رام الله – الصحافة، أو السلطة الرابعة، هي واحدة من أهم المهن؛ حيث تلزم صاحبها بمواثيق ومبادئ كالأمانة، والخلق الحسن، واحترام الذات، المهنة، وهي بحر من الخيارات الواسعة، والمجالات المتاحة، وكل واحد يختار حسب ميوله، وبما يتلاءم مع شخصيته، إلا أن أصعبها هو العمل الميداني، سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، ويزداد الأمر تعقيدا عند الأنثى، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواجهة القيم المجتمعية الذكورية، فصحفيات هذا الوطن ما بين العزوف والاندماج فيه، ولكن معظمهن اخترن طريق الميدان كقاعدة لاطلاق ابداعاتهن.
عرين ريناوي: المصورة الصحفية الفلسطينية التي استطاعت بعقليتها الشابة المتفتحة أن تنقل معاناة الشعب الفلسطيني؛ من خلال الدمج بين التصوير والعمل الميداني، حيث لاقت اعجابا ونجاحاً كبيراً في الساحة الاعلامية الفلسطينية؛ كونها تعمل في حقل ميداني كان حكراً على الرجال، فـعرين كغيرها من الصحفيين، تقف دائماً عند نقاط المواجهة المباشرة بين الشباب الفلسطيني المقاوم والاحتلال الاسرائيلي، ما يزيد العبء على شخصيتها كصحفية أنثى؛ بأن تتصف بالجرأة، وخصوبة الخيال، واللياقة البدنية؛ التي تمكنها من مسايرة عملها الشاق، اضافة إلى حب المغامرة الذي يتطلب منها قبول التحديات بكافة أشكالها.
أما بالنسبة لـ نبال ثوابتة: مديرة مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت، جعلت منها هذه المعوقات صحفية ميدانية معروفة في أولى سنوات عملها، فالجلوس والانتظار على الحواجز العسكرية الإسرائيلية لساعات طويلة، اضافة الى مشقة التنقل من مكان إلى آخر لم تمنعها من التغطية الشاملة خلال الانتفاضة الثانية عام 2000، لا سيما العمل لساعات متأخرة من الليل، فقد أصبحت هذه المعوّقات دافعاً مهماً إلى وجوب تغيير نظرة المجتمع إلى العمل الميداني للصحفية.
فـ كرستين ريناوي أكدت أن الصحفي المهني لا يستسلم لهذه المعوقات، فالصحافة مهنة تتطلب قدرة واضحة على الصبر والمطاولة، وتحمل المنغصات والمتاعب؛ ليبقى الاحتلال وسياسته المتمثلة في تكميم الأفواه والتلويح بالاعتقال عائقها الوحيد، إلا أنّ الصحفيين على المستويين ذكوراً وإناثاً لم يسلموا من شر الاحتلال.
وهناك أيضا نداء يونس التي لم تدرس الصحافة البتة، ولكن خبرة ثلاثة عشرعاما في المكتب الصحفي الحكومي عملت على ابراز شخصيتها الصحفية، خاصة في العمل الميداني الذي تقول إنه لم يخفها، بل على العكس تراه وسيلة لإبراز جرأة، وشجاعة الفتاة الفلسطينية، وأكدت أنها لا تخاف المجتمع ونظرته لعمل الصحفية في الميدان, أما الاحتلال الإسرائيلي فهو المعوّق الأكبر الذي يحول دون المضي قدما. وضربت أمثلة على بعض الصحفيات اللواتي لم يسلمن من ظلم الاحتلال مثل: كرستين الريناوي، وفدوى الهودلي، وقد يصل الظلم أحيانا إلى الضرب والاحتجاز، وحتى الاعتقال لكن عندما يتعلق الأمر بالصحفيين الذكور فقد يصل الظلم إلى القتل! فمنذ عام ألفين سقط أربعة وعشرون شهيداً صحفياً ولا يوجد بينهم أي صحفية.
ندين الصيفي: مثال على الصحفيات الشابات اللواتي أثبتن أنفسهن في مرحلة جامعية مبكرة، تطمح أن تعمل في الميدان ولكنها لا تضمن الإستمرارية لأن الصحفيات اللواتي يعملن في الميدان قلائل وبعضهن يعملن كمراسلات يسيطر الخوف على أغلبهن، بسبب تحديات المواجهة المباشره مع الاحتلال، والأهم من ذلك هو قلق العائلة المستمر عليهن الأمر الذي قد ينعكس سلباً على ثقتهن بأنفسهن، وخصوصا إذا كانت متزوجة ولديها مسؤوليات تجاه أسرتها، فتسلك الطريق الأقل خطورة، ألا وهو العمل الصحفي المكتبي الذي يتمثل في كتابة التقارير وتحرير الأخبار. لكن العائق الأكبر هنا أن معظم من يعمل في غرف التحرير رجال، حيث أشارت إحصائية لنقابة الصحفيين أن 17% من الصحفيات يعملن في الجسم الصحفي بينما تبقى نسبة 83% للصحفيين، وهذا مؤشر خطير، تقل خطورته عندما ننظر إلى الأمل في مجتمعنا الفلسطيني في عيون ليندا شلش، التي ما زالت امرأة تحمل بداخلها طفلة، حلمت يوما ما أن تكون اعلامية، فكانت كغيرها ممن يتفوقن في الثانوية العامة، واجهت رغبة العائلة في أن تكون طبيبة أو مهندسة، فاستطاعت بشخصيتها الواثقة من النجاح ودراسة الإعلام، وتثبتت نفسها في العمل الميداني، في أولى بداياتها الصحفية، واقتصرت مشاكل الميدان بالنسبة لها على الاحتلال، ليبقى تحدياً مفتوحاً حتى يفك الاحتلال قيده عن فلسطين، ولا ننسى الحرية المقيدة لهن بسبب التوجهات السياسية لدى بعض القنوات، وإعداد تقرير لساعات ليخرج في دقائق معدودة.
فجميع هذه النماذج تدل على المرأة الفلسطينية شجاعة كما وصفتها آلاء شطار، ذلك الصوت الفلسطيني الندي، الذي اعتاد أن يسمعه الناس كل يوم على ان إذاعة أجيال، فقد مارست العمل الصحفي المكتبي، الذي تفضله على العمل الميداني، على الرغم من أنه على حسب وصفها مجال عمل ممتع، ويحتاج إلى الكثير من المواصفات، التي يجب أن تتوافر عند كل صحفية ميدانية، وتبدأ من التحلي بالجرأة، والقدرة على الارتجال، والإلمام بفن الحوار، والخطاب، والثقافة العامة، وترى شطارة المرأة الفلسطينية امرأة تعرف كيف تذلل الصعاب وتجتاز العوائق, فالصحفية الأنثى تستطيع وبكل جدارة أن تنتمي إلى مجال العمل الميداني إذا كانت تتمتع بهذه الصفات.
ومن أهم المشاكل التي تواجه الصحفيات كما الذكور، هي عدم وجود قانون يكفل حق الحصول على المعلومة، فيبقى الدور الأكبر على عاتق الصحفية ومدى قدرتها على البحث، وهناك بعض المعلومات يتم حجبها لأسباب أمنية، ومن المشاكل المستعصية في مجتمعنا الفلسطيني، أن بعض الطلاب يقدمون على دراسة الصحافة وإلاعلام، عقب انتهائهم من المرحلة الثانوية؛ ظناً منهم أنها مجال سهل، والجانب العملي فيها أكثر من النظري، فهؤلاء حسب ما أكدن لي الصحفيات آنافات الذكر، أنهم لن يبدعون في عملهم، ولن يلاقوا الفرص اللازمة، فهذه هي مهنة الصحفي والصحفية من منظور مجتمعي بحت، أمابالنسبة للعمل الميداني، فهو المجال الذي استطاعت أن تتحدى فيه المرأة، وتثبت نفسها مثلها مثل أي رجل، لتنقل الحدث من الميدان فور وقوعه.
الحياة الجديدة – تقرير: غيداء وليد حمودة





