قضايا الأخلاق في السياسة ليست شأناً ثانوياً، والفضائح من قبيل الصدفة أو الاكتشافات الصحافية، أضحت سلاحاً محكماً في الحرب على النظام القديم، فما فائدة نظام لا يحكمه قانون، ويُشيع فيه الفساد الأخلاقي وينهار احترام حقوق الإنسان؟ في حين هي معيارً كاشفً لطبيعة المشاريع التي تحكم العالم وتوجّه مساراته.
فضيحة جيفري إبستين ليست حادثة منعزلة، بل هي الوجه الأكثر فضحاً لنظام عالمي فاسد بلغ مرحلة الانهيار من الداخل. وتُعدّ واحدة من أكثر القضايا فجاجة في كشف التناقض العميق بين الخطاب الغربي المعلن حول الحريات وحقوق الإنسان، وبين الممارسة الفعلية لمنظومة تحمي الجريمة حين يكون مرتكبوها من أصحاب النفوذ، فهذه المنظومة، التي تسيطر على السلطة والمال والمصارف الدولية، تخلّت عن كلّ قانون وأخلاق، وأصبح حكمها مجرد “شريعة غاب”. وهو ما نراه اليوم من قادة أمريكا وأوروبا ونخبهما متورّطون بفظائع تتعلق بالإتجار بالأطفال واغتصابهم وتعذيبهم وقتلهم لتظهر بحقيقتها المُرّة، خلاف شعاراتها الكاذبة التي باتت تسقط يوماً بعد آخر، بما يخص حقوق الإنسان وغيرها.
ولأن الهدف المعلن هو “إسرائيل الكبرى” عاصمة للحكومة العالمية وهذا ليس سرا بعد توسعها وسيطرتها على المنطقة، والتأكيد للعالم أنها المسؤولة عن جرائم وفظائع الشذوذ، وعن انتهاكات بحق الطفولة، واستدراج قيادات ونخب أميركية واوروبية ورؤساء وابتزازهم ليكونوا أداة طوعية لمشروع الكيان الصهيوني على مستوى العالم والمنطقة , وبالتالي تحقق هذا الحلم الشيطاني الجديد من خلال السيطرة المطلقة على ثروات المنطقة وممراتها الاستراتيجية، لضمان السيطرة على العالم ,وازالة ما يُنظر إليه على أنه تهديدات حقيقية، المتمثلة بالقيَم الأخلاقية الفطرية والإيمان، واضعاف او إنهاء ايّ أمل في تأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب وتصوير الصراع على حقيقته، حرب دينية، وهذا ما يفسّر صراحة التصريحات المتكررة لقادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، التي تؤكد أنّ المعركة هي معركة عقائدية في جوهرها.
يأتي هذا بالتزامن مع ما أظهرته تحليلات استخبارية عديدة وشهادات (كشهادة الضابط السابق آري بن مناشي) أنّ شبكة إبستين ـ ماكسويل كانت أداة متطورة للموساد الإسرائيلي. فلم تكن جزيرة الموتى مجرد ” منتجع فاحش”، بل مصنعاً لابتزازّ شخصيات سياسية ومالية وعلمية عالمية تهدف الى ضمان ولاء صناع القرار في الغرب للمشروع الصهيوني، عن طريق خوفهم من فضح فسادهم. كما تكشف هذه الآلية البُعد الجيوسياسي الأعمق للفضيحة: أي إن الإفساد الأخلاقي المنظم كان سلاحاً استخبارياً استُخدم في معركة “العلوّ الكبير” إنه توظيف للرذيلة لتحقيق الهيمنة السياسية.
هذه المنظومة التي ترفع راية الحرية وحقوق الإنسان، بدت عاجزة أو غير راغبة في محاسبة نخبتها. فالحرية هنا لا تُفهَم كقيمة إنسانية جامعة، بل امتياز طبقي نفوذي، يتاح للأقوياء حتى لو كان ثمنه انتهاك الأضعف. أما القانون، فيتحوّل من أداة عدالة إلى أداة انتقائية، تفعّل سياسياً وتجمّد أخلاقيا فالمجرم لا يُعاقَب، بل يُعاد تدويره كشخصية نافذة، تُفتح له المنابر، وتُغلق في وجه ضحاياه أبواب القضاء. وهكذا يُدفع الأبرياء، ولا سيّما الأطفال، إلى الهاوية، فيما يُغتفر للجناة وخاصة عندما تتحوّل وظيفة أصحاب الثروات من الاستثمار إلى الاستغلال، ومن النفوذ إلى السيطرة، فيُفتح الباب أمام انتهاكات فظيعة تسحق ضحاياها عجلة الجريمة المنظّمة.
قضية إبستين تكشف أنّ ما يُقدَّم للعالم كنموذج أعلى للحريات قد انحرف إلى نموذج يحمي الفساد إذا كان مرتكبوه من الداخل، بينما يصدّر خطاب الوعظ الأخلاقي إلى الخارج. وفي زمن تتساقط فيه الأقنعة يظهر جوهر الصراع بين منظومتين: إحداهما تستهلك الإنسان وتستغبيه بشعارات رنانة مزيفة (الحرية الغربية)، والأخرى ترفع قيمة الإنسان لتراه المخلوق الأسمى من خلال الفكر الحضاري لحريته الحقيقية…
ان كشف هذه الفضائح يتم لتحقيق غرضين: أولاً، إقناع الجماهير بأن النظام القائم فاسد ولا يصلح، وثانياً، تصفية الخصوم الضعفاء داخله، لتخلو الساحة للقوة الوحيدة القادرة على فرض النظام الجديد أي المنظومة العميقة ذاتها التي تمتلك السلطة الحقيقية عبر الهجوم على الهوية وتفكيك المجتمعات تمهيدا للسيطرة وبالتالي تستخدم الفضائح نفسها كأداة تفجير من الداخل، لنسف ما تبقى من شرعية، وتمهيد الطريق لمشروع جديد تماماً إقامة “حكومة الشيطان” العالمية عبر الضربة القاضية للأنظمة البائدة.
وللتأكيد بان المجتمعات الصامتة، اليائسة أو المتواطئة، فهي أبعد براءة من المعادلة. لكون الصمت شراكة، والتبريرات مشاركة في الجريمة، لأنها تمنَح الفاسدين شرعية الاستمرار بدل من مواجهتها. وبهذا تنقلب الجريمة على من صفّقوا لها، ليصبحوا بدورهم فريسةً سهلة في يد جلاديهم ويقفل الباب على حقبة سوداء من التاريخ المعاصر بعد غياب المحاسبة على كل من يمثل إبستين في إجرامه، أمثال قادة الاحتلال الصهيوني وعلى رأسهم نتنياهو الذي يشكل نموذجاً أكثر اجراما.
ما نشهده اليوم دليل صارخ على تواطؤ المال والنفوذ، وعلى هشاشة عدالة يُغرقنا حكّامها بشعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، فيما تُرتكب الجرائم برعاية منظومة تعرف جيداً كيف تشتري الصمت وتستبيح القيم وتقتل الانسانية.
فضيحة إبستين مجرد أدوات كشف وتفجير، والحرب التي نشهدها ليست ً على “الإرهاب” او من أجل ” الديمقراطية”، إنها الحرب الأخيرة لنظام عالمي فاسد يلفظ أنفاسه، ويهدف إنشاء نظام شيطاني عالمي، يقوده أتباع مشيطنة من عاصمتهم يريد مشروع الاستعباد العالمي الجديد اقامتها في قلب المنطقة العربية.





