مشهد المظاهرات العارمة في تل أبيب ومستوطنات الداخل الفلسطيني المحتل تُقلق حكومة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بلا شك. لكنها تُقلق أيضاً كل رعاة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين العربية.
في قراءة المشهد فشل ذريع لحكومة نتنياهو بعد ١١ شهراً من حرب الإبادة في تحقيق أيٍّ من أهدافها، فلا الأسرى الإسرائيليون أعيدوا، ولا المقاومة انتهت، بل إن خسائر جيش الاحتلال الإسرائيلي تتعاظم، كذا أزمات الاقتصاد الإسرائيلي وخلافات أركان حكومة الحرب التي بدأت تطفو على السطح. في تحليل المشهد إذاً نتيجة سالبة لحرب سوّق لها نتنياهو بأنها ستكون “حرب إعادة الاعتبار” بعد سلسلة من الفشل.
يندرج تصعيد العدوان الإسرائيلي على الضفة في نفس السياق من الفشل. يستطيع العدو حتى الآن قتل الأبرياء وملاحقة المقاومين. لكنه بعيد كل البعد عن تحقيق أي هدف “استراتيجي” يخدم فكرة “بقاء إسرائيل” بأبسط معانيها، وسأشرح لكم لاحقاً لماذا.
منذ اللحظة الأولى للسابع من أكتوبر، حرص نتنياهو وأعضاء حكومته على استعطاف العالم من خلال نشر أكاذيب عن حقيقة ما جرى، ونجحوا لأشهر في تضليل الرأي العام العالمي بالحديث عن “مظلومية” المستوطنين، وتمكنوا من استجلاب المزيد من الدعم لكيانهم الذي كان ولا يزال يعاني من أزمات وجودية.
مستغلاً هذه الفكرة المشوهة حول ٧ أكتوبر، انطلق نتنياهو في حرب الإبادة التي يشنها ضد البشر والحجر في قطاع غزة المحاصر، وكان الغرب الذي اعتاد أن “يبصم على بياض لكل ما تقدمه له تل أبيب” مرتاحاً للفكرة التي سوقها نتنياهو: حرب موضعية خاطفة تعيد ترتيب المشهد دون غزة ودون الصداع الذي تسببه غزة. ما جرى لم يكن في الحسبان. صمدت غزة. رفض نتنياهو التراجع. أجهضت حكومة اليمين في تل أبيب كل مبادرات الوصول إلى حل. ارتكبت المجزرة تلو الأخرى. انتهكت معاهدة كامب ديفيد بالتوغل في محور فيلادلفيا. تجاهلت الغضب الشعبي العالمي، والانزعاج الرسمي الدولي. أحرج نتنياهو حلفاءه أكثر من مرة. تجاوز إسرائيلي معهود لأدبيات العلاقات السياسية، لكن رد فعل هؤلاء كان غريباً.
بنظرة أشمل: السبب الرئيسي في إنشاء الكيان الإسرائيلي هو تحقيق أهداف محددة لمصلحة الغرب، أبرزها أن يكون قاعدة متقدمة ورأس حربة للاستعمار في منطقة تشكل قلب العالم وعقدة المواصلات الأهم، وشرطي المنطقة الذي يضبط إيقاع جميع دول “الشرق الأوسط” بما يخدم مصالح الغرب. في أحد أبعاد إقامة “دولة لليهود” التخلص من مشكلة عدم اندماج هؤلاء في مجتمعات الغرب لأسباب عديدة لسنا بوارد ذكرها. بعد ستة وسبعين عاماً على إنشائه، يجب على الغرب اليوم أن يسأل نفسه: أين هي أهدافه الاستراتيجية من إقامة “إسرائيل” على أرضنا العربية؟
في هدف القاعدة المتقدمة هناك بعض ما تحقق، فالكيان أكبر وأكثر حاملة طائرات تكلفة في العالم بنظر زعماء الغرب. أمر نعيشه في المرحلة الحالية بالتأكيد. لكن هذه القاعدة لم تصل لمرحلة الاكتفاء الذاتي بقوتها التي منحها إياها الغرب تسليحاً ودعماً، وانكسر رأس الحربة مراراً في مواجهات عديدة مع القوى المناهضة للغرب في المنطقة، وبالتالي فإن ميزان الكلفة والمردود ليس في صالح تل أبيب، وهنا تتقاطع الحسابات مع الهدف الثاني من إنشاء “إسرائيل” كشرطي للمنطقة، ينوب عن الغرب ويؤدي المهمات الموكلة إليه خدمة لمصالح الاستعمار. هدف يبدو جلياً أن تل أبيب أبعد ما يكون عن تحقيقه، وهي التي عجزت عن تحقيق أي إنجاز في مواجهة غزة المحاصرة منذ نحو ١٨ عاماً. فما بالكم والحديث يدور عن قوى إقليمية عربية وغير عربية يُراد لها أن تكون “تابعاً” لإسرائيل بمنطق قوة الأخيرة وقدرتها على “قيادة” المنطقة؟!
نعود إلى مشهد المظاهرات. قامت الفكرة الصهيونية أساساً على مبدأ “شعب بلا أرض لأرض بلا شعب”، ووفق ذلك تم استجلاب المستوطنين إلى أرض فلسطين العربية تحت وعود “أرض السمن والعسل”. وعد لم يتحقق على مدى ٧٦ عاماً من الصراع، وتعمّق في الأشهر الأحد عشر الأخيرة بشكل واضح. المظاهرات العارمة والعصيان المدني الذي شهدته الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ يقول فيما يقول: إن هذا التجمع على أرض فلسطين التاريخية بدأ يفقد الإيمان بجدوى وجوده على شكل “إسرائيل”، وبالتالي فإن قلق الغرب واجب ومحقّ (رغم صعوبة أن نقول إن الغرب محقٌّ في شيء)، ففكرة “إسرائيل” باتت اليوم على المحك، وكل ما تم تقديمه لها حتى اللحظة مهدد بالذهاب أدراج الرياح، إذا لم يتم ترميم الصدع المتسارع في بنية التجمع الصهيوني على أرض فلسطين، كما في قدرة “إسرائيل” على أداء دورها الوظيفي الذي تفشل فيه يوما تلو الآخر، ولعل أوضح مثال على ذلك هو فشلها في دورها لفرض “الشرق الأوسط الجديد” في حرب ٢٠٠٦ التي كانت أمريكية الأهداف والقرار.
السؤال الأكثر إلحاحاً هنا في عواصم العالم الراعية لهذا الكيان يجب أن يكون عن جدوى كل ما أنفقوه وقدموه من دعم لتل أبيب كي تنفذ أهدافهم، الجواب بلا شك بمنطق الغرب الرأسمالي هو ببساطة “لا شيء”. حقيقة قد يحتاج الغرب مزيداً من الوقت ليعترف بها، لكنه في ظل التطورات المتسارعة قد لا يكون وقتاً طويلاً.





