الرئيسيةزواياأقلام واراءالتحالف الديمقراطي الاجتماعي العربي ومؤتمر عمّان: الضرورات والمستقبل.. بقلم :جمال خليل

التحالف الديمقراطي الاجتماعي العربي ومؤتمر عمّان: الضرورات والمستقبل.. بقلم :جمال خليل

‎

يشكّل البحث في مستقبل التحالف الديمقراطي الاجتماعي العربي ومؤتمر عمّان مدخلاً لمناقشة واحدة من القضايا الأساسية المطروحة أمام القوى الديمقراطية والتقدمية العربية: كيف يمكن الانتقال من حالة التشتت السياسي والتنظيمي والفكري إلى بناء إطار عربي مشترك، قادر على مواجهة أزمات الدولة والمجتمع، والدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية؟

إن أهمية هذا الموضوع لا تنحصر في تأسيس تحالف سياسي أو عقد مؤتمر، بل تتصل بالحاجة إلى تجديد المشروع الديمقراطي الاجتماعي العربي، وتحديد موقعه في التحولات الإقليمية والدولية، وصياغة رؤية للمستقبل تستجيب لتطلعات الشعوب العربية.

‎أولاً: الضرورات السياسية والفكرية لقيام التحالف ،تنبع ضرورة التحالف الديمقراطي الاجتماعي العربي من مجموعة من التحولات والأزمات المتراكمة، وأبرزها:

  1. أزمة المشروع الديمقراطي العربي: تراجع الحياة السياسية والحزبية في عدد من البلدان العربية، وضعف المؤسسات الديمقراطية، وتراجع المشاركة الشعبية في صنع القرار.
  2. أزمة العدالة الاجتماعية: اتساع الفوارق الطبقية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية.
  3. تشتت القوى الديمقراطية والتقدمية: غياب التنسيق المنتظم بين الأحزاب ذات المرجعيات المتقاربة، واستمرار الخلافات الأيديولوجية والتنظيمية التي تحدّ من قدرتها على التأثير.
  4. تحديات السيادة والاستقلال الوطني: استمرار التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية، وما تفرضه من ضرورة التمسك باستقلال القرار الوطني واحترام سيادة الدول ووحدة مجتمعاتها.
  5. القضية الفلسطينية: ضرورة وضع القضية الفلسطينية في صلب المشروع الديمقراطي الاجتماعي العربي، باعتبارها قضية تحرر وطني وحق في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
  6. أزمة الدولة الوطنية: الحاجة إلى بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، القائمة على المساواة والتعددية السياسية والثقافية والدينية، بعيداً عن الاستبداد والإقصاء والتمييز.

ومن هنا، فإن التحالف ليس مجرد تنسيق بين أحزاب، بل يفترض أن يكون فضاءً سياسياً وفكرياً وتنظيمياً لتجديد المشروع الديمقراطي الاجتماعي العربي.

‎ثانياً: مؤتمر عمّان ودلالاته السياسية: انعقد المؤتمر العام للتحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي في العاصمة الأردنية عمّان يومي 29 و30 تشرين الأول/أكتوبر 2026، باستضافة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، وبمشاركة ممثلين عن أحزاب وقوى سياسية وتقدمية عربية، إلى جانب ممثلين عن التحالف التقدمي الدولي.

وتناول المؤتمر قضايا متعددة، من بينها:تطوير العمل السياسي والتنظيمي للتحالف،مناقشة الوثيقة السياسية واللائحة الداخلية، تعزيز التعاون بين الأحزاب والقوى الديمقراطية الاجتماعية، القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، الأزمة اليمنية وسبل استعادة مؤسسات الدولة وتحقيق السلام، القضية الكردية وحقوق التنوع الثقافي والديني، الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

كما شهد المؤتمر انتخاب الدكتور عبد الحميد عليمات رئيساً للتحالف، في إطار انتقال المسؤوليات القيادية واستمرارية العمل المشترك. وتكمن أهمية مؤتمر عمّان في أنه يتيح فرصة للانتقال من مرحلة اللقاءات والتفاهمات السياسية إلى مرحلة بناء مؤسسات وآليات عمل مشتركة، شريطة أن تتحول مقرراته إلى برنامج قابل للتنفيذ والمتابعة والمساءلة.

‎ثالثاً: ما الذي ينبغي أن يحققه التحالف؟

إن التحدي الأساسي أمام التحالف لا يتمثل في توسيع دائرة العضوية فحسب، بل في تحديد طبيعة الدور الذي يريد أن يؤديه في الحياة السياسية العربية.

وهذا يستدعي العمل على خمسة مسارات:

  1. بلورة مشروع سياسي عربي مشترك :يقوم على الديمقراطية والتعددية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، ويرفض الاستبداد بجميع أشكاله، ويؤكد حق الشعوب في اختيار أنظمتها السياسية وتقرير مستقبلها.
  2. بناء برنامج اقتصادي اجتماعي :يؤكد دور الدولة التنموي والاجتماعي، ويدافع عن حقوق العمال والفئات الشعبية والطبقة الوسطى، ويطرح سياسات لمواجهة الفقر والبطالة والتفاوت الاقتصادي، مع تشجيع الإنتاج والاستثمار والتنمية المستدامة.
  3. تطوير العلاقات العربية المشتركة :من خلال بناء شبكة تعاون بين الأحزاب والنقابات والاتحادات الشبابية والنسائية والمؤسسات الفكرية والثقافية، بما يوسع قاعدة المشاركة المجتمعية.
  4. تجديد الفكر الديمقراطي الاجتماعي: بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، ومع قضايا الشباب والمرأة والحريات العامة وحقوق الإنسان.
  5. تعزيز التضامن العربي والدولي:خصوصاً مع القوى الديمقراطية والاجتماعية والتقدمية، بما يخدم قضايا التحرر الوطني والاستقلال والسيادة والسلام العادل.

‎رابعاً: التحديات التي تواجه مستقبل التحالف: رغم أهمية الإطار الذي يوفره التحالف، فإن أمامه تحديات جدية ينبغي التعامل معها بواقعية: التباين السياسي والفكري: اختلاف تجارب الأحزاب المشاركة وأولوياتها الوطنية، الأمر الذي يتطلب إدارة ديمقراطية للاختلاف.

* ضعف الإمكانات التنظيمية والمالية: الحاجة إلى مؤسسات دائمة وموارد مستقرة تضمن استمرارية العمل.

* الفجوة بين الخطاب والممارسة: ضرورة ترجمة الشعارات المتعلقة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلى ممارسات داخل الأحزاب نفسها.

* تفاوت الظروف السياسية العربية: اختلاف هامش العمل الحزبي والحريات العامة من بلد إلى آخر.

* ضعف التواصل مع الأجيال الجديدة: ضرورة فتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات المستقلة للمشاركة في صياغة القرار السياسي.

ولا يمكن تجاوز هذه التحديات بمجرد البيانات السياسية، وإنما من خلال بناء مؤسسات ديمقراطية تحترم التعددية والشفافية والتداول الدوري للمسؤوليات.

‎خامساً: نحو برنامج عمل لما بعد مؤتمر عمّان من الضروري أن تتحول مخرجات المؤتمر إلى خطة عمل واضحة للمرحلة المقبلة، كما ينبغي أن تكون هناك لقاءات دورية للأحزاب الأعضاء، ومؤتمرات فكرية متخصصة، وآلية واضحة لمتابعة تنفيذ القرارات، حتى لا يتحول التحالف إلى إطار موسمي يرتبط نشاطه بمواعيد المؤتمرات.

‎سادساً: المستقبل والمهمة التاريخية :إن مستقبل التحالف الديمقراطي الاجتماعي العربي يرتبط بقدرته على الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن بناء تيار ديمقراطي اجتماعي عربي واسع، يمتلك مشروعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ويستطيع أن يكون جزءاً فاعلاً من عملية التغيير الديمقراطي في المجتمعات العربية؟

إن الإجابة تتطلب تجاوز ثلاثة أنماط من العمل السياسي: أولها، الاكتفاء بالتنسيق البروتوكولي بين القيادات الحزبية. وثانيها، حصر العمل المشترك في المواقف السياسية العامة دون بناء برامج عملية. وثالثها، التعامل مع التحالف باعتباره إطاراً تمثيلياً للأحزاب، بدلاً من أن يكون فضاءً مفتوحاً للتفاعل مع المجتمع وقضاياه وقواه الحية.

إن المطلوب هو بناء تحالف يجمع بين استقلالية الأحزاب ووحدة العمل المشترك، وبين الخصوصيات الوطنية والرؤية العربية الجامعة، وبين النضال من أجل  الاستقلال وحق تقرير المصير والديمقراطية والنضال من أجل العدالة الاجتماعيه

من مؤتمر عمّان إلى مشروع عربي للمستقبل: إن مؤتمر عمّان، المنعقد في 29 و30 تشرين الأول 2026، يشكل محطة سياسية وتنظيمية في مسار التحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي. لكن القيمة الحقيقية لهذه المحطة لن تقاس فقط بما صدر عنها من قرارات أو بما أفرزته من قيادات، بل بمدى قدرتها على إطلاق مرحلة جديدة من العمل الديمقراطي الاجتماعي العربي.

إن المنطقة العربية بحاجة إلى مشروع سياسي جديد يعيد الاعتبار للديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، ويواجه الفقر والتهميش والاستبداد، ويتمسك بالحقوق الوطنية والقومية، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني.

ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على قيادة التحالف الجديدة، برئاسة الدكتور عبد الحميد عليمات، وعلى الأحزاب والقوى المشاركة، تتمثل في تحويل الثقة التنظيمية التي أفرزها مؤتمر عمّان إلى إنجازات سياسية وفكرية ومجتمعية ملموسة.

فالتحالف لا ينبغي أن يكون مجرد تجمع للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية العربية، بل مشروعاً لبناء تيار عربي ديمقراطي اجتماعي، يؤمن بأن الديمقراطية لا تكتمل دون العدالة الاجتماعية، وأن العدالة الاجتماعية لا تستقيم دون الحرية، وأن استقلال الأوطان لا ينفصل عن كرامة الإنسان وحقه في المشاركة وصناعة المستقبل.

يمكن اختصار الرهان الاستراتيجي للتحالف في ثلاثية مترابطة:

* ديمقراطية سياسية تضمن الحرية والتعددية وتداول السلطة.

* عدالة اجتماعية تضمن الكرامة وتكافؤ الفرص والحقوق الاقتصادية.

* استقلال وطني وقومي يحمي السيادة ويدعم حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وهذه الثلاثية يمكن أن تشكل الأساس الفكري والسياسي لوثيقة مستقبلية للتحالف بعد مؤتمر عمّان.

*عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب