أقلام واراءزوايا

قراءة في دلالات مرحلة ما بعد محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري بقلم:محمد عبد الحكم دياب

دخلت مصر بمحاولة اغتيال وزير الداخلية وسقوط القتلى والجرحى دائرة جهنمية من دوائر الحرب الأهلية، وتبدو بداية لمخطط لعمل ممنهج يستهدف مسؤولين حكوميين ووزراء وقادة كبارا، ومثل هذه المحاولات الدامية تترك آثارا كبرى نفسية واجتماعية لا تندمل بسهولة، وكانت مثل هذه التصرفات محكومة فيما سبق بمحرمات وطنية وأخلاقية كان تجاوزها يبدو مستحيلا، وكُسرت هذه المحرمات من عقود خلت، ولم تبق هناك خطوط حمراء ولا حدود من أي لون، منذ زيارة أنور السادات البائسة للقدس المحتلة وخطابه الأكثر بؤسا في الكنيست الصهيوني.
منذ تلك اللحظة اختلطت المعايير، وتلاشت الفروق بين العدو والصديق، وأضحى التفريط في الأوطان مصدر فخر واستكبار، وصار بيعها مجرد وجهة نظر لا حرمة فيها ولا قدسية، وأسألوا المخضرمين عن الموقف من التعامل مع المحتل أو المستوطن أو المعتدي الغربي أو الصهيوني؛ مغتصب الأرض وملغي الوجود، وطامس الهوية. وكان مجرد البوح بحديث يحمل شبهة تفريط جرما لا يغتفر، وكانت الثوابت الوطنية قد استقرت كمسلمات مطلقة، ومع زيارة السادات للقدس المحتلة في 1977 سقطت كل تلك المسلمات الوطنية والقومية، وتدريجيا أسفر أغلب المسؤولين العرب عن موالاتهم لأعدائهم والاستقواء بهم ضد ذوي القربى، وكأن الزعماء والقادة العرب يتمثلون ملوك الطوائف أيام الأندلس الغابرة وهم يستقوون بملوك شبه جزيرة أيبريا ضد إخوانهم وأشقائهم حتى ضاع ملكهم وانتهت دولتهم، وبعدما جرؤ السادات على زيارة الكنيست جاء من بعده من يتغزل ويهيم حبا في قادة العدو الصهيوني.06qpt699
ومع سقوط المسلمات الوطنية أصبحت الدعوة للحفاظ على الاستقلال الوطني أو الحض على المقاومة قبضا على الجمر، وتبارى دعاة السقوط وأنصار الاستسلام في شيطنة كل ما هو وطني ونبيل في حياة العرب، وملاحقة من ينادون بالصمود والتصدي لجحافل الاستعمار العائد لتدمير البلاد وإذلال العباد، وانتهى الأمر بأن أصبح أمن الدولة الصهيونية وحماية القواعد الأمريكية مهمة النظام العربي الأولى والأخيرة.
وإذا ما كان ذلك يحدث في وقت يرحب فيه النظام الرسمي العربي بالحرب وهي تدق أبواب دمشق العزيزة، وقد كانت لديه سبل أخرى لمواجهة استبداد الحكم وقهر الشعب، وتجربة العراق الدامية ما زالت شاهدة على ما يمكن أن يحدث من مآس جراء التدخل العسكري الأجنبي.
قد ينذر الوضع المتردي باندلاع حرب ضروس تمتد من إيران شرقا حتى حدود تونس غربا، وهي مناطق مشتعلة لا تنقصها حرائق الحروب والدمار، وقد تتحول الحرب المتوقعة إلى حرب عالمية، وعلى مدى قرن عاش العالم ومرت البشرية بمآسي تمثلت في الحرب العظمى 1914 – 1918 اعتبرت الحرب العالمية الأولى، وعانت من دمار وخسائر الحرب العالمية الثانية من 1939 – 1945 وكانت قد غطت كل أوروبا وشمال إفريقيا وامتدت إلى اليابان وجنوب آسيا، ولحقتها مآسي الحرب الباردة، وأنا ممن يعتبرونها حربا عالمية ثالثة، مع أنها تمت بالوكالة ومن خلال طرف ثالث، ولم تكن صداما مباشرا بين المعسكرين الكبيرين المتصارعين، اللذين اقتسما النفوذ في العالم بعد أن وضعت الحرب الثانية أوزارها، وكانت واحدة من أطول الحروب، استمرت من نهاية أربعينات القرن الماضي حتى نهاية الثمانينات منه.
وقد شهدت تلك الحقبة موجة واسعة للتحرر من من الاحتلال الاستعماري المباشر، واستحال فيها الاقتتال بين القوتين العظميين بسبب توازن الرعب النووي الذي جعل الحروب العالمية ضربا من الإنتحار، وفور توقف الحرب الباردة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عادت الحروب المباشرة ومعها الغزو الممنهج من جديد، وأول ما استهدف كانت المنطقة العربية ومحيطها الجغرافي في آسيا وإفريقيا.
والمشكلة فيما يجري هو ما يعد له على مسرح العمليات تهيئة لحرب من المتوقع ألا تبقى داخل حدودها، وسوف تلعب فيها الدولة الصهيونية الدور الأبرز، وضمان حصادها الكامل لصالحها، وقد تخرج تل أبيب قوة أعظم لا تقل أهمية ووزنا عن الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وقد يكون هذا التقدير مستغربا من البعض نظرا لصغر مساحة وقلة عدد مستوطني الدولة الصهيونية؛ ومن المتوقع إذا ما انتصر التحالف الغربي أن يسلم أمر زمام المنطقة إلى الدولة الصهيونية، أو على الأقل يمكنها من الهيمنة على نصفها والتحكم في موارد وخيرات ما يقرب من 200 مليون عربي يسكنون منطقة المشرق العربي ووادي النيل، ويحتلون مساحة تزيد عن نصف مساحة الولايات المتحدة، وإذا ما أتيحت الفرصة لكيان بهذه المساحة والعدد للتحكم في بشر وأرض وموارد بهذا الحجم، سيحتل مكانة كبرى في وسط عالم لا يعرف غير لغة القوة والنهب والإبادة الثقافية والتطهير العرقي.
وهذا يتم في وقت وصلت فيه الأوضاع في مصر إلى مستويات غير مسبوقة من العنف والفوضى وعدم الاستقرار، وما زال سياسيوها أسرى نظرتهم التقليدية المحاكية لنظرة الغرب، وتقوم على حصر الصراع السياسي في مصر بين الإخوان وجبهة الإنقاذ، وكأنهما تملكان القدرة الفعلية على التغيير الحقيقي، وفي هذا إسقاط لـ’الكتلة التاريخية’ التي صنعتها الثورة من الحساب، وما تتصف به من قدرة إعجازية على التغيير في اللحظة الحاسمة، وهي كتلة جعلت التغيير مهمة شعب بملايينه التي تخرج إلى الشوارع والميادين، وجبهة الإنقاذ ليست سوى نقطة في بحر الشعب، ولم تكن وحدها صانعة ذلك المشهد المذهل، لطبيعتها السياسية، وتركيز اهتمامها على الانتخابات مع استعدادها للتحالفات والتفاهمات والصفقات، ومنها ما يأتي على حساب الثورة..
وتنقسم مصر حاليا إلى جبهة إنقاذ وإسلام سياسي وثوار وفلول، وإختارت جبهة الإنقاذ طريق السياسة تحت رايات الثورة. وجماعة25 يناير 2011 ينزلون بالملايين دون عناء أو تكلفة حقيقية، ومستعدون لتلبية النداء والتضحية والاستشهاد في أي لحظة، ومجرد نداء من الشباب يتحركون كالطوفان؛ لهم مهمة واحدة وهدف واحد ينعقد عليه إجماعهم؛ فينجزونه ثم يعودون كما كانوا. أما الفلول فهم يعملون على اختراق جبهة الإنقاذ وقوى الثورة على حد سواء، ويثيرون الشائعات والفتن والفوضى.
ما زال الفهم التقليدي للصراعات والمنافسات السياسية على حاله في فهمه لها على أنها صراعات حكومة ومعارضة، والمشكلة هذه المرة أن الحكومة مؤقتة وانتقالية والمعارضة لا وجود لها، بعد اختلاط الإرهاب بالسياسة، وحين تفقد السياسة نهجها السلمي لا تستطيع أن تتبين وجهتها ولا تقدر على تحديد بوصلتها، وعلى هذا نشأ الغموض المحيط بالخريطة السياسية، وهو يبدو متعمدا من أجل أن يُنسب الفعل الثوري لغير صانعيه من الملايين صاحبة القرار في الشوارع والميادين، وهذا ما حدث بالضبط مع ملايين 30 يونيو وملايين الثالث من يوليو؛ التقت معها جبهة الإنقاذ، ورفضتها جماعة الإخوان والكارهين والمعادين لـ’حملة تمرد’.
وللتذكرة فإن ‘حملة تمرد’ حصرت دعوتها في نقطتين.. طرح الثقة في مرسي.. ودعوة المصريين لانتخابات رئاسية مبكرة، والنقطتان مشروعتان، والآلية المقترحة ديمقراطية، أما الوصول للنتيجة الخشنة الحالية قامت على إنكار حق المطالبين وعدم الاكتراث بحركتهم على مدى شهور ثلاثة سبقت يوم 30 يونيو، والاعتماد على إشاعة روايات وشطحات سطحية وغير منطقية تبريرا للإنكار وتأكيدا على عدم الاكتراث.
من لم ينضم للملايين التي خرجت للشوارع والميادين مني بخسارة فادحة لكنها المكابرة والانفصال عن الواقع. هذا بجانب أن الخروج الكبير في 30 يونيو أعاد للدولة قدرا كبيرا من دورها، وكانت قد أوشكت على لفظ أنفاسها الأخيرة، ولم تتوقف سلطتها التنفيذية، وهي ممثلة في رئيس الجمهورية الإخواني عن الصدام مع كل مؤسساتها وسلطاتها لحظة واحدة؛ بدلا من تطهيرها وإعادة تأهيلها، ووجه ضربات موجعة للقضاء والشرطة، وشن غاراته على الإعلام والأزهر والكنيسة، وكثيرا ما أهان القوات المسلحة، وأقصى القوى غير الإخوانية؛ هذه الدولة استردت قدرا كبيرا من قوتها؛ مكنها من العمل كمنظومة متكاملة في وجه مخاطر الإرهاب ومخطط حرق مصر الذي يجري على قدم وساق، وأضحى الشعب ظهيرا لها وهو يرى ما لها من قيمة وجودية لاستعادة المجتمع المصري موحدا ومتماسكا.
ولو تحلى المتطرفون ببعض فضائل الداعين للمصالحة وانتهزوا فرصة هذه الدعوة وفتحوا حوارا مع القابلين بها ما تبعثرت قواهم وتعددت معاركهم، وما اتخذوا ذلك الموقف العنيف ضد سلطات الدولة ومؤسساتها، وامتنعوا عن هدم صروح العدالة والانتقام من سلطة القضاة، والتربص بالمحكمة الدستورية العليا، وحرق دواوين المحافظات ومديريات الأمن ومراكز وأقسام الشرطة. ومنذ فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة تم حرق أكثر من 70′ من محاكم مصر، ولم تتوقف المعارك ضد القوات المسلحة في سيناء وحول قناة السويس وفي مدن بورسعيد والسويس والإسماعيلية والصعيد. ومعركة المتطرفين مع القوات المسلحة استفزت الشعب، ومن المتوقع أن تشهد موجة جديدة من الحراك الشعبي في الشهور الثلاثة القادمة لتعويض المعونة العسكرية، وتحرير القوات المسلحة من قيودها، بعد أن من جعل من نفسه ظهيرا لها عاملا على حمايتها؛ مستعيدا ارتباطه التاريخي والوجداني بها، فالطبقات الشعبية وكل الشرائح الدنيا والمتوسطة من الطبقة الوسطى تنظر بتقدير واحترام للمؤسسة العسكرية كمؤسسة للجندية وليست مؤسسة ‘عسكر’ ولا جماعة انكشارية أو فلول مرتزقة، والجندية ترتبط في الوجدان الشعبي المصري بحالة عاطفية لا نظير لها في بلد آخر، وحتى مع تفنن طبقات ثرية في التحايل على منع أولادها من الانخراط في صفوفها فإن هذا لم يؤثر على النظرة الإيجابية إليها، ويحسب لها أنها مدرسة تؤهل أبناء الفلاحين والطبقات الفقيرة، وتصيغهم سبيكة ترتقي بنفسها وتساهم في تقدم المجتمع، ويعود المجند بعد انتهاء خدمته العسكرية شخصا آخر، لا علاقة له بما يكتبه ويردده ‘المستشرقون’ المصريون والعرب والأجانب عن فاشية المؤسسة العسكرية المصرية ورضوخها.
القدس العربي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى