الثلاثاء, مايو 5, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراء"محاولة اغتيال" في البيت الأبيض.. هل ينجح ترامب في ترميم شعبيته؟ ...

“محاولة اغتيال” في البيت الأبيض.. هل ينجح ترامب في ترميم شعبيته؟ بقلم : خليل حمد

 

في “مصادفة” غريبة، تعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمحاولة اغتيال في حفل عشاء أقامته جمعية مراسلي البيت الأبيض!! المصادفة هنا أنها ثالث “محاولة اغتيال” فاشلة لترامب تمت بحضور مئات من الصحفيين والمشاهير والسياسيين، تحولوا إلى “شهود عيان” لصالح رواية البيت الأبيض.

الرواية الرسمية تحدثت عن اجتماعات ستُعقد لأجل “ضمان أمن الرئيس” وألقت باللوم على ما وصفته بـ “الخطاب السياسي ​المشحون” الذي أدى إلى “تهيئة بيئة قد تدفع البعض إلى مهاجمة الرئيس”. استغلال واضح لـ “محاولة الاغتيال” في خضم المعركة السياسية التي يخوضها ترامب قبيل نحو 6 أشهر من انتخابات التجديد النصفي، وفي ظل أزمات داخلية كبيرة تعيشها إدارة الرئيس الأمريكي جراء الحرب على إيران وانعكاساتها على الواقع المعيشي للمواطن الأمريكي.

الاستغلال الأوضح للحادثة جاء في تصريحات دونالد ترامب شخصياً، عندما ربط بين “إطلاق النار” و”مواصلة الحرب على إيران” رغم أنه “غير متأكد من ارتباط الملفين أو من دوافع المشتبه به”! ترامب واستخباراته لم يتمكنوا من حسم هذه النقطة تحديداً (ربما لأنها الأفضل في الاستثمار الداخلي)، ولكنهم حسموا بالمقابل أن المشتبه به “ذئب منفرد” على حد وصف ترامب. يمكن قراءة هذا التناقض على أن البيت الأبيض لا يريد للقضية أن تأخذ حجماً أكبر من المطلوب: كسب تعاطف الشارع الأمريكي مع الرئيس الذي “يتعرض باستمرار لمحاولات اغتيال”، دون الإشاعة بأن الأمن في أمريكا أصبح مهدداً بشكل خطير.

التحليل السابق ليس شخصياً، بل إن “نظرية المؤامرة” التي تلف “محاولة الاغتيال” غزت مواقع التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، وفي تفاصيلها أن البيت الأبيض دبر حادثة إطلاق النار لصرف الانتباه عن قضايا هامة مثل الحرب ضدّ إيران، التي تلقى معارضة على المستوى الشعبي. منشورات حصدت 80 مليون مشاهدة على منصة إكس خلال يومين من وقوع الحادث.

حملة التشكيك بصحة الرواية الرسمية في هذه الحادثة تقاطعت مع ترويج سابق قبل أسابيع قام به ناشطون ومؤثرون من حركة “Make America Great Again ماغا” لنظرية مؤامرة تقول إن محاولة اغتيال ترامب في بنسلفانيا إبان حملته الانتخابية كانت مدبّرة. وقعت الحادثة تلك في 13 تموز/ يوليو 2024، وأسفرت عن إصابة طفيفة لترامب في أذنه اليمنى. الأهم في هذا الترويج أن القائمين عليه هم من حركة “ماغا” التي تُعتبر بمثابة القاعدة الشعبية الأبرز لترامب، وهذا يدلل على حجم الشرخ الذي يتعمَّق بين ترامب وجمهوره جراء سياساته التي يخالف فيها كل وعوده الانتخابية. (المحاولة الثانية وقعت في 15 أيلول/ سبتمبر 2024 أيضاً قبيل الانتخابات الرئاسية التي أدت إلى عودة ترامب إلى البيت الأبيض في الولاية الثانية).

وبغض النظر عن صحة هذه النظرية من عدمها، فإن تداعيات هذه الحادثة على الداخل والخارج الأمريكي كبيرة. تكشف الحادثة عن مستوى غير مسبوق من الاستقطاب الحاد المرتبط بالعنف السياسي، والذي يعكس أزمة ثقة كبيرة وانقساماً أيديولوجياً عميقاً بين أفراد الجمهور الأمريكي المختلفين في الرأي. الحادثة تقول بوضوح إن الفعل العنفي المسلح أصبح أحد وسائل التعبير السياسي المعتمدة بدلاً من الحوار في الداخل الأمريكي، وهذا يرجع في أحد أسبابه إلى عدم استجابة إدارة ترامب أو إدارات سابقة ربما للمطالب الشعبية التي تلقى دعماً واسعاً في الشارع الأمريكي.

حوادث عنيفة من هذا النوع تهدد بزيادة الاستقطاب السياسي في الداخل، وهو ما تغامر به إدارة ترامب إذا صحت نظرية تدبيرها للحادثة.

قد يقرأ محللون في نتائج ما حدث أنه ربما يؤدي إلى تعزيز رصيد ترامب والحزب الجمهوري عموماً على أبواب انتخابات التجديد النصفي ويعيد شحذ قواعده، منها قراءة تشوبها الشكوك جراء موقف ناشطين عديدين من حركة “ماغا” بالترويج لنظرية المؤامرة المدبرة من قبل البيت الأبيض لمحاولة الاغتيال. فكرة أخرى قد تعزز هذه النظرية: رغم نجاح الجهات الأمنية بالتصدي للمشتبه به، فإن الحادثة قد تنعكس مزيداً من التشكيك وضعف الثقة بالأجهزة الأمنية الأمريكية، خصوصاً وأنها استهدفت الرئيس الأمريكي وليس مرشحاً للانتخابات كما كان الحال عليه في محاولتَي الاغتيال السابقتَين. تعزيز دور الأجهزة الأمنية هو الحل لمثل هذه المشكلة، ويبدو الأمر واضحاً في الإعلان الرسمي ​أن رئيسة موظفي البيت الأبيض، ​سوزي وايلز، ستعقد اجتماعا مع مسؤولين من وزارة الأمن الداخلي، وجهاز الخدمة السرية، ​وفريق عمليات البيت الأبيض “لضمان سلامة ​وأمن الرئيس”. وأول الغيث قطرة!

غير ذلك، ستؤثر الحادثة على خيارات البيت الأبيض بخصوص الملفات الأبرز خارجياً، رغم إعلان ترامب العكس، لكنه ربما يلجأ إلى تأجيل أي تصعيد محتمل حالياً إلى حين انتهاء الانفعال السياسي المرتبط بـ “محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي”، فيما قد تلجأ “إسرائيل” إلى استغلال الانشغال الأمريكي بتهدئة الأوضاع الداخلية لزيادة هامش العدوان الذي تمارسه على لبنان، وعلى غزة والضفة الغربية، وربما في الانفراد بالعودة إلى المعركة مع إيران بما يورِّط واشنطن من جديد. سيناريو من هذا النوع سيشكل دليلاً إضافياً على أن “إسرائيل” هي مصدر الخطر الحقيقي على العالم بأسره، ومن ضمنه الولايات المتحدة الأمريكية، لكن المشكلة في أنه لا أحد من أصحاب القرار في واشنطن يقرأ هذه الحقائق، أو يعترف بها.

في الخلاصة، وسواء كانت محاولة الاغتيال حقيقية أم مدبرة، فإن دونالد ترامب وإدارته يلعبون بالنار في الداخل الأمريكي كما على مستوى السياسة الخارجية، والأكيد أن الحادثة كشفت عورات جديدة يعانيها المجتمع الأمريكي الداخلي وثغرات كبيرة في التأييد الشعبي لترامب في ولايته الثانية. الأيام القادمة ستحدد أكثر ما إذا كان الشعب الأمريكي سيقع في فخ الاستغلال السياسي للحادثة الذي يمارسه البيت الأبيض منذ اللحظة الأولى، أم أن بوصلته لن تتراجع، ويبقى مصراً على مطالبه الراسخة المتعلقة بوضعه المعيشي وبرفض خيارات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب