لا ستالين، لا برلين
كلما طالت الحرب تحرر لسان نتنياهو. يحصل هذا له إجمالاً بالانجليزية، أمام مستويات أميركية، معجبة بترامب تصل إليه فزعة ومتأثرة، فزعة من ضجيج الحرب ومتأثرة باللقاء. قبل بضعة أيام، في حديث لمذيع الراديو مارك لفين شبه نتنياهو الاحتلال المستقبلي لغزة باحتلال برلين في الحرب العالمية الثانية.
كيف أصبحت غزة برلين؟ لديّ تفسير من الحياة: قرب شقة نتنياهو في القدس، تماماً قريباً منها، يعمل محل حمص اسمه “بين غزة وبرلين”. وقامت هذه المصلحة التجارية في موقع يصب فيه شارع الحاخام حاييم برلين في شارع غزة، وهكذا ولد الاسم. يلتقي نتنياهو بهذا الاسم في كل مرة يسافر فيها، بقافلته المحروسة حتى التعب، في نزلة شارع غزة. لقد وصل إلى التشبيه التاريخي عبر الحمص.
احتلال غزة لن يكون مشابهاً لاحتلال برلين. حقاً لا. نتنياهو، الذي يجري هذا التشبيه بين أفظع الحروب العالمية والحرب المحلية، المحدودة، الأليمة لنا، مصاب بجنون العظمة. هو ليس ستالين، وغزة ليست برلين، والحرب في الجنوب لن تقرر مصير العالم. الفارق هو ليس فقط في حجم القوات: “حماس” منظمة “إرهاب” “إجرامية” قتلت غير قليل من الإسرائيليين، لكن غزة هي فقط غزة. احتلال المدينة للمرة الثالثة (احتللناها في 1956 واحتللناها مرة أخرى في 1967) لن يعرّف الحرب. ما سيعرّف الحرب هو القصور الرهيب في بدايتها. المقارنة تعطي “حماس” ثناء لا تستحقه.
في نيسان 1945، عشية الاحتلال السوفياتي، كان يسكن في برلين ثلاثة ملايين نسمة. كتب المؤرخ أنطوني بيفر كتاب “سقوط برلين 1945” مركزاً على قصة الأسابيع الأخيرة.حيث نزل السكان خوفاً من القصف إلى الملاجئ الضخمة، المحصنة بالإسمنت. في غرب وشرق الدولة واصلت جيوش ألمانيا القتال ضد جيوش الحلفاء: ملايين المقاتلين، وملايين القتلى. أطلق جنود الجيش الأحمر، جوعى ومفعمين بالثأر، النار على الرجال، واغتصبوا النساء. نحو مليونَي امرأة اغتصبت في حملة احتلالهم شرق ألمانيا. وقد اغتصبن بجموعهن في برلين أيضا.
هتلر، المختبئ في خندقه، واصل إصدار الأوامر. هُزم الجيش الألماني لكنه لم يتحطم. كان القتال في المدينة قاسياً وكثير الإصابات، لكن بتعابير الحرب العالمية كان هذا ليس أكثر من ملاحظة هامشية، بل سجل زمني لنهاية معروفة مسبقاً.
غزة القديمة، تحت سيطرة إسرائيل وبعد “أوسلو” تحت سيطرة السلطة، لم تذكر أحداً ببرلين. فقد عرضت شاطئ بحر رملياً، ذهبياً وطرياً، ومخيمات لاجئين مخنوقة وفقراً مدقعاً، ترجم في كل اتصال مع الإسرائيليين إلى الطاعة. جنود خدموا هناك في حينه، أنا منهم أيضاً، أخذوا الانطباع بأنه في الضفة يبث المحليون غضباً مكبوتاً، أما في غزة فهم يبثون خنوعاً. الاحتلال هناك أكثر راحة، أبارتهايد رقيق مع قبعات دينية محبوكة: لا غرو أن قدامى غوش قطيف، القلة التي حقاً استوطنت هناك، يتوقون لتلك الأيام.
لم يكن فخار في غزة القديمة، لكن كانت حياة. الحرب أغرقتها في الرمال. مليون إنسان يغرقون في الرمال. بقي قليل جداً من البيوت المناسبة للسكن؛ قليل جداً من الشوارع مزفتة بالأسفلت. والاحتلال يولد القفر.
الرهان على المخطوفين
تنتظر ثلاثة مخاطر مقاتلي الجيش في غزة. الأول: لواء معزز، معاد بناؤه، تحت قيادة مرتبة، نحو ألفي مقاتل مدرب وآلاف نشطاء مدنيين ومعاونين. التهديد من هذا النوع كف عن الوجود في الأجزاء التي احتلت من القطاع. خطر ثان: قتال عصابات يلاحق قواتنا، خلايا صغيرة أو “مخربون” أفراد من خلال شبكة متفرعة من الأنفاق والفتحات ستوفر نقاط خروج مريحة لكل منفذ عملية، ومخازن سلاح للتزود وملجأ للفارين. رغم جهد سنتين، فإن معظم شبكة الأنفاق لم تتضرر. وبالتالي يمكن للسيطرة على المدينة أن تكون سريعة لكن الغرق في الميدان من شأنه أن يكون معقداً وكثير الإصابات.
الخطر الثالث هو المخطوفون. الرهان على حياتهم مثير للحفيظة على نحو خاص. يضع علامة استفهام حول قيم أصحاب القرار، تكافلهم مع أبناء شعبهم، وأهليتهم، فترك المخطوفين لمصيرهم هو جريمة.
يؤثر موضوع المخطوفين على الحرب في اتجاهين متناقضين. المتظاهرون، والعائلات أيضا، يقولون: من أجل المخطوفين يجب الوصول إلى صفقة ووقف الحرب. ويقول مقاتلون في الميدان: من أجل المخطوفين يجب مواصلة القتال. يوجد تناقض ولا يوجد تناقض: كل جانب يفعل ما يمكنه، بأدواته. قدر ضابط كبير على مسمعي أنه لولا مركزية المخطوفين لكان الاحتجاج في الجيش على استمرار الحرب بارزاً أكثر بكثير، بما في ذلك رفض الخدمة.
لا تزال لـ”حماس” ذخائر في المدينة لم تتضرر، أو تضررت جزئياً: ذخائر مادية، وذخائر بشرية. تتحدث الخطة عن حركة سريعة للقوات بهدف الوصول إلى الأماكن التي تؤلم مسؤولي “حماس”، في غزة وفي الدوحة. هل يليّن الضغط العسكري “حماس”، الفرضية التي لم تتحقق دوما أثناء الحرب. هذه هي الأهداف التي ينبغي استباقها والوصول إليها. ستكون بشرى طيبة إذا ما صفى الجيش ألفي مقاتل من “حماس” أو معظمهم، لكن من المهم أن نفهم: عندها أيضاً لن تختفي “حماس” ومن المشكوك فيه أن تبرر المنفعة الثمن.
نوايا مستوانا السياسي، أي نتنياهو، ليست واضحة. فهل هو يعول على الدخول إلى غزة كرافعة للوصول إلى اتفاق أم يعول على الدخول إلى غزة كمحطة في الطريق لتهويد القطاع؟ إلى أين وجهته؟
إذا كان احتلال برلين في العام 1945 هو النموذج للاقتداء، فان الكابينيت انسحب، هذا الأسبوع، من جانب واحد من المفاوضات التي أدارها مع “حماس” على مدى نحو سنتين. هو لم يقرر الانسحاب، لكن هذا ما فعله عملياً. لا أخذ ولا عطاء – كتاب استسلام. يفترض أن توافق “حماس” على النفي الجماعي لرجالها ونزع سلاحها إضافة إلى التنازل عن الحكم المدني في القطاع. هذا ما يجدر عمله بمنظمة “إرهاب” “مجرمة” نزلت على ركبتيها. لكن توجد فقط مشكلة واحدة: لم ننجح في إنزال “حماس” على ركبتيها. حتى لو احتللنا غزة، من المشكوك فيه جداً أن تنزل على ركبتيها. وفي هذه الأثناء سنفقد المخطوفين.
إن التحول في موقف نتنياهو من الإصرار على اتفاق متدرج، أو ما سمي “منحى ويتكوف”، إلى فيتو على الاتفاق ذاته، يخرج قطر ومصر عن صوابهما. الحكومتان هناك ليستا من الأولياء العظام. ومثلما يحب نتنياهو أن يقول، فإنهما “معقدتان”. أما هذه المرة فقد خانتهما إسرائيل.
عن “يديعوت”





