لا يمكن لأحد أن يشتريها وهي التي ظلت ترقب دون أن يرف لها جفن موت الآلاف بأسلحة لا تقل فتكا ودموية عن تلك الهادئة التي تنسرب دون أن يراها أو يتألم لها ضحاياها قبل أن تذهبهم في إغفاءة أبدية، دون أن تنزف من أجسادهم قطرة دم واحدة، ذلك أن ما يحرك العالم المفزوع على “كيماوي الغوطتين” ليست أعداد الضحايا من النساء والاطفال، بقدر ما هو الخوف من تجاوز هذا السلاح الفتاك الحدود ليهدد بذلك “السلم العالمي” وهو توصيف لا يندرج الشعب السوري ضمن مواصفاته.
الضربات التأديبية “المحدودة الساعات والساحات والأدوات والغايات” لغة مطاطة ومخادعة وملتبسة، وهي لن تبلسم جرحاً، ولن تكفكف دمعاً، بل انها ستزيد الجروح نزفاً، والعيون دمعاً، وتضاعف من شلالات الدم، لتدخل البلاد والعباد في مرحلة جديدة من التقسيم الطائفي، والمذهبي، الذي باتت مخاطره ماثلة اليوم اكثر من أي وقت مضى.
في الدبلوماسية المرتبكة، المحمولة على البوارج السابحة في المياه الدافئة غير الراكدة، تنهض أسئلة صعبة، حول مصير المنطقة والعالم خلال الايام العشر المقبلة، والسيناريوهات المتوقعة بعد أن ترددت الكثير من الدول في المشاركة بـ”الضربات المحدودة “فيما أعادت الدولة “رأس الحربة” الملف الى ممثلي الشعب، في إشارة تكشفت عن تردد غير مألوف في اندفاعات الدولة التي لا تلتزم عادة بإشارات المرور عندما تطلق صافرات الانذار.
“الضربات المحدودة” ستبدو كما الدب الذي ألقى حجرا على رأس سيده النائم لينقذه من ذبابة فقتله، أو كالمستجير من الرمضاء بالنار، ذلك أن آلة الحرب الجهنمية عندما تحرك أذرعها لن تتلطف بأحد، ولن تحسب حساباً لأحد، ولن يكبح جماح اندفاعتها أحد، قبل أن تحيل ما تبقى من البلاد الى خراب.
حديث “الضربات المحدودة” ليس سوى “فسحة أمل” مخادعة لمن يضع يديه على أسلحة الدمار حتى لايذهب الى خيار شمشون قبل أن تقلم أظافره، فيصحو بعد انقشاع غيوم “الضربات المحدودة” على عجز كامل عن استخدام أسلحة لا لزوم لها في صراعه الداخلي وتحول دون وقوعها بين أيدي خصومه المتشددين، قبل أن تجعله عاجزا عن مواجهة أي تهديد خارجي، وهو ما من شأنه أن يضيق عليه خياراته، ويدور زوايا انفعالاته، ليقبل بعد العدوان ما كان رافضاً له قبله.
وخلافاً لكل القراءات الرغائبية والعاطفية والشعاراتية التي تستبعد وقوع الضربات، فإنه من المستبعد أن تتراجع الولايات المتحدة عن خططها أو أن تقبل بأية مقاربات سياسية تنزع منها الذريعة لتدمير كل ما تمتلكه سوريا من أسلحة استراتيجية، الآن الآن وليس غداً، ولعل استعراض القوة البالستية المشترك في المتوسط بين الولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية ما يعزز هذا الاعتقاد، مثلما ان “الاستجابات غير الكافية” التي كان يعرضها العراق لتجنب الحرب المعدة مسبقا ضده تقدم دليلا على المنحى الذي ستسلكه الولايات المتحدة خلال الايام القليلة المقبلة، بحصولها على تأييد مضمون من الكونغرس بدعم اللوبي الصهيوني، بيد أن النار عندما تشتعل في الدار فلا أحد بوسعه السيطرة على امتداد ألسنة اللهب الى الجيران، في منطقة كل شيء فيها قابل للاشتعال… حمى الله سوريا وشعبها من النار القادمة.
القدس دوت كوم- ابراهيم ملحم




