الرئيسيةزواياأقلام واراءافتتاحية مجلة «نضال الشعب» :سقوط الأغلبية لا يعني سقوط منظومة الاحتلال

افتتاحية مجلة «نضال الشعب» :سقوط الأغلبية لا يعني سقوط منظومة الاحتلال

 

لم تحسم الانتخابات الإسرائيلية الصراع على السلطة بقدر ما كشفت عن أزمة سياسية تتجاوز هوية رئيس الحكومة إلى طبيعة النظام  السياسي باسرائيل واتجاهاته وحدود التغيير الممكن داخله، فتراجع معسكر بنيامين نتنياهو من 68 مقعداً في انتخابات عام 2022 إلى 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر التغيير بقيادة غادي أيزنكوت، و19 مقعداً للقائمتين العربيتين، وفق النتائج النهائية ، أفرز معادلة واضحة، فقد خسر نتنياهو أغلبيته، لكن خصومه لم يحسموا قدرتهم على تحويل خسارته إلى انتقال فعلي للسلطة، وهكذا، لم يعد السؤال مَن خسر الانتخابات ومَن تصدّر نتائجها، بل مَن يمتلك الإرادة السياسية لتشكيل الحكومة، وبأي برنامج، وفي أي اتجاه.

تكمن المفارقة في أن نتنياهو، رغم خسارته الأغلبية، يتصرف وكأنه ما زال صاحب القرار النهائي، فيما يبدو معسكر التغيير متردداً في تحمّل تبعات الفوز، فالمشكلة ليست في الأرقام وحدها، بل في الحسابات الأيديولوجية والسياسية التي قد تعيد إنتاج الواقع القائم، سواء عبر حكومة وحدة قومية أو صيغ استثنائية لتجاوز المأزق، وإن عجز المعارضة عن تشكيل بديل، إذا استمر، لن يكون دليلاً على قوة نتنياهو الانتخابية، بقدر ما سيكشف حدود استعداد خصومه للتغيير، ولا سيما حين يصبح تشكيل حكومة جديدة مرتبطاً بالاستناد إلى التمثيل العربي الفلسطيني.

وتؤكد هذه النتائج أن تراجع اليمين برلمانياً لا يعني بالضرورة انحسار نفوذه الأيديولوجي والمجتمعي، فالمشروع الذي يمثله نتنياهو وحلفاؤه، والقائم على الاستيطان والضم وفرض الوقائع بالقوة وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، تجاوز حدود الائتلاف الحكومي ليصبح اتجاهاً راسخاً في السياسة الإسرائيلية بما في ذلك جزء من المعارضة، وقد تجلّت أخطر تعبيراته في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وما رافقها من قتل ودمار وتهجير واسع النطاق، وفي اعتداءات مليشيات المستوطنين الاستعماريين في الضفة الغربية، لذلك، لا يجوز اختزال الأزمة في شخص نتنياهو، أو اعتبار خسارته دليلاً كافياً على تراجع الفاشية والعنصرية؛ فالاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت السياسات التي غذّت الاحتلال والاستعمار الاستيطاني ستتغير أم ستعاد صياغتها تحت قيادة مختلفة.

وفي هذا السياق، يبرز التصويت العربي الفلسطيني بوصفه أحد أهم تحولات الانتخابات، فحصول القائمتين العربيتين على 19 مقعداً، وفق النتائج النهائية المعلنة، يؤكد الثقل السياسي لفلسطينيي الداخل وقدرتهم على التأثير في موازين السلطة، كما يعكس ارتفاع المشاركة الشعبية بالتصويت إدراكاً لخطورة المرحلة وحرصاً على الدفاع عن الوجود والحقوق والكرامة في مواجهة تصاعد النزعات الفاشية والعنصرية.

لكن المفارقة أن هذا الوزن الانتخابي يصطدم باستمرار مع منطق الإقصاء لدى قطاعات من المعسكرات الصهيونية، التي قد تحتاج إلى الأصوات العربية لتشكيل الحكومة، لكنها تتردد في الاعتراف بأصحابها شركاء متساوين في الحياة السياسية، وهنا ينكشف التناقض في خطاب التغيير: كيف يمكن الادعاء بالسعي إلى بديل ديمقراطي مع استمرار استبعاد المواطنين العرب، وإبقاء الحقوق الوطنية الفلسطينية خارج الحسابات الأساسية للبديل المقترح؟ إن تحويل الوزن الانتخابي العربي إلى تأثير سياسي فعلي يتطلب تجاوز منطق الإقصاء، لا استدعاءه وفق مقتضيات الحسابات البرلمانية.

ومع ذلك، لا نخلط بين أهمية التصويت العربي والرهان على المعسكرات الإسرائيلية الأخرى، فمعارضة نتنياهو لا تعني تلقائياً معارضة الاحتلال، والاختلاف معه في إدارة الحكم أو في قضايا القضاء والأمن لا يشكّل، بمفرده، برنامجاً للسلام، كما أن أي محاولات لتعطيل انتقال السلطة عبر مزاعم التزوير أو ترتيبات استثنائية يجب أن تخضع للأدلة والإجراءات القانونية المستقلة، وألا تتحول إلى أدوات للالتفاف على النتائج أو نزع الشرعية عن التصويت العربي، فالمعيار الفلسطيني ليس مَن يحكم إسرائيل، بل مدى استعداد أي حكومة لإنهاء الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، والاعتراف بحقوق شعبنا الوطنية المشروعة.

وانطلاقاً من رؤيتنا في جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، فإن هدفنا لا يقتصر على إسقاط حكومة نتنياهو وائتلافه، على أهمية ذلك في مواجهة القوى الأكثر تطرفاً وعداءً لشعبنا، بل يتجاوزهما إلى إنهاء منظومة الاحتلال والعنصرية والاستعمار الاستيطاني، أياً كانت الحكومة التي تديرها أو الشعارات التي تتخفى وراءها، فإزاحة ائتلاف حاكم لا تعني تفكيك المشروع الذي جمع أطرافه، وما لم يتحول التنافس الإسرائيلي الداخلي إلى مراجعة فعلية لسياسات الاحتلال، فسيظل التغيير محصوراً في إدارة الأزمة لا في معالجة أسبابها.

إن معيارنا في تقييم أي حكومة أو معسكر سياسي هو مدى استعداده لإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والضم والتهجير، والاعتراف بحق شعبنا في تقرير مصيره وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق شعبنا، وما دون ذلك ليس تحولاً استراتيجياً، بل اختلاف في أساليب إدارة الصراع.

إن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي الترحيب بكل تراجع في قدرة القوى الأكثر تطرفاً على فرض أجندتها، وتقدير الدور السياسي لفلسطينيي الداخل، من دون إسقاط أوهام على التنافس الحزبي الإسرائيلي، فالمعركة ليست على تبديل الوجوه، بل على تغيير الواقع؛ وليست على تشكيل حكومة فحسب، بل على إنهاء منظومة الاحتلال، ويبقى رهاننا الأساسي على صمود شعبنا ووحدته الوطنية ونضاله المتواصل، وعلى تحويل التحولات في موازين القوى إلى فرص لتعزيز حقوقه، لا إلى مبررات لتأجيلها، فسقوط الأغلبية قد يفتح باباً للتغيير، لكنه لا يسقط منظومة الاحتلال؛ وخسارة نتنياهو لا تعني بالضرورة هزيمة مشروعه، فلا سلام عادلاً من دون إنهاء الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والعنصرية، وضمان حرية شعبنا وحقه في تقرير المصير والاستقلال.

 

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب