الأحد, يناير 25, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءتساؤلات حول ظاهرة «أبو شباب» الكاتب: عامر بدران

تساؤلات حول ظاهرة «أبو شباب» الكاتب: عامر بدران

بعد هدم جدار برلين في العام 1989 بين ألمانيا الشرقية، الشيوعية آنذاك، وألمانيا الغربية، المنتمية إلى المعسكر الغربي الرأسمالي، صار واضحاً أن التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي والبلدان التابعة له، تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن الإمبريالية الغربية تنتصر دون أن تضطر لإطلاق نار بنادقها أو قذائف دباباتها، ودون أن تدفع ثمناً بشرياً أو اقتصادياً مقابل انتصارها.
مقالات كثيرة ودراسات مطوّلة وتحليلات أكثر من الهم على القلب تم إنتاجها وصياغتها، تارة بأدوات علمية، وتارة بعواطف جياشة، تنكر هذا الانتصار مرة وتبرره مرة أخرى.
منها ما اعتبر ذلك تعثراً مؤقتاً كخسارة جولة من السباق وأن المعركة لم تنتهِ بعد، ومنها ما اعترف بالخسارة وأحالها إلى أسباب لا تمت للحقيقة بصلة، ومنها ما كان متزناً وصادقاً، وحاول أن يستشرف المستقبل، وأن يبني خططه على المتطلبات التي يفرضها في سيرورة تطوره، أي بالنظر إلى الأمام لا إلى الخلف.
إحدى أهم الظواهر التي لم تحظَ بدراسة كافية، ولا بمقالات وفيرة في تلك الأيام، هي ردة فعل المهزوم أو الذي كان على وشك الهزيمة، وأدوات تعبيره التي استخدمها لمنع هذه الهزيمة أو تأخيرها وتقليل خسائرها قدر الإمكان.
أقصد بذلك الشيوعيين السوفيات وأقرانهم من دول المعسكر الاشتراكي، وخصوصاً ذلك الجيل الذي كانت له اليد الطولى والحصة الأكبر في بناء هذا النموذج والحفاظ عليه واستمراريته عدة عقود، أي كبار السن من الشيوعيين.
لسنا بصدد تحليل الأسباب التي جعلت كبار السن يرفضون التغيير، فالأمر قد يتعلق بالإحساس لدى كل واحد منهم أن ما يحدث وما سينتج عنه هو خسارة شخصية قبل أن تكون عامة، فأولاً وتالياً هذا هو نموذجهم الذي أسسوه وصانوه بفكرهم وجهدهم هم، وليس بفكر وتعب هذا الجيل الجديد الذي يطالب بالتغيير، وقد يتعلق الأمر بحقيقة أن المسن يصبح في لحظة ما من عمره محافظاً لا يستطيع أن يغامر بحاضره الرتيب، ولو كان بائساً، لصالح مستقبل غير مضمون ولا معروف الملامح.
كل ما يعنينا هنا هو ردة فعلهم، والطريقة التي عبروا بها عن رفضهم لما كان يحدث في بلادهم من إضرابات واعتصامات، ومظاهرات يومية غايتها إسقاط السلطة المتمثلة في حكم الحزب الشيوعي، لصالح انتخابات «ديمقراطية» حسب النموذج الغربي.
لقد خرجوا هم أيضاً في مظاهرات مشابهة تأييداً للحكم الشيوعي، لكنهم لم يرفعوا صور ماركس أو لينين، أو حتى بريجينيف أو خروتشوف، بل اختاروا صورة ستالين، الأبعد تماماً عن فكرهم وفهمهم للماركسية، على الأقل في تلك الحقبة، ليرفعوها في وجه المطالبين بالنموذج الغربي.
فجأة نسي هؤلاء كل انتقاداتهم لدكتاتورية ستالين، وتجاوزوا كل ما يُتهم به من قتل وقمع حريات، وتذكروا أنه هو من وطد دعائم الدولة والحكم، وهو من انتصر على النازية وجيشها القادم من الغرب، فاستدعوه من قبره ليكون شعاراً لهم في رفضهم «للديمقراطية الغربية».
هل فعلاً نسوا ذلك وتجاوزوه؟ ليس تماماً، بل لعل هذه هي الأسباب الحقيقية لاتخاذه رمزاً من قِبلهم.
ففي أوقات الانقلاب الشامل، أو التغيير القاسي، أو حتى في مواجهة جماعة متطرفة أو جار مجرم، سواء على المستوى الجمعي أو الفردي، يلجأ الإنسان إلى النقيض التام لا إلى الخيار العقلاني المدروس. فالتطرف يواجه بالتطرف، واليأس يواجه بالانتحار، والخيانة بالخيانة، والفراغ بالموجود القادر على ملئه، لا بانتظار الأفضل لملئه.
هذا حصل ويحصل في بقاع من الأرض ودول وأنظمة راسخة ومتطورة، وفي أماكن نالت نصيبها من الثقافة والتعليم المعياريين، والمعممين على الجميع من سلطات سياسية تهمها مجتمعاتها لأنها ذخرها وحاضنتها الحقيقية.
فما بالك بأماكن يسيطر عليها ويحكمها منطق العصابة، بما يخلقه من علاقات مشوّهة بين الحاكم والمحكوم.
علاقات قائمة على صلة الدم واحتواء الأيديولوجيا، ونفي الآخر المختلف وإقصاء المعارضين وتخوينهم.
ماذا ننتظر حين تكون المحاسبة غائبة، وحين تتم الاستعاضة عن صوت الشعب ومطالبه بتعليمات الغيب وأوامره ونواهيه.
وماذا نتوقع حين يتم التطبيع مع مصطلحات مثل الخيانة والعمالة وجعلهما متداولين، بل ومفروضين، بديلاً عن الثقافة والتعليم، من السلطة الحاكمة والمتحكمة برقاب الناس، واستخدامهما مع كل من يعارضها.
ياسر أبو شباب خائن، لا جدال في ذلك، وهو كان سيلقى مصيره المحتوم سواء على أيدي أفراد من جماعته، أو من قبيلته، أو على أيدي أفراد من حماس أو غيرها من الفصائل، أو كان سيخرج له شاب غاضب ورافض له ولظاهرته من أبناء غزة الوطنيين غير المنتمين إلا لفلسطين وتاريخ وشعب فلسطين.
وحتى لو لم يحصل ذلك فإن الاحتمال كان دوماً قائماً بأن تتخلص منه إسرائيل حين ينتهي دوره المرسوم له في مرحلة ما، أو حين تجد من يساعدها على تحقيق أهدافها بكفاءة أكثر منه ومن جماعته، وأغلب الظن أن هذا هو ما حصل فعلاً.
لكن مع هذا المصير المحتوم، لا يجب علينا أن نطمئن ونكتفي بالفرح، بقدر ما علينا أن نجيب عن الأسئلة التي تطرحها هذه الظاهرة ونواجهها بصدق وشجاعة:
لماذا لم يظهر على مدار تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، هذا الشكل من العمالة العلنية والتي يتم التفاخر بها، المسلحة بشكل علني، والمنسقة مع العدو بصورة لا تقبل الشك، والتي توجه سلاحها ضد ما يُفترض، أو من يسمون أنفسهم حركة تحرير.
كيف تم إسقاط كل القيم الشريفة التي تربى عليها الشعب الفلسطيني في مسار قضيته، وما الذي ساهمت به هذه الحرب وكيف، بحيث أننا لسنا أمام خائن باع نفسه من أجل المال أو من أجل التبجح بسيارة جديدة أمام أهل قريته، بل أمام ظاهرة لعب فيها صراع النجاة دوراً لا يقل أهمية عن عوامل كثيرة كالطمع أو الجهل أو الجبن أو كراهية الوطن، خصوصاً إن فكّرنا بالذين لجؤوا إلى المناطق التي يسيطر عليها أبو شباب وانتموا لمجموعته.
أبو شباب وأمثاله نتوء شاذ في مسيرة التحرر الفلسطينية، وعلينا أن نثق دوماً أن الشعب الفلسطيني لن يتسامح مع هذا النوع من الشذوذ، لكن علينا أن نعترف أيضاً، أن المتسبب بهذه الظاهرة لا يقل شذوذاً عن تقاليد العمل الوطني، والتسامح معه سيولّد المزيد.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب