أقلام واراءزوايا

النفاق الكيميائي على الطريقة الأميركية … بقلم : بهروز غاماري

210943

يوم 26 آب (أغسطس) الماضي، وجه وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، خطاباً نادراً وذا دلالة، والذي ضمنه رسالة واضحة للنظام السوري. وفيه، قال مشيراً إلى استخدام الأسلحة الكيميائية: “ما شاهدناه في الأسبوع الماضي في سورية يجب أن يهز ضمير العالم، إنه تعد على أي قانون للأخلاق… إنه فحش أخلاقي”. وذكر السيد كيري العالم وهو يحتوي غضبه بالكاد بأن “هذا الأمر يتعلق بالاستخدام واسع النطاق والعشوائي للأسلحة التي قرر العالم المتحضر منذ طويل وقت وجوب عدم استخدامها مطلقاً -وهو اعتقاد تشاركت فيه حتى البلدان التي توافق على القليل من أشياء أخرى“.
وفي وقت سابق من ذلك اليوم نفسه، كانت مجلة “فورين بوليسي” قد نشرت تحقيقاً استقصائياً حصرياً، يظهر للمرة الأولى كيف ساعدت وكالة المخابرات الأميركية (السي أي إيه) صدام حسين عندما استخدم الغازات السامة ضد القوات الإيرانية، وكذلك ضد المدنيين في الأعوام 1983-1988.
حقيقة أن الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الغربية، وخاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، قد ساعدت صدام خلال حرب الثمانية أعوام ضد إيران، ليست أخباراً جديدة. ومن المعروف أن القوى الغربية رأت في عدوان صدام ضد إيران فرصة لاحتواء الثورة الإيرانية خشية انتشارها في العالمين العربي والإسلامي. وزودت الجانب العراقي بالمعلومات الاستخبارية، بالإضافة إلى مئات الملايين من الدولارات في شكل معدات عسكرية ثقيلة من الدبابات، وحتى الطائرات المقاتلة.
أما ما هو جديد في تقرير “فورين بوليسي” فهو أنه يستند إلى وثائق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نزعت عنها السرية حديثاً، والتي تظهر بوضوح أن إدارة ريغان كانت على علم باستخدام العراق للأسلحة الكيميائية، لا بل شجعته على فعل ذلك. وتُظهر الوثائق أنه بدلاً من وقف صدام حسين عن استخدام الأسلحة الكيميائية، فقد انصب الاهتمام الرئيسي للسي آي إيه على وقف إيران عن الحصول على دليل دامغ يثبت أن العراقيين استخدموا أسلحة كيميائية.
وذكرت وثيقة بالغة السرية لـ”السي آي إيه”، والتي تعود إلى شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1983 أنه “فيما تستمر الهجمات العراقية وتتكثف، تزداد فرص حصول القوات الإيرانية على قنبلة تحتوي عنصر الخردل وعليها علامات عراقية. وستأخذ طهران هذا الدليل إلى الأمم المتحدة لتتهم الولايات المتحدة بالتواطؤ في خرق القانون الدولي”. حتى أن ريغان أرسل (وزير الدفاع) دونالد رمسفيلد لنقل تأكيداته بأن الولايات المتحدة ستستمر في دعم جهود الحرب لصدام حسين. ومن سوء طالع (رمسفيلد) أن تلك الزيارة أصبحت راهناً جزءاً من سجله العام، بتلك اليد اللعينة التي صافحت صدام حسين في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1983.
كانت إيران قد قامت بمحاولتين غير ناجحتين لعرض قضيتها ضد صدام حسين أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وتظهر الوثائق أن الولايات المتحدة كانت قد فصلت بمهارة استخدام الأسلحة الكيميائية من جانب نظام صدام، لكن من المفارقات أنها رفضت ادعاء الإيرانيين لأنهم فشلوا في “تقديم دليل مقنع على استخدام الأسلحة“.
وتظهر الوثائق كيف أن “الولايات المتحدة”، كما يؤكد تقرير “الفورين بوليسي” كانت قد أجرت حسابات متروية قبل ثلاثة عقود من الاستخدام الواسع للأسلحة الكيميائية من جانب صدام حسين ضد أعدائه وضد شعبه. وقررت إدارة ريغان أنه من الأفضل السماح باستمرار الهجمات بها إذا كانت ستقلب موازين الحرب.
مع اقتراب نهاية العام 1987، بدأ الجانب الإيراني بنشر حشود هائلة على تخوم العراق وفق خطة للاستيلاء على مدينة البصرة الاستراتيجية. وكان محللو وزارة الدفاع الأميركية يشكون في أن الجانب العراقي يستطيع صد هذا الهجوم الضخم، واعتقدوا بأن سقوط البصرة كان وشيكاً. كما كانوا مقتنعين بأن الجيش العراقي سينهار مع سقوط البصرة، وستكسب إيران الحرب.
وهناك تقرير بعنوان “عند بوابة البصرة” تم تقديمه لرونالد ريغان، والذي حذره من أن ثمة خطراً كبيراً بأن يُهزم العراق. وبحلول ذلك الوقت، كانت إدارة ريغان على وعي تام بالاستخدام الضخم لغاز الخردل والسارين وغاز الأعصاب التابون (يعرف أيضاً باسم جي إيه) ضد القوات الإيرانية والمدنيين من جانب النظام العراقي. ورغم تلك المعرفة التامة بالأمر، كتب الرئيس ريغان على هوامش التقرير ملاحظة موجهة إلى وزير الدفاع فرانك كارلوتشي: “الانتصار الإيراني غير مقبول“.
طيلة فترة الحرب التي استمرت ثمانية أعوام، اتخذ النظام الإيراني موقفاً ضد استخدام الأسلحة الكيميائية. وظل مسؤولوه ملتزمين بتعهداتهم الدولية والإنسانية، ورفضوا تطوير أو استخدام أسلحة الدمار الشامل حتى في تلك الأيام التي بدا الرد فيها بالسلاح نفسه ضد المعتدين العراقيين مغوياً تماماً. وظلت إيران صادقة مع موقفها ولم تطور أي برنامج أسلحة كيميائية أبداً.
كان أحد التبريرات الرئيسية التي ساقها الرئيس أوباما في خطابه يوم 10 أيلول (سبتمبر) لتسويغ وجوب تصرف الولايات المتحدة ضد سورية، هو أنه إذا لم نضرب فإن ذلك سيشجع إيران. وقال: “إن الفشل في التصدي لاستخدام الأسلحة الكيميائية سيضعف الحظر المفروض ضد أسلحة الدمار الشامل الأخرى، وسيشجع حليفة الأسد، إيران التي يتوجب عليها تقرير ما إذا كانت ستتجاهل القانون الدولي من خلال بناء سلاح نووي أو اتخاذ مسار أكثر سلمية“.
سوف يساعد الرئيس أوباما لو أنه يتوقف لحظة ليتأمل تعليقه. عندما قدرت الولايات المتحدة أن هزيمة صدام حسين كانت ممكنة، قام أسلاف أوباما وحلفاؤه بتقديم الأسلحة الكيميائية وغطوا على استخدامها من أجل إنقاذ النظام العراقي. وحذروا من أن “أي دعاية عن استخدام العراق الواسع الانتشار للأسلحة الكيميائية سيصيب الجهود الأخيرة لتقوية الروابط العراقية الأميركية بنكسة“.
يرى الرئيس الأميركي أيضاً أن “أشياء رهيبة تحدث من حول الكرة الأرضية، وليس في قدرتنا تقويم كل شيء خطأ. لكننا عندما نستطيع ببذل هذا الجهد المتواضع والمجازفة وقف قتل الأطفال بالغاز السام، وبحيث نجعل أطفالنا يعيشون بشكل أكثر أمناً على المدى البعيد، فإنني أعتقد بأنه يتوجب علينا التصرف”. وخلص أوباما إلى القول مع اختتام خطابه: “إن هذا هو ما يجعل أميركا مختلفة. ذلك ما يجعلنا استثنائيين. ومع التواضع والعزيمة، دعونا لا نفقد البصيرة الخاصة بتلك الحقيقة الأساسية“.
الشيء الرهيب فيما يقوله الرئيس هو أننا نعرف أنه لا يوجد شيء أساسي ينبئنا عن حقيقة السياسات الأميركية في الخارج. وثمة شيء واحد توضحه وثائق “السي آي إيه” الأخيرة، هو الاستخدام الانتقائي للحقيقة في السياسة الأميركية. وقد تكون ثمة قضية في الاستثنائية الأميركية، لكن تلك القضية على الأغلب ليست معرفة بالالتزام الأميركي بأي حقيقة أساسية، وبالتنازل عن الدفاع عن الكرامة الإنسانية.
هل انزعج ضمير وزير الخارجية بالإفراج عن هذه الوثائق السرية؟ وهل ثمة غضبة أخلاقية أو أزمة أخلاقية في البيت الأبيض لأن الأسلحة الكيميائية استخدمت من أجل الدفع بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قبل 30 عاماً فقط؟ (دعونا لا نتحدث عن استخدام اليورانيوم المنضب في العراق راهناً).
في عالم أقرب إلى الكمال، كان الرئيس أوباما ليظهر أمام الكاميرات ليقول للعالم إن الوثائق التي نزعت عنها صفة السرية مؤخراً تظهر أننا ارتكبنا خطأ رهيباً. لقد ساعدنا نظاماً على استخدم أسلحة الدمار الشامل وساعدنا ذلك النظام على إخفاء أعماله الوحشية. وقد تعلمنا من هذا الانتهاك الماضي ونسعى إلى مستقبل أفضل. إننا نثني على إيران لممارستها ضبط النفس ولبقائها ملتزمة بالمبادئ خلال الحرب مع العراق، عبر رفضها الرد على صدام حسين بالأسلحة الكيميائية. واليوم، يجب على إيران أن تلعب دورها الحاسم في وقف استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية. لقد دفع الإيرانيون ثمناً باهظاً عندما بقي العالم “المتحضر” صامتاً أمام الممارسات الوحشية لصدام حسين خلال أعوام الحرب الثمانية. ويجب أن يكونوا جزءاً من الحل في سورية، خاصة الآن بعد طرح الأسلحة الكيميائية على مسرح هذه الحرب الوحشية.

تبريزي  (كاونتربنتش) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني – الغد الاردنية .

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى