في مفارقة استثنائية، وفي الشهر الثالث والعشرين للإبادة الجماعية التي تمارسها “إسرائيل” بحق الشعب العربي الفلسطيني في غزة، وقف الجمهور الحاضر في مهرجان البندقية السينمائي مصفقاً لفيلم “صوت هند رجب” (من إخراج التونسية كوثر بن هنية) لمدة ثلاث وعشرين دقيقة متواصلة في مشهد غير مسبوق.
الفيلم يروي تفاصيل مكالمة الطفلة الفلسطينية هند (5 سنوات) مع مركز الهلال الأحمر الفلسطيني على مدى الساعات الثلاث الأخيرة من حياتها، وهي تشرح لهم كيف أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي النار على السيارة التي كانت تقلها وأسرتها وقتلوهم جميعاً في مجزرة مروِّعة، وكيف كانت تستغيث كي يأتي المسعفون لإنقاذها. توجه مسعفان اثنان بسيارة تابعة للهلال الأحمر إلى موقع هند، لكن الاتصال انقطع مع الجميع. بعد اثني عشر يوماً من الجريمة عُثر على جثامين الشهداء، هند وأقاربها: بشار وزوجته وأطفالهما ليان (14 عاماً) ورغد (13 عاماً) ومحمد (11 عاماً)، وكذلك على جثمانَي المسعفَين، وقد فارقوا الحياة جميعاً.
فوز “صوت هند رجب” لم يكن خارجاً عن السياق. سبقه انتصار آخر للدماء الفلسطينية على وسائل التواصل الاجتماعي. تقول الأرقام والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي إن عدد المؤثرين الذين “يتعاطفون” مع الشعب الفلسطيني في غزة يزداد بشكل يومي. كثير من الفنانين العالميين أعلنوا صراحة عن موقفهم الرافض لاستمرار حرب الإبادة ضد القطاع المحاصر، أضف إلى عشرات المؤثرين عبر العالم الذين يرفعون الصوت اليوم ضد الإبادة والتجويع، ويحملون مسؤولية الجريمة لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكل الحكومات الغربية التي لا تزال تدعمه. احتجاجات الجامعات الأمريكية والعالمية كانت نموذجاً ومؤشراً إلى تغير المزاج العام لدى أوساط الشباب في العالم تجاه الدعاية الإسرائيلية.
أكثر من ذلك. بعد اتضاح حقيقة المجازر الإسرائيلية ضد الأبرياء في غزة، أطلق جمهور مستخدمي وسائل التواصل في الغرب حملة لمقاطعة المؤثرين الذين لا يزالون يدافعون عن “إسرائيل” أو يتبنون روايتها في تبرير المجازر. الحملة انتقلت إلى الوطن العربي أيضاً، وشهدت حسابات عدد من “المؤثرين” تراجعاً في أعداد المتابعين لأنهم يتجاهلون المذبحة في غزة.
الأهم أن هذا التغير لا يطال الادعاءات الإسرائيلية حول السابع من أكتوبر 2023، وأسباب بدء العدوان على غزة. المتظاهرون اليوم في شوارع المدن الغربية وأروقة الجامعات وعلى منصات التكريم وشاشات التلفزة، وتحت قبب البرلمانات العالمية، جميعهم يتحدثون بكلمات بسيطة ولكنها معبرة وبليغة عن جذور الصراع مع هذا الاحتلال. “FROM THE RIVER TO THE SEA.. PALESTINE WILL BE FREE” ليست عبارة عابرة يقولها أي كان كرد فعل على حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة. هناك من بحث وقرأ عن القضية، ووصل إلى خلاصاته البعيدة عن البروباغندا الإسرائيلية الغربية التي سيقت للعالم كـ “مسلَّمات”.
ولكي نفهم حجم الخسارة الإسرائيلية في هذه الساحة من المعركة متعددة الأوجه، يكفي أن نعرف حجم الإنفاق الإسرائيلي على نشر الدعاية الصهيونية في العالم. تخصص الميزانية العامة الإسرائيلية لعام 2025 مبلغ 545 مليون شيكل (نحو 152 مليون دولار) لما تسميه تل أبيب “الديبلوماسية العامة”، ومنها أنشطة: التعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية، وإدارة السرد الإعلامي، والحملات على منصات التواصل، والإعلانات المدفوعة على شبكات كبرى، والفعاليات والمؤتمرات وغيرها، والهدف واضح.
أحدث التقارير الإعلامية نشره موقع “دروب سايت” ويفيد بأن “شركة غوغل أبرمت عقداً دعائياً بقيمة 45 مليون دولار مع مكتب نتنياهو لدعم الحملة الدعائية الإسرائيلية عبر منصاتها، خصوصا يوتيوب ومنصات الإعلانات الرقمية” والترويج لعدم وجود مجاعة في غزة. العقد بدأ في أواخر حزيران/ يونيو 2025 ويمتد لمدة ستة أشهر، ويندرج ضمن حملة أوسع تبلغ قيمتها نحو 52 مليون دولار وتشمل شركات أخرى مثل منصتَي “إكس” و”يوتيوب”.
التوثيق السابق يعتمد على العام الحالي فقط، وعلى ما تم الإعلان عنه رسميا. لا توجد أرقام حقيقية للمبالغ التي دفعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في إطار ترسيخ السردية الإسرائيلية لكل ما يجري في فلسطين، لكن المؤشرات تحدثت عن أرقام هائلة جداً تُدفع سنوياً للشركات المُشغلة لوسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، ولسياسيين غربيين، ومؤخراً لمؤثرين على الفضاء الافتراضي، كي يتبنوا السردية الإسرائيلية ويدافعوا عن الاحتلال على وسائل الإعلام والتواصل وفي المنابر السياسية الدولية.
“صوت هند رجب” ليس الفيلم الفلسطيني الأول الذي يقدم السردية الحقيقية لما يجري في فلسطين ويصل إلى منصات التتويج العالمية. عام 2005 نال فيلم “الجنة الآن” للمخرج هاني أسعد بجائزة في مهرجان “غولدن غلوب” ومهرجان برلين للسينما العالمية وجائزة الفيلم الأوروبي، كما ترشح لجائزة “أوسكار” أفضل فيلم أجنبي، كما ترشح فيلمه “عمر” أيضاً لجائزة “أوسكار” عام 2013. فاز فيلم “ذبذبات من غزة” للمخرجة رحاب نزال بجائزة أفضل فيلم في مهرجان لندن السينمائي عام 2024، كما نال وثائقي “لا أرض أخرى” أوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل عام 2025. لكن أياً من تلك الأفلام لم يكن بصدق وواقعية “صوت هند رجب”، لهذا كان التصفيق الحار والطويل لفوز الفيلم رسالة مهمة جداً تؤكد أن سردية إسرائيل برمتها سقطت مرة واحدة وإلى الأبد أمام دماء أطفال فلسطين.
استشهدت هند وأقاربها، لكن صوتها وصل، وأصبح رمزاً لقضية عمرها أبعد من سنتَي الإبادة الأخيرتَين بكثير. جائزة “الأسد الفضي” للجنة التحكيم الكبرى (ثاني أكبر جائزة في مهرجان البندقية السينمائي) ليست مجرد حدث عابر، إنها مؤشر مهم على أن آلة الدعاية الإسرائيلية تخسر في معركة الوعي أمام إدراك العالم مدى وحشية هذا الاحتلال وتماديه في ضرب كل القرارات الدولية والقيم الإنسانية عرض الحائط. استشهدت هند لكنها تحولت إلى صوت فلسطين كلها، تصرخ في وجه العالم بأسره أن أنقذوا أنفسكم أولاً من غياب الإنسانية، أنقذوا ما بقي من قيمكم وأخلاقكم ومستقبلكم. صوت هند ولسان حالها يقول: “إن كان قاتلي سينجو من جريمته.. فاستعدوا جميعاً لمكالمتكم الأخيرة مع هذا العالم.. قبل أن يسيطر عليه الشر والموت والخراب.. إذا لم ينجُ قاتلي وهذه مسؤوليتكم.. فإني وكل أطفال فلسطين.. كل أطفال العالم لن نموت فعلاً.. بل سنحيا كزيتون هذه البلاد العصية على الانكسار”….. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.





