السبت, مارس 7, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءطموحات الصهيونية على لسان ممثل ترامب.. رأي شخصي أم كشف لمشروع أمريكي؟...

طموحات الصهيونية على لسان ممثل ترامب.. رأي شخصي أم كشف لمشروع أمريكي؟ بقلم: خليل حمد

أعاد السفير الأمريكي في تل أبيب تجربة “وعد بلفور” بصيغة جديدة، وكشف أن “صفقة القرن” الترامبية لم تمت وإن تراجع الحديث عنها. كلمات واضحة قالها السفير مايك هاكابي في مقابلة له مع المذيع الأمريكي الشهير تاكر كارلسون: سيكون من الجيد إذا استولت “إسرائيل” على كل الأراضي التي “أعطاها إياها الرب” وفقاً للمزاعم التوراتية. هذه الأراضي التي تشمل وفقاً لقناعات هاكابي الإيمانية: فلسطين التاريخية بالكامل، وسورية والأردن ولبنان، وأجزاء واسعة من كل من مصر والسعودية والعراق وتركيا! وهي المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل.

ليست المرة الأولى التي يطلق فيها هاكابي هذه التصريحات، وإن كانت أكثر وضوحاً هذه المرة. في نيسان/ أبريل من العام 2023، قبل عامين من تعيينه سفيراً لواشنطن في تل أبيب، أطلق تصريحات مشابهة مع نفس المذيع، معتبراً أن موضوع “أحقية إسرائيل بأراضي فلسطين التاريخية كلها” ليست مجرد موضوع سياسي، بل هي “أمر توراتي”. تكرار التصريح خلال سنوات ثلاث يعني أن لا أحد في إدارة دونالد ترامب معترض على هذا الفهم.

صحيح أن هذا السفير ينتمي إلى المذهب البروتستانتي (الذي يمثل قمة الصهيونية المسيحية)، لكن موقعه الديبلوماسي كممثل لسياسات بلاده يقتضي أن لا يتحدث بقناعاته الشخصية، بل باستراتيجيات إدارته، إن لم تقل بإيديولوجية الدولة الأمريكية العميقة، لكون الموضوع المطروح يمس جوهر الرؤية الأمريكية للمنطقة. وعليه فإن السؤال الواجب هنا: هل “صفقة القرن” التي زعم ترامب بموجبها أن القدس عاصمة “أبدية لإسرائيل”، ومنح وفقها الجولان العربي السوري للاحتلال الإسرائيلي، هل هي وليدة لحظة تاريخية أو ولاية رئاسية أولى لدونالد ترامب، أم أنها استراتيجية أمريكية وضعتها الدولة العميقة وتعمل على تنفيذها في العلن تارة وفي الخفاء تارة أخرى؟

أكثر من ذلك، في تصريحاته التي تم بثها يوم الجمعة 20 شباط/ فبراير 2026، استخدم هاكابي ضمير “نا” المرتبط بالفاعلين (في اللغة العربية) في معرض إجابته على استفسارات كارلسون حول زعم الصهيونية أن “أرض الميعاد” تعني ابتلاع دول بأكملها في المنطقة وتغيير خريطة الشرق الأوسط بأكملها. قال السفير بوضوح: “لست متأكداً أننا سنذهب إلى هذا الحد، ستكون قطعة كبيرة من الأرض”. يتبنى الرجل فعلياً مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يسعى لتحقيقه تيار واسع في حكومة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.

المقاربة الدينية للصراع في المنطقة تعني فيما تعنيه أن أبواب الحلول مغلقة في الأفق الإسرائيلي، وربما الأمريكي. مَن الذي يُمكن أن يُفاوض على “حق تاريخي” مزعوم؟ وعليه فإن عدم صدور نفي رسمي وواضح من قبل البيت الأبيض لهذه التصريحات، يضع الإدارة الأمريكية في خانة الرضى والقبول بالمضمون الذي تحدث به سفيرها. في ذات السياق فإن التوضيح الذي أصدرته السفارة الأمريكية لدى “إسرائيل” بأن تصريحات هاكابي “أُخرجت من سياقها”، وأنه “لا يوجد أي تغيير في سياسات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل”، يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة هذه السياسات!

لنلقِ نظرة أوسع على المشهد: مطلع العام 2026، قررت حكومة الاحتلال الإسرائيلي ضرب أبرز نقاط الاستناد التي وضعتها اتفاقيات “أوسلو”، عن طريق توسيع صلاحيات الإدارة والتسجيل العقاري أو إعادة تصنيف بعض الأراضي في المناطق (أ) و(ب) و(ج)، ما يغير واقعياً الوضع القانوني لهذه المناطق عبر بسط سيطرة إسرائيلية مباشرة داخل مناطق السلطةالوطتية الفلسطينية.

في المشهد أيضاً رفض أمريكي خجول لهذه القرارات، اقتصر على تكرار الحديث عن أهمية “استقرار الأوضاع في الضفة”، دون أن تتخذ واشنطن خطوات عملية لوقف تلك الإجراءات أو استخدام أدوات ضغط فعّالة لإجبار “إسرائيل” على التراجع عنها. بعض المسؤولين في الخارجية الأمريكية أجروا اتصالات هاتفية مع عواصم عربية عديدة لـ “تهدئة الأوضاع” بعد تصريحات هاكابي قائلين أنها “تعكس آراءه الشخصية ولا يمثل تحولا في سياسة الإدارة الأميركية”. لكن الاتصال بعيداً عن الإعلام دون الرفض الحاسم والرادع لهذه التصريحات هو أسلوب يمكن تفسيره على أنه قبول ضمني بهذا الاعتداء الموصوف على القانون الدولي.

في خلفية المشهد أيضاً الإصرار الأمريكي على إبعاد السلطة الوطنية الفلسطينية عن ملف إدارة الأوضاع في قطاع غزة ما بعد انتهاء حرب الإبادة الإسرائيلية، وكأن المطلوب هو إنهاء السلطة أو إضعافها في أبسط الأحوال. يُمكن أن يُضاف إلى ذلك الصمت الأمريكي على كل الضغوط الإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية. ذروه الحبكة الدرامية كانت تصريحات هاكابي.

 

سياق الأحداث يُمكن أن يُقرأ وكأنه إعلان عن استراتيجية واشنطن الخفية، أكثر من كونه مجرَّد “زلة لسان”.

وللتذكير، هذه المرة اقترنت التصريحات بالمنصب الديبلوماسي للسفير، ما أثار موجة استهجان ورفض عربية وإسلامية واسعة. نبَّهت السلطة الوطنية الفلسطينية إلى تناقض تصريحات هاكابي مع موقف ترامب المعلن في رفض ضم الضفة الغربية المحتلة، فيما رأت السعودية في التصريحات “سابقة خطيرة”، وطالبت الولايات المتحدة بإيضاح موقفها، من تصريحات سفيرها لدى “إسرائيل”، واعتبر الأردن كلام هاكابي “مساساً بسيادة دول المنطقة”، كما أكدت مصر أن “لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية”.

لكن المطلوب ربما أكبر من مجرد بيان إدانة أو استنكار، أو “طلب توضيح رسمي من واشنطن” على تصريحات سفيرها. المطلوب ربما أن تقرع جميع الدول التي تم ذكرها، وهي بالمناسبة ثلث الدول العربية، ناقوس الخطر، وأن تتخذ خطوات فعلية لمواجهة المطامع الإسرائيلية بأرضها وخيراتها. خطوات من الأفضل ربما أن تكون بدايتها بدعم السلطة الوطنية الفلسطينية في مواجهة كل الاستهدافات الممنهجة التي تتعرض لها، ومن ثم توحيد الكلمة والموقف برفض أي حوار مع واشنطن قبل السير فعلياً في خطوات إقامة الدولة الفلسطينية وفق القوانين الدولية، واستخدام كل وسائل الضغط، من نفط وعلاقات اقتصادية وسياسية، كي يتم إجبار واشنطن على اتخاذ هذه الإجراءات.

عدا عن ذلك، فإن كل الدول في المنطقة، سواء تم الحديث عن سرقة أرضها أم لا، ستكون في دائرة خطر الهيمنة الإسرائيلية، ذلك أن تغيير خريطة الشرق الأوسط وفقاً للرؤية الصهيونية سيطال تأثيره دول المنطقة، التي لن تبقى في مأمن طالما أنها تعيش بجوار الغول الذي يستعد لابتلاع أي شيء.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب