خلافاً للكثيرين ممن كتبوا عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة وانشغلوا بتوزيع المقاعد وبفرص تشكيل الحكومة، فإنني لن ادخل في بحث السيناريوهات المحتملة لتشكيل او عدم تشكيل الحكومة الإسرائيلية وإنما سأحاول النظر في معنى وتداعيات نتائج هذه الانتخابات وأثرها على مستقبل إسرائيل ومستقبل علاقاتها مع الشعب الفلسطيني ومع دول الجوار.
فإسرائيل تدعي أنها الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وتسوق نفسها بهذه الصفة أمام الدول والمجتمعات الغربية يعينها في هذا التسويق فشل الأنظمة العربية بما فيها النظام السياسي الفلسطيني في إدارة حياة برلمانية وتبادل السلطة من خلال صناديق الاقتراع.
ومع أن الممارسات الإسرائيلية على مدى العقود الماضية وحتى اليوم من احتلال شعب آخر وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية الأساسية بشكل عام، وقيامها في السنوات الثلاث الأخيرة بشن حرب إبادة مدمرة ضد المدنيين من أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل من السلاح في قطاع غزة والضفة الغربية تتناقض مع معاهدات جنيف لعام 1949، وخاصة المعاهدة الرابعة بخصوص حماية المدنيين اثناء الحرب، وقيامها بحرب إبادة بكل المعايير، إلا أن تخاذل المجتمع الدولي وتواطؤه جعله لا يجرؤ على نزع صفة الدولة الديمقراطية عن إسرائيل رغم الاحتلال والدمار والابادة التي تمارسها ورغم تحديها لأبسط مبادئ القانون الدولي العرفي والمعاهدات والاتفاقيات الدولية.
واليوم وكنتيجة للانتخابات الإسرائيلية الأخيرة تقف إسرائيل أمام الاختبار الذي يقتضي أن تؤدي نتائجه إلى وقوف العالم امام مسؤوليته في تحديد صفة وهوية إسرائيل والتعامل معها وفقاً لتلك الصفة.
فنحن نسمع اليوم من قادة الائتلاف الإسرائيلي الحاكم ومن قادة المعارضة على حد سواء بأنهم لن يشاركوا في أي حكومة تشارك فيها الأحزاب العربية. ولما كانت الأحزاب العربية قد فازت بتسعة عشر مقعدا من بين 120 مقعداً، وأن العرب في إسرائيل يشكلون اكثر من 20% من مجموع الإسرائيليين فإن الأحزاب اليهودية سواء التي في الحكم ام في المعارضة التي فازت في الانتخابات، ويُفترض أن تُشكل الحكومة المقبلة، تقول صراحة إنها تتجاهل وجود 20% من الشعب فقط لكونهم عرباً، وإنها تقوم على أساس إثني عنصري كدولة يهودية تستثني خمس السكان من المشاركة في الحياة البرلمانية فقط لأنهم ليسوا يهوداً.
الخيار الموجود أمام إسرائيل، التي تقف اليوم على مفترق طرق، هو تحديد هويتها وصفتها، فإما أن تقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية وتشكل بالمشاركة مع الأحزاب العربية حكومة ذات أغلبية برلمانية لها 67 مقعدا في الكنيست مقابل مقابل 53 مقعداً للمعارضة، أو أن تصر على أنها دولة تمييز عنصري ترفض فيها الأحزاب اليهودية المشاركة مع الأحزاب العربية في الحكم.
وسواء أدى الأمر إلى فشل جهود تشكيل مثل تلك الحكومة واللجوء لاجراء الانتخابات مرة ثانية، او وقوع انقسام في أي من المعسكرين سواء الائتلاف او المعارضة، وهذا أمر ممكن وربما متوقع، يتيح لأي من قادة المعسكرين تشكيل حكومة تعتمد فقط على أصوات أعضاء كنيست يهود، فإن هذه الحكومة المستندة على أصوات اليهود يعني استمرار الوضع الحالي من احتلال وحرب وقتل وإرهاب مستوطنين ضدنا، وسيكون دليلاً قاطعاً على عنصرية الدولة التي تتجاهل 20% من سكانها، وترفض اندماجهم في الحياة السياسية الديمقراطية والمشاركة في شؤون الدولة التي يملكون حق المواطنة فيها يمكنهم من التعاطي مع ما يمارس ضدهم من تمييز مبطن، سواء في الميزانيات البلدية أو الحكومية أو المخططات الهيكلية، وتعرضهم بشكل ممنهج لسياسة هدم المنازل ومصادرة الأرضي والحرمان من حق الفرص المتكافئة مع اليهود الإسرائيليين.
تشكيل حكومة إسرائيلية بمشاركة العرب ولو مشاركة الموحدة فقط سيعني بداية تغيير في التوجهات العنصرية المتطرفة للحكومة الإسرائيليىة، وبدء الخطوة الأولى على طريق تعديل المسار. في حين ان تشكيل حكومة تعتمد فقط على أصوات النواب اليهود ورفض مشاركة أعضاء الكنيست العرب في الحكومة يجب أن يضيء ضوءاً أحمر أمام الفلسطينيين ودول الجوار والمجتمع الدولي، لأنه يعني أن إسرائيل ماضية على طريق المزيد من القتل والدمار والتهجير ضد الفلسطينيين وترويج الحروب والفتن على مستوى الإقليم والعالم.
ومثل هذا التوجه يستوجب وقفة حازمة من قبل الجميع دولاً وشعوباً على مستوى الإقليم والعالم في مواجهة هذا التطرف الذي لن يقف عند حدود إسرائيل، بل سيشكل خطراً حقيقياً على السلام والاستقرار والأمن في المنطقة والعالم.
قد نضطر للانتظار قرابة شهرين حتى انتهاء المدد المقررة في القانون الإسرائيلي التي تمنح لمن يُكلف بتشكيل الحكومة، إلا أننا عاجلاً وليس آجلاً سنقف أمام الاختبار والاختيار.
عن صحيفة القدس





