
السؤال لم يعد مجرد مطالبة بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور، بل أصبح سؤالاً عن مسؤوليتها التاريخية والسياسية والأخلاقية والقانونية تجاه الشعب الفلسطيني، في ضوء النتائج التي ترتبت على ذلك الوعد والواقع الفلسطيني الراهن.
فبريطانيا لم تكن طرفاً بعيداً عن الأحداث التي شهدتها فلسطين، بل كانت الدولة التي أصدرت وعد بلفور عام 1917، ثم تولت الانتداب على فلسطين، وأدرجت الوعد في صك الانتداب، وأسهمت سياساتها خلال تلك المرحلة في تشكيل المسار الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية.
المطلوب من الحكومة البريطانية أن تقدم اعترافاً رسمياً وواضحاً بأن وعد بلفور كان قراراً سياسياً اتُّخذ بشأن مستقبل فلسطين دون استشارة شعبها، وأن تطبيقه في ظل الانتداب ساهم في نشوء المأساة الفلسطينية.
ولا يكفي أن تعتبر بريطانيا الوعد حدثاً تاريخياً انتهى أثره، لأن نتائجه ما زالت حاضرة في حياة الفلسطينيين.
المطلوب أن تقدم بريطانيا اعتذاراً رسمياً عن الدور الذي أدته سياساتها خلال فترة الانتداب، وعن الأضرار التاريخية التي لحقت بالشعب الفلسطيني.
وينبغي أن يكون الاعتذار:
* واضحاً وصريحاً.
* موجهاً إلى الشعب الفلسطيني.
* معترفاً بالمعاناة والتهجير وفقدان الممتلكات.
* مرتبطاً بإجراءات عملية، لا أن يبقى مجرد موقف رمزي.
على بريطانيا أن تستخدم موقعها السياسي والدبلوماسي لدعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بما يشمل:
* إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
* إنهاء الاحتلال وفق القانون الدولي.
* ضمان الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني.
* حماية القدس والمقدسات وفق الأطر القانونية الدولية.
تُعد قضية اللاجئين من أهم النتائج المستمرة للنكبة الفلسطينية عام 1948.
ومن المطلوب أن تدعم بريطانيا معالجة هذه القضية وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولا سيما القرار 194، بما يتناول حق العودة والتعويض واستعادة الممتلكات وفق الأطر القانونية ذات الصلة.
لا يمكن أن تكون بريطانيا داعمة للحقوق الفلسطينية من جهة، وأن تستمر في سياسات قد تسهم في استمرار الاحتلال أو الانتهاكات من جهة أخرى.
والمطلوب عملياً:
* وقف تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية التي يمكن أن تُستخدم في انتهاكات القانون الدولي.
* منع التعامل الاقتصادي الذي يدعم المستوطنات غير القانونية.
* اتخاذ إجراءات دبلوماسية وسياسية ضد السياسات التي تعرقل قيام الدولة الفلسطينية.
* ربط العلاقات والتعاون مع الحكومة الإسرائيلية باحترام القانون الدولي.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن بريطانيا اتخذت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه؛ فقد علّقت في أيلول 2024 نحو 30 ترخيصاً لتصدير أسلحة إلى إسرائيل مرتبطة باستخدامها في العمليات العسكرية في غزة،
في 21 أيلول 2025 أعلنت بريطانيا رسمياً اعترافها بدولة فلسطين، في تحول مهم في سياستها الخارجية.
وقد أوضحت الحكومة البريطانية أن الاعتراف يستند إلى خطوط عام 1967، مع إمكانية تبادل أراضٍ يتفق عليها الطرفان، وأن الهدف هو دعم حل الدولتين.
لكن الاعتراف الدبلوماسي وحده لا يكفي، والمطلوب أن تترجمه بريطانيا إلى خطوات عملية، منها:
* دعم السيادة الفلسطينية الفعلية.
* حماية الأراضي الفلسطينية من التوسع الاستيطاني.
* دعم المؤسسات الفلسطينية.
* المساهمة في إعادة إعمار غزة.
* دعم مسار سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية والاستقرار
من المطالب التي يمكن طرحها على بريطانيا أن تسهم في معالجة الأضرار الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت عبر عقود.
ويشمل ذلك:
* المساهمة في إعادة إعمار غزة والبنية التحتية المدمرة.
* دعم المستشفيات والمدارس والجامعات.
* تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية.
* دعم برامج معالجة آثار التهجير واللجوء.
* دعم توثيق الممتلكات والأراضي الفلسطينية التي فقد أصحابها القدرة على الوصول إليها.
ولا يعني ذلك أن بريطانيا وحدها مسؤولة عن كل ما جرى، بل إن مساهمتها ينبغي أن تكون متناسبة مع دورها التاريخي وقدرتها ومسؤولياتها السياسية.
من المهم أن تعترف بريطانيا بتاريخ الانتداب ووعد بلفور بصورة موضوعية ونتائجها الكارثية.
فالاعتراف بالتاريخ خطوة ضرورية لمنع تكرار الأخطاء السياسية
ومن المهم ألا تبقى المطالب في إطار النظريات التاريخية، بل أن نقارن بينها وبين المواقف البريطانية الحالية.
هناك تطورات تستحق الانتباه:
* في أيلول 2025 اعترفت بريطانيا رسمياً بدولة فلسطين
* في 2 تشرين الأول 2026 أكدت الحكومة البريطانية اعترافها بفلسطين على أساس حدود عام 1967
* في 8 أيلول 2026 أعلن وزير الخارجية البريطاني موقفاً رسمياً يعتبر استمرار الاحتلال غير قانوني، وأعلن إجراءات جديدة تستهدف المستوطنات وتوسيع القيود على صادرات السلاح المرتبطة بالاحتلال.
هذه خطوات سياسية مهمة، لكنها لا تعني أن جميع المطالب التاريخية الفلسطينية قد تحققت.
ولا يزال الاعتذار الرسمي عن وعد بلفور، والاعتراف بالمسؤولية التاريخية وما يرتبط بها من إجراءات .
فالاعتذار وحده لا يعيد أرضاً، ولا ينهي احتلالاً، ولا يعيد لاجئاً إلى وطنه، ولا يعالج آثار النكبة.
ولكن الاعتذار الرسمي يمكن أن يشكل بداية لمسار من الاعتراف بالمسؤولية التاريخية والإنصاف.
إن المطلوب من بريطانيا اليوم هو الانتقال من الاعتراف بتاريخها في فلسطين إلى تحمّل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن نتائج سياساتها، والمساهمة في معالجة آثارها، لا الاكتفاء بإعلان مواقف دبلوماسية.
ان دور الانتداب البريطاني وتطبيق سياسة الوعد وما رافقها من تحولات.منذ ١٩٤٨ وما بعدها
النكبة والتهجير واللجوء واستمرار الصراع.وحرب الابادة الجماعيه الان ومشاريع التطهير العرقي وتغول الاستيطان واستمرار العدوان
المطلوب اليوم
الاعتراف بالمسؤولية، والإنصاف، والحقوق، وتقرير المصير،
«إن مرور أكثر من قرن على وعد بلفور لا يعفي بريطانيا من مسؤولية مراجعة تاريخها، ولا يجعل القضية الفلسطينية شأناً من الماضي. فالشعوب لا تنسى حقوقها بمجرد مرور الزمن، والقرارات السياسية لا تفقد آثارها لمجرد أن أصحابها غادروا السلطة.
إن المطلوب من بريطانيا ليس أن تعتذر عن رسالة كتبت عام 1917 فحسب، بل أن تساهم في تصحيح ما ترتب على سياساتها، وأن تجعل اعترافها بالدولة الفلسطينية مقدمة لخطوات عملية تحقق الحرية والسيادة والعدالة للشعب الفلسطيني.
فإذا كان وعد بلفور قد ساهم في تغيير مستقبل فلسطين دون إرادة شعبها، فإن الواجب التاريخي اليوم هو دعم حق هذا الشعب في أن يقرر مستقبله بإرادته الحرة واستعادة كافة حقوقه .
عضو المكتب السياسي للجبهة




