الرئيسيةالاخبارالسحايا في غزة: عندما يفتك التلوث والازدحام بطفولة النازحين

السحايا في غزة: عندما يفتك التلوث والازدحام بطفولة النازحين

 

 

خاص نضال الشعب -تقرير – فاطمة الدعمة/ في قطاعٍ أُنهكته آلة الحرب ولم تترك فيه زاوية آمنة، لم تعد القذائف والمتفجرات هي الخطر الوحيد الذي يهدد أرواح السكان؛ بل اصبحت البيئة الملوثة المكتظة بالنازحين أرضاً خصبة لتفشي أوبئة قاتلة كان يُفترض أنها تحت السيطرة.

اليوم، يدق قطاع غزة ناقوس الخطر بعد تسجيل أكثر من 700 حالة إصابة بمرض التهاب السحايا في شهر واحد فقط—وهو رقم مرعب يعكس حجم الكارثة الصحية التي تغلي تحت الرماد.

بين خيام النزوح التي تكتظ بأجساد منهكة بفعل سوء التغذية، والمياه الملوثة التي باتت الملاذ الوحيد للشرب، والأجواء الملبدة بدخان القصف وغازات البارود، يجد الفيروس والجرثومة طريقهما بلمح البصر إلى أجساد الأطفال والمرضى. تتفاقم هذه المأساة أمام منظومة صحية متهالكة ومجردة من أدنى الإمكانيات والمستلزمات الطبية اللازمة للتشخيص أو العلاج، ليتحول كل يوم يمر إلى سباقٍ محتوم بين البقاء والموت تحت وطأة بيئة طاردة للحياة.

ارتفاع صادم في معدلات الفحوصات الطبية.. قفزات مرعبة للحمى الشوكية تهدد حياة أطفال غزة

عبرت والدة الطفل “محمد قنوع” عن صدمتها البالغة بعد ظهور كتل في رقبة طفلها البالغ من العمر ثلاثة أشهر واكتشاف إصابته بالحمى الشوكية.

وأكدت الأم أن طفلها خضع لعمليات سحب من النخاع الشوكي وفحوصات شاملة للرئتين والكلى وصور لصدره، واظهرت النتائج ارتفاع حاد في الحمى وصل معدلها إلى 1000 مما دفع الاطباء لإدخاله غرفة العزل وتلقي العلاج المكثف على مدار الساعة حتى تحسنت حالته تدريجياً.

وفي حالة اخرى، تحدثت  والدة الطفلة الرضيعة “اصالة الريفي” (شهرين ونصف) بارتفاع حاد في الحمى وصل معدلها إلى 550، وسط ظروف معيشية قاسية داخل الخيام تنعدم فيها مقومات النظافة والبيئة السليمة.

من جهتها، افادت والدة الطفل حسام أبو زايدة (عام واحد) المقيمة في خيمة، بظهور أعراض السخونة الشديدة والهزلان المفاجئ على طفلها.

وأوضحت الأم أن الفحوصات الطبية داخل المستشفى، بما فيها عينة الظهر، أثبتت إصابته بالحمى الشوكية بمعدل 150.

تحذيرات طبية من تصاعد خطير للإصابة بـ “التهاب السحايا” بين أطفال غزة

حذّر استشاري طب الأطفال ورئيس قسم التغذية العلاجية بمستشفى النصر_ الرنتيسي في قطاع غزة، الدكتور “أحمد بصل”، من تصاعد مقلق في حالات الإصابة بالتهاب السحايا بين الأطفال، في ظل التدهور الحاد الذي يشهده القطاع الصحي، وتفاقم الأزمات الإنسانية والبيئية الناجمة عن الحرب والحصار المستمرين.

وأوضح الدكتور بصل أن التهاب السحايا من الأمراض الخطيرة التي تصيب الأغشية المحيطة بالدماغ والحبل الشوكي، وقد يؤدي إلى مضاعفات عصبية بالغة، خصوصًا لدى الأطفال، إذا لم يُشخّص ويُعالج في الوقت المناسب.

وأشار إلى أن أعراض المرض تختلف باختلاف عمر الطفل وطبيعة العدوى، موضحًا أن أبرز العلامات التحذيرية تشمل ارتفاع درجة الحرارة، والصداع الشديد والمفاجئ، وتيبّس الرقبة، والقيء، والخمول غير المعتاد، والحساسية الشديدة للضوء، إلى جانب اضطراب الوعي أو حدوث نوبات تشنجية في بعض الحالات.

وأضاف أن الأعراض لدى الرضع قد تكون أقل وضوحًا، إذ تظهر أحيانًا على شكل بكاء مستمر أو تهيّج غير معتاد، وضعف الرضاعة، والميل المفرط للنوم، وصعوبة إيقاظ الطفل، فضلًا عن انتفاخ اليافوخ، وهو المنطقة اللينة أعلى رأس الرضيع.

ولفت إلى أن بعض الحالات الشديدة قد يصاحبها تأثر الأعصاب القحفية، مما يؤدي إلى اضطرابات في حركة العينين أو السمع أو الرؤية، محذرًا من ظهور بقع حمراء أو أرجوانية تحت الجلد لا تختفي عند الضغط عليها، باعتبارها إحدى العلامات الخطيرة التي قد ترتبط بعدوى المكورات السحائية وتسمم الدم، وقد تتطور سريعًا إلى مضاعفات تهدد حياة الطفل.

وفيما يتعلق بالتشخيص، بيّن الدكتور بصل أن الأطباء يعتمدون على التقييم السريري والفحوصات المخبرية، بما في ذلك تحليل الدم ومزارع الدم، إلى جانب فحص السائل الدماغي الشوكي من خلال البزل القطني، الذي يُعد من الوسائل الأساسية لتحديد طبيعة الالتهاب ومسببه.

وأوضح أن تحليل السائل الدماغي الشوكي يساعد في تقييم عدد خلايا الدم البيضاء وأنواعها، ومستويات البروتين والجلوكوز، والكشف عن الميكروبات المسببة للعدوى، فيما قد تستدعي بعض الحالات إجراء تصوير مقطعي أو رنين مغناطيسي عند وجود مؤشرات سريرية محددة.

وأكد أهمية التدخل الطبي العاجل، خاصة عند الاشتباه بالتهاب السحايا البكتيري، مشيرًا إلى أن العلاج يعتمد على نوع المسبب وعمر الطفل وحالته الصحية، وقد يتطلب استخدام المضادات الحيوية داخل المستشفى، مع استمرار المتابعة لرصد المضاعفات المحتملة، دون تأخير بدء العلاج انتظارًا لنتائج الفحوصات.

وعزا الدكتور بصل تزايد المخاوف من انتشار العدوى إلى الظروف الإنسانية والصحية القاسية التي يعيشها سكان قطاع غزة، وفي مقدمتها الاكتظاظ الشديد داخل مراكز الإيواء، وتكدس العائلات في مساحات محدودة، الأمر الذي يزيد فرص انتقال بعض الميكروبات المسببة لالتهاب السحايا عبر الرذاذ والإفرازات التنفسية خلال المخالطة القريبة.

وأشار إلى أن تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، ونقص مواد النظافة والتعقيم، وتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية، تمثل عوامل إضافية تزيد من المخاطر الصحية العامة، وتُعقّد جهود الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض المعدية.

كما حذّر من تداعيات تعطل برامج التطعيم وصعوبة استكمال الجرعات المقررة للأطفال، مؤكدًا أهمية اللقاحات في الوقاية من عدد من المسببات البكتيرية الخطيرة لالتهاب السحايا.

وسلّط الضوء على الدور الذي يلعبه سوء التغذية في إضعاف قدرة الجسم على مقاومة العدوى، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من نقص الغذاء وتراجع التنوع الغذائي، إلى جانب الأعباء الصحية والتغذوية التي تواجهها الأمهات الحوامل والمرضعات في ظل الظروف الراهنة.

مضاعفات خطيرة قد تهدد حياة الأطفال وتؤثر في مستقبلهم

وحذّر الدكتور بصل من أن التأخر في تشخيص التهاب السحايا وعلاجه، لا سيما في الحالات البكتيرية الشديدة، قد يؤدي إلى مضاعفات صحية وعصبية جسيمة، قد يلازم بعضها الطفل طوال حياته، مؤثرًا في نموه وقدراته الحركية والحسية والإدراكية.

وأوضح أن أبرز المضاعفات العصبية والحسية تشمل فقدان السمع الذي قد يصل إلى الصمم الدائم، ونوبات التشنج والصرع، وضعف الحركة أو الشلل، واضطرابات التوازن، إلى جانب صعوبات النطق واللغة والتعلم، التي قد تؤثر في التطور العصبي والتحصيل الدراسي للطفل.

وأضاف أن الحالات الشديدة قد تتسبب في استسقاء الرأس (Hydrocephalus)، نتيجة اضطراب حركة السائل الدماغي الشوكي أو امتصاصه، فضلًا عن احتمالية حدوث سكتات دماغية أو جلطات في الأوعية الدموية الدماغية، وما قد ينجم عنها من إعاقات عصبية طويلة الأمد.

وأشار إلى أن خطورة المرض لا تقتصر على الجهاز العصبي، إذ قد تؤدي العدوى الشديدة، خصوصًا الناجمة عن بكتيريا المكورات السحائية (Meningococcus)، إلى تسمم الدم والصدمة الإنتانية واضطراب التخثر المنتشر داخل الأوعية الدموية (DIC)، وهي مضاعفات بالغة الخطورة قد تتسبب في تلف الأنسجة ونقص التروية الدموية، وقد تستدعي في بعض الحالات بتر الأصابع أو الأطراف.

ولفت إلى أن الهبوط الحاد في ضغط الدم المصاحب للصدمة الإنتانية قد يؤدي إلى تراجع تدفق الدم إلى الكليتين، مما يزيد خطر الإصابة بالفشل الكلوي الحاد، وقد تتطور بعض الحالات إلى فشل متعدد الأعضاء.

كما نبّه إلى احتمال حدوث اضطرابات في تنظيم الهرمونات وتوازن السوائل والأملاح لدى بعض المرضى، ومنها متلازمة الإفراز غير الملائم للهرمون المضاد لإدرار البول (SIADH)، التي قد تؤدي إلى انخفاض مستوى الصوديوم في الدم وتفاقم المضاعفات العصبية.

وشدد الدكتور بصل على أن هذه المضاعفات لا تحدث لدى جميع المصابين، إلا أن احتمالية وقوعها تزداد في الحالات الشديدة، خاصة عند تأخر التدخل الطبي، مؤكدًا أن التشخيص المبكر والعلاج العاجل والمتابعة الطبية والتأهيلية تشكل عوامل أساسية في تقليل خطر الوفاة والإعاقات الدائمة.

مستشفيات تواجه المرض بإمكانات محدودة

وفي سياق متصل، وصف الدكتور بصل الواقع الصحي داخل مستشفيات قطاع غزة بالبالغ الصعوبة، في ظل النقص الحاد في المستلزمات الطبية والفحوصات المخبرية الأساسية، وتعطل بعض أجهزة التصوير المقطعي نتيجة غياب قطع الغيار والصيانة اللازمة.

وأضاف أن تضرر البنية التحتية للأقسام الطبية، ونقص الأسرّة والأغطية والمستلزمات الضرورية، يزيدان من الأعباء الواقعة على الطواقم الصحية، التي تواصل تقديم خدماتها بالإمكانات المتاحة رغم التحديات المتفاقمة.

وشدد على ضرورة توفير الأدوية والمستلزمات التشخيصية، ودعم برامج التطعيم والتغذية، وتحسين الظروف الصحية والبيئية داخل مراكز الإيواء، بما يسهم في الحد من انتشار الأمراض وحماية الأطفال من مضاعفاتها الخطيرة.

واختتم الدكتور بصل بتحذير من أن استمرار تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية يضاعف المخاطر التي تهدد حياة الأطفال في قطاع غزة، داعيًا إلى تدخل دولي عاجل لدعم المنظومة الصحية وتوفير الاحتياجات الطبية الأساسية. ويبقى الاكتشاف المبكر والتدخل الطبي السريع عنصرين أساسيين لإنقاذ حياة الأطفال، في وقت تواجه فيه المستشفيات تحديات غير مسبوقة في توفير أبسط مقومات الرعاية الصحية.

حرارة حادة وأوبئة تلاحق المواليد.. شهادات مؤلمة لأمهات يواجهن الحمى الشوكية والتدهور البيئي في غزة”

والدة الطفل “يامن السقا” (شهران ونصف)، القاطنة بمنطقة الزيتون على الحدود، تروي تفاصيل اصابة طفلها بارتفاع حاد في درجة الحرارة (وصلت إلى 39) يرافقه استفراغ مستمر وعوارض صفار.

وأشارت الأم إلى أنها تنقلت به بين المراكز الطبية قبل تحويله إلى المستشفى لتلقي العلاج بعد تدهور حالته.

أما والدة الطفل “آسر السنداوي” (3 شهور)، فأوضحت أن طفلها عانى على مدار أربعة أيام من ارتفاع متواصل في درجات الحرارة وصلت إلى 40 درجة مئوية، مصحوبة بحالة هزلان شديدة وعدم القدرة على تناول الطعام أو الشراب.

وبعد رحلة تنقل بين المراكز الصحية، تم تحويله إلى مستشفى الرنتيسي حيث أظهرت الفحوصات إصابته بالحمى الشوكية، لتبدأ رحلة علاجه في غرف العزل الصحي.

وفي السياق ذاته، أفادت والدة الطفل “عاطف عامر” (شهرين) بأن طفلها أصيب بسخونة وإسهال متواصلين بعد تلقيه إبرة الشهرين، موضحة أن تدهور الوضع البيئي وافتقار محيط السكن لأبسط مقومات النظافة أدى إلى تفاقم وضعه الصحي ودخوله المستشفى.

بدورها، تحدثت والدة الطفل “عبد السميع أبو جراد” عن معاناته المستمرة من ارتفاع حاد في درجات الحرارة تصل إلى 40 درجة، وصعوبة خفضها بالمخفضات التقليدية، إلى جانب عجزه عن خفض رأسه وتناوله للطعام أو الشراب.

وعزت الأم سبب تفشي هذه الأمراض بين الأطفال إلى تردي الأوضاع البيئية، وانتشار الروائح الكريهة والمخلفات الناتجة عن ركام الحرب في محيط مناطق سكنهم بمدارس معسكر جباليا شمال القطاع، معبرة عن عجزها عن توفير الأغذية الغنية بالألياف والفواكه التي تتطلبها الحالة الصحية لأطفالها في ظل غياب الإمكانيات المعيشية.

تفشي وبائي صامت.. تلوث المياه والاكتظاظ يهددان حياة النازحين في القطاع

حذّر مدير المختبرات والبيئة في بلدية مياه الساحل المهندس “فادي ابو شنب”، من كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة يواجهها قطاع غزة، تسببت بانتشار العديد من الامراض والاوبئة من بينها التهاب “السحايا” بشكل اكبر مما كانت عليه قبل الحرب الإسرائيلية على القطاع.

وأوضح ابو شنب، أن السبب الرئيسي وراء هذا التفشي الواسع هو التلوث البيئي الحاد، وتحديداً أزمة المياه وغياب شبكات الصرف الصحي السليمة كالتي كانت معتمدة سابقاً.

وأشار إلى أن انتشار (الخزانات البسيطة للتصريف) والآبار القريبة من حفر الصرف في المخيمات، إلى جانب تلوث أوعية نقل المياه (الجراكن) وغياب آبار المراقبة والمختبرات المتخصصة التي دُمّر معظمها، شكّل بيئة خصبة لتكاثر الأوبئة والأمراض المعدية.

وأكد المدير ابو شنب، أن الوضع البيئي الحالي تفاقم بشكل كبير مقارنة بما قبل الحرب، في ظل الاكتظاظ السكاني الكبير، وتكدس النازحين في المخيمات، وضعف الإمكانات المتاحة للرقابة على محطات التحلية ومصادر المياه، فضلاً عن منع الاحتلال إدخال الأجهزة والمعدات المخبرية اللازمة لفحص المسببات بدقة.

حلول عاجلة وتوصيات للحد من الأزمة:

وفي ختام حديثه، طرح مدير المختبرات والبيئة جملة من التوصيات والحلول الضرورية للحد من تفاقم الكارثة، أبرزها:

  • تفعيل حملات التوعية الشاملة: توعية المواطنين في كافة المخيمات والتجمعات بضرورة التأكد من سلامة المياه وملاحظة طعم الكلور الآمن فيها، وتعزيز ممارسات النظافة الشخصية.
  • كلورة ومراقبة المياه: إخضاع الآبار وأوعية النقل لعمليات تعقيم وكلورة منتظمة، وتوزيع أقراص التعقيم (مثل أكواتاب).
  • فصل المسارات البيئية: إبعاد شبكات ومصادر مياه الشرب عن مسارات الصرف الصحي وتجنب تداخل الاتجاهات البيئية للمرافق.
  • رقابة صارمة على المحطات: تشديد الرقابة من قِبل المؤسسات الدولية والمحلية (NGOs) والجهات المختصة على محطات تحلية المياه والخدمات الصحية داخل المستشفيات ومراكز الإيواء لمنع تحولها إلى بؤر جديدة لانتشار الأمراض.

إن تصاعد أرقام الإصابة بالتهاب السحايا وتجاوزها حاجز المئات في غضون أسابيع قليلة ليس مجرد أزمة طبية عابرة، بل هو نتاج مباشر لتكامل أركان الحصار، والتلوث البيئي، والنزوح القسري، وانهيار البنية التحتية. فالمياه الخالية من التعقيم، والهواء المحمل بسُموم البارود، والاكتظاظ المأساوي في الخيام، ألغت جميع الخطوط الدفاعية لأجسادٍ أضعفها الجوع ونقص الدواء.

يقف القطاع اليوم أمام منزلق بيئي وصحي خطير قد يخرج عن السيطرة كلياً إن لم تتدخل المؤسسات الدولية والإنسانية بشكل عاجل وفعال؛ ليس فقط لتوفير العلاجات والأدوية الخاصة بالمرض، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المقومات الأساسية للحياة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب