الاخبارشؤون فلسطينية

ماذا حدث لمحادثات السلام؟

215229


ما الذي يمكن أن يكون قد حدث لعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية الآن؟ سيكون للمرء كل العذر إذا ظن أن الجميع قد حزموا بضاعتهم وانصرفوا منذ بعض الوقت، ونسوا إعلامه بذلك. وقد صدرت بالكاد أي نأمة يعتد بها عن هذه المسألة منذ استقبال إحياء المفاوضات بالكثير من الضجة في شهر تموز (يوليو).
المفاوضات، التي ظلت تجري في أجواء مغلفة بضباب السرية، عادت منسلة لبرهة قصيرة إلى شاشة الرادار قبل نحو أسبوعين، عندما التقى وزير الخارجية الأميركي جون كيري برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فيما وصفته وسائل الإعلام بأنه اجتماع “مطول بشكل غير اعتيادي،” والذي استمر لمدة سبع ساعات في العاصمة الإيطالية، روما. وقد جرت معظم المحادثة سراً، حيث لم يحضرها حتى المسؤولون. لكن المناقشات تركزت، وفق التقارير، على إحياء عملية السلام. ويُعتقد بأن كيري القلق من الافتقار إلى إحراز تقدم ملموس، حاول إقناع نتنياهو برؤيته حول المكان الذي ينبغي أن تصل إليه المفاوضات التي ينبغي أن تستمر تسعة أشهر.
جاء تدخل كيري في أعقاب أسابيع من تصاعد الإحباط الفلسطيني، والذي بلغ ذورته في تسرب إشاعات تقول بأن المحادثات أصبحت على شفا الانهيار. وبعد اجتماع مع كيري في باريس، أضاف مسؤول الجامعة العربية، ناصيف حتّى، إلى الجو المشوب بالتشاؤم أصلاً، حين قال أنها “ليست هناك أي مؤشرات إيجابية على إحراز تقدم.”
الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في إطار جولته على العواصم العربية مؤخراً بحثاً عن الدعم الدبلوماسي، حاول التخفيف من أثر الاقتراحات القائلة بأن المحادثات تراوح في “طريق مسدود.” وقد اعترف بأنها عملية “صعبة، وبأن الجانبين “ما يزالان في بداية الطريق،” بعد حوالي ثلاثة أشهر من انطلاق المحادثات. لكن مسؤوليه يعربون في الأحاديث الخاصة عن السخط من عدم مرونة إسرائيل وشح ما تعرضه في مواقفها المبدئية. وكانت صحيفة الحياة قد ذكرت في وقت سابق من هذا الشهر أن إسرائيل رفضت مناقشة قضايا الحدود الرئيسية، مركزة بدلا من ذلك على بحث مخاوفها الأمنية الخاصة.
لا شيء من هذا يشكل مفاجأة في واقع الأمر. فبسبب الإصرار الإسرائيلي، تمّ إخفاء مجريات المحادثات تماماً عن المشهد العام. وزعمت إسرائيل بأن السرية سوف تسهل الضغط على الطرفين، وتعطيهما مزيداً من المتسع ليكونا أكثر مباشرة وإبداعاً. لكن الحقيقة مع ذلك هي أن الافتقار إلى الرقابة العامة سمح لإسرائيل بالمماطلة وترهيب الطرف الأضعف، الجانب الفلسطيني. وكانت رئيسة الوفد الإسرائيلي المفاوض، تسبي ليفني، قد حذرت مسبقاً من الاحتمال المرجح لتجاوز الجدول الزمني للمحادثات.
بالمثل، كان يُفترض في المبعوث الأميركي مارتن إنديك أن يكون عين كيري وأذنيه في المحادثات. وبدلاً من ذلك، أمضى الشهرين الأولين مُبعداً عن الأحداث، ربما بتحريض إسرائيلي مرة أخرى على ما يبدو. وتأمل إسرائيل بأن إبقاء ما يجري في المفاوضات طي الكتمان سيعطيها الغطاء الذي تتوقع أن تحصل عليه عندما تنتهي المحادثات بلا أي حصيلة –كما يبدو مؤكداً- أو عندما يخرج منها الفلسطينيون عاصفين غاضبين. ويمكن استغلال الجهل واسع النطاق بالتطورات من أجل تصوير الفلسطينيين على أنهم الطرف المخادع، كما حدث سابقاً في أعقاب انهيار محادثات كامب ديفيد في العام 2000.
لكننا أصبحنا نشهد مؤخراً بعضاً من ممارسة الدور القيادي الذي وعدت به واشنطن. ويقال أن مارتن إنديك أصبح الآن منخرطاً بنشاط. كما ارتفع معدل اللقاءات بين المتفاوضين بحدة خلال الأسبوعين الأخرين. ويوحي الاجتماع الأخير في روما بأن الولايات المتحدة تأمل الضغط على نتنياهو، إما لتقديم تنازلات كبيرة، أو لبدء محادثات مباشرة ووجهاً لوجه مع عباس، وهو ما يفترض أن تفضي إليه هذه العملية في نهاية المطاف. ووفقاً لناصيف حتّى من الجامعة العربية، فقد وعدت الولايات المتحدة أيضاً بأنها سوف “تتخذ إجراء” في حال لم يتم تحقيق أي انفراج بحلول شهر كانون الثاني (يناير)، حيث ستقدم “اقتراحات قابلة للتطبيق لسبل يكون من شأنها إذابة الجليد.”
ولكن، أياً يكن ما قاله نتنياهو لكيري في السر، فإن القليلين يعتقدون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي مستعد فعلاً للسعي إلى السلام. وقد أوضح في وقت سابق من هذا الشهر رؤيته للمحادثات على الملأ، في تعقيب على خطابه الشهير في العام 2009، عندما وافق على حل الدولتين وهو يواجه الرئيس الأميركي المنتخب حديثاً آنذاك، باراك أوباما.
هذه المرة، وبينما يتحدث من على نفس المنصة، لم يبد أنه في أي مزاج للمصالحة. وقال: “ما لم يعترف الفلسطينيون بالدولة اليهودية ويتخلوا عن الحق في العودة، فإنه لن يكون هناك سلام.” وقد أنكر حقيقة أن “الاحتلال والاستيطان” كانا أسباباً للصراع، وأصر على حاجة إسرائيل إلى “ترتيبات أمن قوية للغاية.”
هذا النوع من الحديث الذي لا يقبل بأي تنازل هو الذي أفقد المفاوضات مصداقيتها لدى الجميع خارج البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، كان يوفال ديسكن، أحد الرؤساء الأخيرين لجهاز الاستخبارات الداخلية الإسرائيلي، شين بيت، قد حذر من أنه ليس هناك أي احتمال واقعي لفكرة أن “الجمهور الإسرائيلي سوف يقبل باتفاق سلام.” وتزيد معارضة وزراء الحكومة الإسرائيلية المستمرة من عدم ثقة الإسرائيليين بالمفاوضات. ففي عرض آخر للمزيد من الشقاق، دعم هؤلاء الوزراء مشروع قانون يتطلب تحقيق أغلبية برلمانية بنسبة الثلثين حتى قبل أن تجلس إسرائيل للمفاوضات حول قضية تقسيم القدس الرئيسية. وفي حال مر مشروع القرار، فإنه سيحول كل مسألة المفاوضات إلى مجرد حبر على ورق.
على الجانب الآخر، أصبحت حركة حماس الفلسطينية أكثر جرأة. وقد وجه رئيس الوزراء في غزة، إسماعيل هنية، الدعوة إلى الفلسطينيين لتجديد “الانتفاضة الشعبية”، تماماً في الوقت الذي تم الكشف فيه عن نفق تحت الأرض بطول 1.5 كم، كانت حركة حماس قد أنأته ليمتد إلى داخل إسرائيل.
وفي الضفة الغربية، أفضت سلسلة من الهجمات وعمليات القتل الموجهة ضد إسرائيليين خلال الأسابيع القليلة الأخيرة –بعد سنة كاملة دون فقدان حياة إسرائيلي واحد منذ أزمة العام 2012- إلى إثارة تكهنات في إسرائيل حول ما إذا كانت انتفاضة فلسطينية جديدة قد أصبحت وشيكة. وكان من شأن قيام سائق جرافة فلسطيني باجتياح قاعدة عسكرية بالقرب من القدس مؤخراً أن يعزز هذا الانطباع.
بشكل ملائم، استغل نتنياهو المعارضة الإسرائيلية واسعة النطاق للجولة التالية من عملية إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في الأسبوع الماضي –الجزرة التي تبقي الفلسطينيين على طاولة المفاوضات- من أجل تبرير خططه للانغماس المفرط في البناء الاستيطاني. وهذه المرة، التزمت الحكومة الإسرائيلية ببناء 5.000 وحدة استيطانية جديدة في مقابل إطلاق سراح 25 أسيراً فلسطينياً ممن كانوا قد سجنوا قبل توقيع اتفاقيات أوسلو قبل نحو عقدين.
الآن، تشير كافة المؤشرات إلى أن هذه المفاوضات منذورة للفشل الحتمي، مثلها مثل سابقاتها. ويبقى السؤال هو ما إذا كانت لدى الفلسطينيين الجرأة لكشف هذه التمثيلية. وإذا لم يمتلكوا هذه الجرأة، فإن إسرائيل ستستمر في استخدام عملية السلام كغطاء، بينما تلتهم مستوطناتها المزيد من أراضي الدولة الفلسطينية المؤجلة القابعة في الانتظار.

جوناثان كوك – (ميدل إيست أونلاين) -ترجمة: علاء الدين أبو زينة – الغد الاردنية
*
صحفي حائز على جائزة مارتا غيلهورن للصحافة. آخر كتبه هي “إسرائيل وصدام الحضارات: العراق، إيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط،” و”فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس الإنساني.”

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى