في لحظة فارقة من تاريخ التعاون الدولي، حيث تتسارع إيقاعات الشراكات العالمية وتتجدد روابط الأخوّة بين الأمم، أتوجّه إليكم بكل الامتنان والتقدير لزيارتكم التاريخية إلى مدينة طولكرم قبل أربعة أشهر، تلك الزيارة، التي حملت في طيّاتها رسائل الأمل والتعاون، كانت منارةً تُضيء طريق الشراكة الإستراتيجية بين شعبنا الفلسطيني والشعب الصيني الشقيق، الذي يجسّد نموذجاً فريداً للصمود والإبداع في مواجهة التحديات العالمية، ولم تكن هذه الزيارة مجرّد لقاء دبلوماسي، بل تعبيراً حيّاً عن عمق العلاقات الروحية والتاريخية التي تجمع شعبينا، ورسالة واضحة للعالم بأهمية التضامن الدولي في بناء مستقبل مشترك يقوم على العدالة والتنمية.
لقد شكّلت تلك الخطوة الدبلوماسية الجريئة انعكاساً لعمق الرؤية الاستراتيجية لقيادتكم الحكيمة، وتتويجاً لعلاقات تاريخية قائمة على مبادئ العدالة الدولية وحق تقرير المصير، ونرى في زيارتكم فرصة حقيقية لتعزيز التعاون الثنائي، ولا سيما في المجالات الاقتصادية والثقافية، التي تفتح آفاقاً واعدة للتنمية المستدامة في طولكرم وفلسطين كافة.
كانت زيارتكم نسمة أملٍ جدّدت في نفوسنا الإيمان بأن العالم لم ينسَنا، وأن أصدقاءنا في الصين يقفون إلى جانبنا بصدق وإخلاص. لم تكن زيارةً رسمية فحسب، بل لحظة إنسانية عميقة تحمل في طيّاتها دموع الفرح والشكر لشعب يمدّ يد العون بلا تردّد، مما يعزّز من روابط الأخوّة والتضامن التي تتجاوز حدود الجغرافيا.
وبالرغم من عالمٍ تتشابك فيه المصالح وتتغيّر فيه المواقف، تبقى العلاقة بين جمهورية الصين الشعبية ودولة فلسطين مثالاً بارزاً على الثبات الأخلاقي والتضامن الإنساني، فمنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، وقفت الصين إلى جانب الحق الفلسطيني، معتبرةً أن القضية الفلسطينية ليست مجرّد شأنٍ إقليمي، بل قضية إنسانية عالمية تستحق الدعم والمساندة.
لقد تجلّى دعم الصين، قيادةً وشعباً، لفلسطين عبر مواقف سياسية واضحة ومساعدات إنسانية متواصلة، ولم يكن هذا الدعم يوماً مشروطاً أو انتقائياً، بل انطلق من رؤية صينية ترى في العدالة أساساً للاستقرار، وفي احترام حقوق الشعوب طريقاً نحو السلام الحقيقي.
وفي السنوات الأخيرة، ترسّخ هذا الموقف من خلال سلسلة من المبادرات الإنسانية التي قدّمتها الصين للشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة الذي يواجه ظروفاً إنسانية قاسية، فقد أعلنت الحكومة الصينية عن تقديم مساعدات طارئة عبر وكالة التعاون الدولي للتنمية، شملت مواد غذائية وطبية، إضافة إلى دعم مالي مباشر لوكالة الأونروا، لتعزيز قدرتها على تلبية الاحتياجات المتزايدة للاجئين الفلسطينيين، كما خصّصت الصين مساعدات إضافية بقيمة ثلاثة ملايين دولار لدعم الخدمات الصحية والغذائية في غزة، في وقت تحوّلت فيه منشآت الأونروا إلى ملاجئ للنازحين، وهذه المبادرات تعكس التزاماً عملياً يتجاوز الخطاب السياسي، حيث تتحوّل المبادئ إلى أفعال ملموسة.
ولم يقتصر الدعم الصيني على الجانب الإغاثي فحسب، بل شمل أيضاً برامج تدريبية ومبادرات تعليمية وتبادلات ثقافية تهدف إلى تمكين الشباب الفلسطيني وتعزيز قدراتهم في مختلف المجالات، وهذا النوع من الدعم يعكس فهماً عميقاً للتحديات التي يواجهها الفلسطينيون، ويؤكد أن الصين لا تكتفي بالتعاطف، بل تسعى إلى بناء مستقبل مشترك يقوم على التنمية والاحترام المتبادل.
إن الموقف الصيني من القضية الفلسطينية يكتسب أهمية خاصة في ظل التحوّلات الدولية الراهنة، حيث تسعى الصين إلى لعب دور فعّال في تعزيز السلام العالمي من خلال دعم القضايا العادلة، وفي مقدّمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا الموقف ينطلق من رؤية استراتيجية ترى في العدالة أساساً للاستقرار، وفي احترام حقوق الشعوب ضمانةً للسلام، وبينما تتبدّل مواقف بعض القوى الدولية، تظل الصين ثابتة في دعمها، حاضرة في الميدان، ومؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية قولاً وفعلاً.
ختاماً، فإن العلاقات الصينية الفلسطينية ليست مجرّد علاقات دبلوماسية، بل شراكة إنسانية وأخلاقية تتجدد مع كل موقف، وتترسخ مع كل مبادرة، وفي هذا السياق، تظل الصين نموذجاً للدولة التي تجمع بين القوة والمسؤولية، وتقدّم دعماً حقيقياً لشعبٍ يناضل من أجل الحرية والكرامة.





