أقلام واراءزوايا

الثورة، الانقلابات والتداعيات: لا مكان للوسطية في مصر … بقلم : نائل شما

211314

 

تتميز الأزمة السياسية المصرية الراهنة بالصراع القائم بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين. وقد وصلت حالة الاستقطاب التي مزقت البلاد منذ سقوط حسني مبارك في العام 2011 ذورتها بعد إقالة محمد مرسي في تموز (يوليو)، وأصبحت معظم قوى مصر السياسية تصطف الآن مع طرف أو آخر: في 14 آب (أغسطس)، قامت قوات الأمن بتفريق الاعتصامات التي أقامها الإخوان المسلمون في القاهرة، وترافق ذلك مع أسوأ مستويات العنف الحضري منذ ثورة العام 2011.
مع ذلك، ثمة أقلية صغيرة فقط من المصريين ما يزالون مترددين في الاصطفاف إلى جانب أي من الطرفين: إنهم الليبراليون الأصيلون الذين أصبحوا يشكلون أهمية مؤخراً في دفاعهم عن المساواة، والحقوق المدنية واحترام حقوق الإنسان. هناك الساسة مثل محمد البرادعي، والأكاديميون مثل العالم السياسي والناشط في مجال حقوق الإنسان عمرو حمزاوي، وأعضاء الحركات الشبابية مثل حركة 6 أبريل، ومنظمات حقوق الإنسان، ممن حاولوا أن يُحدثوا الفرق، مؤكدين على حضورهم في الفضاء العام. وقد عارض هؤلاء بقوة أنظمة حسني مبارك، والإدارة التي سيطر عليها الجيش، المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإدارة مرسي والحكومة الحالية. وقد تبين أنه سرعان ما تحل هزيمة كبيرة محل كل نجاح صغير: تم إسقاط مبارك، لكن مبارك نجا؛ وتم انتخاب مرسي ديمقراطياً، ثم تم إسقاطه بدوره، وهكذا.
تقوم الليبرالية على أساس رفض حكم الدين والاستبداد، لكن هذه الفرضية تعرضت للتشويه في مصر، وتم تخفيفها وتعكير نقائها بمزيج من العواطف القومية، والشعبوية، واليسارية والدينية. وهي تبقى في نهاية المطاف أيديولوجية غريبة متجذرة في الفلسفة السياسية الغربية، وقد فشلت إلى حد كبير في اختراق مجتمع مصر المتدين. وكانت جهود المفكرين الليبراليين في النصف الأول من القرن العشرين، مثل طه حسين، وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى، مقتصرة في معظمها على المثقفين ومناظراتهم النظرية المعزولة. والآن، تبقى العلاقة بين الأحزاب الليبرالية المعاصرة، وأبرزها حزب الوفد الذي تأسس في العام 1919، وبين المبادئ التي تدعي أنها تعتنقها، علاقات واهية. وقد عمد السياسيون الليبراليون، في محاولاتهم استيعاب صعود الأصولية الإسلامية، إلى تخفيف المبادئ التأسيسية للفلسفة الليبرالية. وهم يرفضون أن يسمّوا “علمانيين” (وهو مصطلع يقرنه الإسلاميون بعدم الإيمان)، مفضلين بدلاً من ذلك مصطلح “متحضرين” الغامض، وهم يظلون واقفين على الجانب الدفاعي، راغبين في إقناع المتشككين بأن الليبرالية ليست متناقضة مع الإسلام. (كافة الأحزاب العلمانية تعارض إزالة المادة 2 من الدستور، والتي تنص على أن الإسلام هو “المصدر الرئيسي للتشريع“).
القليلون فقط من الذين يدعون أنهم ليبراليون رفضوا الخضوع للضغط الاجتماعي والضرورات السياسية. وهم يرفضون الفاشية الدينية والعسكرية. وهم الآن غاضبون بنفس المقدار من الأحزاب السياسية التي صنفت نفسها بنفسها على أنها ليبرالية، مثل حزب الوفد، وحزب المصريين الأحرار، والحزب الاجتماعي الديمقراطي المصري، والتي تزعم جميعها الحديث باسم الحريات وحقوق الإنسان، كما هو شأنها مع الجيش والإخوان. وقد شاركت هذه الأحزاب في الاحتجاجات الهائلة المناهضة لمحمد مرسي ثم دعمت الخطة التي اقترحها الجيش بالكامل. وجعلتها عدائيتها تجاه جماعة الإخوان ومرسي تغض الطرف عن التجاوزات المتفاقمة التي ترتكبها قوات الأمن منذ الإطاحة بمرسي من سدة السلطة.
من السهل تفهم موقف هؤلاء، لكن من الصعب تبريره. لقد عمق استخدام الإسلاميين للدين كأداة للمزايدة على خصومهم السياسيين مخاوف الساسة الليبراليين من هذا المزيج الخطير من الإسلام والسياسة. وهم يرون حكم الجيش على أنه أقل شراً. والأهم من ذلك، هو أن الأحزاب العلمانية خسرت كل منافسة انتخابية ضد الإسلاميين منذ الإطاحة بمبارك في العام 2011، وبهذا يزيل استبعاد الإسلاميين (وخاصة جماعة الإخوان المسلمين) منافساً متفوقاً من الطريق.
وينطلق دعم الأحزاب العلمانية لتحركات الجيش بدافع المصلحة الشخصية أكثر منه بدافع الخوف من تهديد الحكم الديني. ومع أن الحركات الإسلامية غير ليبرالية كلها بدرجات متفاوتة، فإنها تظل معجبة كثيراً بالانتخابات، أسرع السبل لإيصالها إلى السلطة. وهكذا، أصبح الصراع السياسي لما بعد مبارك يقوم بين “ليبراليين غير ديمقراطيين، وبين ديمقراطيين غير ليبراليين.”
لا يستطيع الليبراليون الأصيلون والحقيقيون التعاطف مع الجيش، والإسلاميين، أو الأحزاب الليبرالية في ظاهرها فقط، والتي تستخدم الجيش في معركتها الوجودية ضد الإسلاميين. وهم أيضاً يواجهون غضب الساسة الليبراليين، والصحفيين والناشطين الذين تحولوا إلى مدافعين عن قوات الأمن، مدافعين عن خططها، مبررين اعتداءاتها وجرائمها، وعندما يصبحون محاصرين يرفضون مناقشة المسألة جملة وتفصيلاً. وعندما سألت ناديا أبو المجد، وهي صحفية تنتقد الانقلاب، عن الليبراليين المصريين الذين يدعمون الجيش، أجابت: “ليبراليون؟ تقصد الفاشيين”. وهي تعتقد بأن التسميات والتصنيفات تفقد معناها في السياق المصري: “أسأل نفسي كل الوقت: ما هي الليبرالية؟ ما هي الإنسانية؟ ما هي الأمة؟
يواجه الليبراليون الحقيقيون الآن حملات التشهير في وسائل الإعلام، والتي تذكّر بالدعاية الفاشية. وقد أصبحت النقاشات الموضوعية الهادئة حدثاً نادراً، وتطغى عليها الدعوات للانتقام والإبادة؛ وأصبح التسامح شحيحاً، ومحاولات الاعتدال مرفوضة. ويجري اتهام تلك الأصوات القليلة التي تدعو إلى المصالحة بالسذاجة في أحسن الأحوال، وبالخيانة في أسوئها. وكما تلخص الأمر الصحفية رانيا المالكي: “إذا كنت ضد الانقلاب، فإنك غير وطني؛ إذا انتقدت البوليس والاستخدام غير الضروري للقوة القاتلة، فإنك خلية إرهابية نائمة؛ إذا سألت الخط الرسمي عمن قتل من ومتى، ولماذا وكيف، وطالبت بدليل… فإنك تكون معميّاً بآفة التحيز، ولا تصلح لأن تكون مصرياً“.
استقال الحائز على جائزة نوبل محمد البرادعي، من منصبه كنائب للرئيس عندما تم تفريق اعتصامات جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة. وقال في رسالة استقالته: “لقد أصبح من الصعب علي الاستمرار في تحمل المسؤولية عن قرارات لم أوافق عليها وحذرت من عواقبها”. وهو الصوت الوحيد الداعي إلى ضبط النفس في حكومة يقودها الصقور، المتشوفون للمواجهة. وبعد استقالته، اتهمه منتقدون بأمور غريبة: هرب من معركة الحياة أو الموت ضد الإرهاب، كان أخاً مسلماً في الخفاء، أو متواطئاً في مخطط هندسته الولايات المتحدة لتقسيم مصر.
يحظى النظام السياسي الحالي بدعم السلطة، لكنه ملطخ بعدم الشرعية. ثمة الاستخدام القاتل للقوة ضد المتظاهرين، الاعتقالات الواسعة في صفوف جماعة الإخوان، إغلاق محطات التلفزة الفضائية الإسلامية وإعادة تفعيل قانون الطوارئ، وهي كلها أمور تذكرنا بمبارك. ويمكن بالكاد الدفاع عن هذه التدابير الخارجة عن نطاق القانون وعن المسار السياسي الهش باسم الديمقراطية. لقد بدل الجيش رئيساً منتخباً، ومجلس شورى ودستوراً تمتعت بالموافقة الشعبية، ووضع رئيساً معيناً وحكومة وجمعية تأسيسية فيها بالكاد أي إسلاميين.
لا يساعد المزاج العام السائد الآن على استعادة المسار الدستوري والتطبيق العادل للقانون. وتقول الكاتبة الليبرالية سارة لبيب: “في خضم الحمى والحماسة الثورية… داست جميع الأطراف على القانون. لكنه لا يمكن أن تكون لديك ثورة وقانون في الوقت نفسه”. لقد انتج الاستنطاق المستمر لسلامة العملية القانونية وتشويه صورة القضاة أزمة ثقة في النظام القضائي وفي صلاحية القانون نفسه. وهكذا، وبعد أن طغت عليهم وأربكتهم الخطابة، أصبح معظم المصريين يغلقون أعينهم عن انتهاكات حقوق الإنسان، متشبثين بذرائع من نوع أن هذه الإجراءات “ضرورية لمحاربة الإرهاب” و”هي تدابير مؤقتة فقط،” بل انهم يدعون حتى بأن الإسلاميين “يستحقون ذلك“.
سوف تزدهر الليبرالية فقط عندما يتم زرعها في نفسية الأمة، وعندما يشجب المصريون وينبذون الثنائية المتعارضة “الجيش-الإخوان المسلمين” ويستعيضون عنها بثنائية “الحرية أو الاستبداد.”

(لوموند ديبلوماتيك) – ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى