المهندس يوسف الجعبري: بلدية الخليل سجلت نحو 4800 مواطن بين مهجرين ومتضررين نتيجة العدوان على منطقتي عين دير بحة والجلدة
عبده إدريس: هدم المحال والمنشآت الاقتصادية والتجارية ألحق خسائر كبيرة بالقطاع الخاص والخسائر الإجمالية قد تصل لعشرات ملايين الشواكل
د. بلال الشوبكي: العدوان على الخليل قد يكون اختباراً لردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية على خطوات أكبر يمكن أن تقدم عليها إسرائيل
هاني أبو السباع: الإصرار على استمرار العدوان على الخليل رغم عدم الحاجة لذلك يعكس بحث حكومة الاحتلال عن ذريعة لتوسيع التهجير
د. مؤيد عفانة: الخسائر الاقتصادية بسبب العدوان تبلغ نحو 12 مليون شيكل يومياً واستمرار الأزمة والإغلاق لفترة طويلة سيؤدي لخسائر تراكمية أكبر
د. ثابت أبو الروس: الخليل تسهم بأكثر من 45% من القدرة الصناعية الوطنية واستمرار عزلها يهدد الاستدامة الاقتصادية والتنموية في الأراضي الفلسطينية
رام الله – خاص بـ”ے”-
لم تعد تداعيات العدوان الإسرائيلي على الخليل محصورة في التهجير القسري وهدم المنازل والمنشآت، إذ تتسع لتطول البنية الاقتصادية الفلسطينية، في ظل استهداف مدينة تعد من أبرز مراكز الإنتاج الصناعي والتجاري الفلسطيني ما يجعل التأثيرات والتداعيات تطول الضفة الغربية، علاوة على أن استهداف الخليل وعزلها قد يأتي كتجربة إسرائيلية لتطبق في بقية الضفة الغربية.
ويؤكد مسؤولون وكتاب ومحللون سياسيون واقتصاديون في أحاديث منفصلة مع “ے”، أن الحصار وإغلاق المناطق والمنشآت وتعطيل حركة العمال والبضائع، لا تعني خسائر محلية للخليل فحسب، بل تهدد بتعطيل حلقات أساسية من النشاط الاقتصادي الوطني، وتضع آلاف المصالح والأسر أمام تداعيات معيشية متفاقمة، فيما تنتقل آثار الأزمة من أصحاب المصانع والتجار إلى العمال والموردين والمستهلكين في مناطق أخرى، وبالتالي إضعاف القدرة الإنتاجية الفلسطينية وتوسيع حالة الانكماش، فضلاً عن تقويض فرص التعافي والاستثمار.
ولا يقتصر العدوان الإسرائيلي على الخليل على الإجراءات العسكرية والتهجير القسري، بل يتجاوزهما إلى محاولة فرض وقائع سياسية وميدانية جديدة في الضفة الغربية، ضمن أجندة تستهدف توسيع السيطرة والضم وعزل التجمعات الفلسطينية.
الحصار والتهجير مستمران
يوضح رئيس بلدية الخليل، المهندس يوسف الجعبري، أن مدينة الخليل لا تزال تحت الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ الثالث العشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، في ظل إغلاق مداخلها ومنع الدخول إليها والخروج منها، وتوسيع الإجراءات العسكرية والعقوبات الجماعية، ولا سيما في منطقتي عين دير بحة والجلدة.
ويؤكد الجعبري أن بلدية الخليل سجلت نحو 4800 مواطن بين مهجرين ومتضررين نتيجة العدوان على منطقتي عين دير بحة والجلدة، موضحاً أن أكثر من 3300 مواطن هُجّروا من منازلهم، فيما لا يزال أكثر من 1500 مواطن محاصرين داخل المنطقتين، نتيجة إغلاقها ومنعهم من الحركة.
في إطار سياسة العقاب الجماعي
ويبين الجعبري أن الآليات العسكرية الإسرائيلية تنتشر في شوارع مدينة الخليل، بالتزامن مع هدم المنازل وتوسيع دائرة المناطق المحاصرة، معتبراً أن ما يجري يندرج في إطار سياسة العقاب الجماعي بحق سكان الخليل.
ويؤكد الجعبري أن الحصار يأتي على مدينة الخليل التي تعاني أصلاً من قيود فرضها بروتوكول الخليل الموقع عام 1997، والذي قسّم المدينة إلى قسمين، وأبقى مناطق مغلقة منذ نحو 30 عاماً، لا يمكن الدخول إليها أو الخروج منها إلا بتصاريح أو عبر بوابات إلكترونية.
خنق اقتصادي
وعلى الصعيد الاقتصادي، يشير الجعبري إلى أن الخليل تشكل نحو 40% من الاقتصاد الفلسطيني، وتضم أكثر من أربعة آلاف منشأة اقتصادية وتجارية، لكن الحصار تسبب بخسائر تتجاوز أربعة ملايين دولار يومياً في القطاع الاقتصادي، إضافة إلى نحو مليوني دولار أضراراً في البنية التحتية التابعة للبلدية.
ويلفت الجعبري إلى تعذر وصول المواد الخام والبضائع إلى المصانع، ومنع خروج المنتجات المصنعة منها، فضلاً عن عجز مئات، بل آلاف العمال، من الوصول إلى أماكن عملهم، مؤكداً أن الاحتلال هدم أكثر من خمس منشآت تجارية ومعارض منذ اليوم الأول للعملية.
أضرار اجتماعية
ولم تقتصر التداعيات على الاقتصاد، وفق الجعبري، إذ طاولت القطاعات التعليمية والصحية والسياحية، حيث حُرم نحو 80 ألف مواطن من ممارسة التعليم، وأُغلقت خمس جامعات تضم عشرات الآلاف من الطلبة، فيما تعطلت المدارس الحكومية والخاصة، كما تواجه المستشفيات صعوبات في التعامل مع الحالات المرضية، في ظل تعذر خروج المرضى من المدينة ومنع استقبال حالات من خارجها.
وفي تفسيره لأهداف العملية، يوضح الجعبري أن حكومة بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف استثمرا ما جرى في المشهد الانتخابي الإسرائيلي، لكنه يحذّر من أن الأخطر يتمثل في محاولة تكريس سياسة الإخلاء القسري لتصبح نموذجاً يمكن تكراره في حال وقوع عمليات أخرى، بهدف التضييق على الفلسطينيين ودفعهم إلى التفكير بالهجرة، ليس من الخليل وحدها، وإنما من الضفة الغربية وفلسطين عموماً.
محاولات تعزيز صمود السكان
ويؤكد الجعبري أن بلدية الخليل، بالتنسيق مع المؤسسات الفلسطينية، تعمل رغم محدودية إمكانياتها على وضع سياسات مضادة لتعزيز صمود السكان، وإعادتهم إلى منازلهم، وإعادة فتح المسجد الإبراهيمي وإحياء البلدة القديمة والمناطق المغلقة والمحيطة بها، مشدداً على أن مواجهة التهجير تتطلب تثبيت الوجود الفلسطيني في الأرض.
الأولوية لإعادة المهجرين
يؤكد رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية ورئيس غرفة محافظة الخليل، عبده إدريس، أن الأولوية في ظل الأوضاع الراهنة التي تشهدها الخليل تتمثل في إنهاء معاناة العائلات التي أُجبرت على إخلاء منازلها، مشيراً إلى أن أكثر من 500 أسرة طُردت من أماكن سكنها، وتواجه أوضاعاً إنسانية واجتماعية بالغة الصعوبة، في ظل وجود أطفال ونساء وكبار سن ومرضى بين أفرادها.
ويوضح إدريس أن هذه العائلات لا علاقة لها بالأحداث الجارية، ومن حقها العيش بأمان واستقرار والعودة إلى منازلها، وفق ما تكفله القوانين والأنظمة الدولية والحقوق الإنسانية، مشدداً على أن مطلب عودة المواطنين إلى بيوتهم يتصدر أولويات التحركات والاتصالات التي تجريها المؤسسات الفلسطينية.
تداعيات اقتصادية تصل الضفة الغربية
ويبين إدريس أن التداعيات الاقتصادية للحصار والإغلاق المفروضين على الخليل لا تقتصر عليها، بل تمتد إلى مختلف محافظات الوطن، باعتبار الخليل مركزاً اقتصادياً مهماً وركيزة أساسية للاقتصاد الفلسطيني.
ويلفت إدريس إلى أن هدم المحال والمنشآت الاقتصادية والتجارية ألحق خسائر كبيرة بالقطاع الخاص، فيما تعمل الفرق المختصة على إحصاء حجم الأضرار، في ظل استمرار عمليات الهدم وعدم توقفها حتى الآن.
الإغلاق يعرقل سلاسل التوريد
ويؤكد إدريس أن الإغلاق يعرقل سلاسل التوريد بين الخليل وبقية المحافظات، ولا سيما ما يتعلق بالسلع الغذائية والمواد الأساسية واحتياجات المواطنين، الأمر الذي بدأ ينعكس على الأسواق الفلسطينية عموماً، ويؤدي إلى اضطراب وصول المنتجات الأساسية وتوزيعها.
ويشير إدريس إلى أن نحو 370 محلاً ومنشأة اقتصادية أُغلقت في المنطقة المستهدفة عين دير بحة والجلدة، وكانت توفر قرابة ألف فرصة عمل، ما أدى إلى تعطل العاملين فيها، سواء الذين كانوا يعملون داخل المنطقة أو يأتون إليها من خارجها.
انكماش الحركة التجارية
كما تسبب الحصار المفروض، وفق إدريس، في انكماش الحركة التجارية، وأصبحت الأسواق شبه خالية من المتسوقين، بما يفاقم الأضرار التي يتكبدها التجار وأصحاب المنشآت.
ويبيّن إدريس أن تقديرات أولية تشير إلى خسائر مباشرة بسبب الحصار والعدوان على الخليل تبلغ نحو 12 مليون شيكل يومياً، من دون احتساب الخسائر غير المباشرة التي هي أكبر بكثير، مرجحاً أن تصل الخسائر الإجمالية إلى عشرات ملايين الشواكل، في ظل تعطل المصانع وخطوط الإنتاج والمنشآت الاقتصادية الواقعة خارج المنطقة المغلقة أيضاً، وصعوبة وصول العمال والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج إليها.
عقوبات جماعية مرفوضة
ويشدد إدريس على أن هذه الإجراءات تمثل عقوبات جماعية مرفوضة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية المتراكمة أصلاً بفعل الحواجز والبوابات والإغلاقات في مختلف المحافظات.
ويوضح إدريس أن لجنة طوارئ تضم المحافظة والبلدية وملتقى رجال الأعمال والهلال الأحمر والغرفة التجارية ومؤسسات المحافظة، تعمل على مساعدة المتضررين وتقديم ما تستطيع من دعم، بالتوازي مع اتصالات محلية وخارجية يجريها القطاع الخاص لوقف الإجراءات الإسرائيلية.
ويؤكد إدريس أن المطلوب قبل كل شيء رفع الحصار ووقف الهدم وإعادة المواطنين إلى منازلهم، معتبراً أن عودة العائلات إلى بيوتها تمثل المدخل الأساسي لمعالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية التي خلفتها هذه الإجراءات.
ذرائع إسرائيلية لتسويغ استهداف الخليل
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، د. بلال الشوبكي، أن استمرار العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل، رغم مرور أيام على انطلاقها، يؤكد أن المبررات والذرائع الأمنية التي قدمتها إسرائيل لتسويغ العملية لا تتجاوز كونها ادعاءات، مشيراً إلى أن طبيعة الإجراءات المتخذة والمناطق المستهدفة، وما يرافقها من إخراج السكان من منازلهم وتقييد حرية الحركة، لا تؤدي دوراً أمنياً حقيقياً.
ويوضح الشوبكي أن ما يعزز هذه القراءة هو مواجهة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للحكومة، بعدما أشار رئيس هيئة الأركان إلى أن العملية استنفدت أهدافها داخل مدينة الخليل، إن كانت لها أهداف أمنية أساساً، ولم يعد هناك ما يستدعي استمرارها.
ويعتبر الشوبكي أن ذلك يكشف أن قرار مواصلة العملية سياسي وحكومي، وليس قراراً تفرضه الضرورات الأمنية، ما يستدعي البحث في الأهداف السياسية القريبة والبعيدة التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها.
إسرائيل تستغل الظروف
ويبيّن الشوبكي أن استمرار تهجير المواطنين والسيطرة على مناطق بعينها، مثل عين دير بحة ومنطقة الجلدة، إلى جانب إغلاق المدينة، يمكن قراءته في اتجاهين؛ أولهما أن إسرائيل ترى أن الظروف الراهنة تتيح لها المضي قدماً في تنفيذ أجندتها المتعلقة بالضفة الغربية، من ضم وتوسع وفرض السيطرة، ضمن خطط إسرائيلية سابقة لعملية إطلاق النار التي وقعت في منطقة فرش الهوى وقتل فيها إسرائيليان.
أما الاتجاه الثاني، وفق الشوبكي، فيتمثل في أن العملية العسكرية المستمرة في مدينة الخليل قد تكون اختباراً إسرائيلياً لردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية على خطوات أكبر يمكن أن تقدم عليها إسرائيل لاحقاً.
ووفق الشوبكي، فإن إسرائيل أغلقت مدينة كبرى، وسيطرت على تجمعات سكنية واسعة، وأخرجت الفلسطينيين من منازلهم، من دون أن تواجه تحركاً مناوئاً لهذه السياسات، باستثناء بيانات الاستنكار والإدانة، وهو ما قد يمنحها انطباعاً بإمكانية تنفيذ مخططات أوسع في الضفة الغربية، استناداً إلى نتائج هذا الاختبار.
وفي ما يتعلق بتزامن العملية مع المشهد الانتخابي الإسرائيلي وما تلاه، يرى الشوبكي أن ذلك يمثل توظيفاً واستثماراً في المشهد السياسي الداخلي أكثر من كونه سبباً حقيقياً للعملية العسكرية.
ويشدد الشوبكي على أن جوهر ما يجري يرتبط بمخططات إسرائيلية للضفة الغربية، إما بدأت تُنفذها إسرائيل تدريجياً من شمال الضفة باتجاه جنوبها، أو أن ما يحدث في الخليل يشكل اختباراً لقياس ردود الفعل قبل الانتقال إلى خطوات أكبر.
سياسة انتقام وعقاب جماعي
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن الحكومة الإسرائيلية تستغل عملية إطلاق النار التي نُفذت في مدينة الخليل صباح الثالث والعشرين من الشهر الماضي، ونفذها شابان من مدينة الخليل، لفرض سياسة انتقام وعقاب جماعي بحق الفلسطينيين، في ظل توقيت سياسي وأمني حساس شهدته إسرائيل مع اقتراب الانتخابات والاستنفار الأمني الكبير.
ويوضح أبو السباع أن قيادة الجيش الإسرائيلي أقامت، مباشرة بعد العملية، غرفة عمليات متقدمة في موقعها، وعقدت اجتماعاً عاجلاً بمشاركة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى جانب قيادة الأركان في الضفة الغربية، لاتخاذ سلسلة قرارات تحمل جميعها شعار الانتقام والعقاب الجماعي.
قرارات تنفذ للمرة الأولى منذ العام 1967
ويبين أبو السباع أن القرارات شملت، للمرة الأولى منذ عام 1967، تنفيذ عمليات هدم فورية وتهجير السكان من المنطقة التي خرج منها المنفذان، ما أدى إلى ترك آلاف المواطنين بلا مأوى، بالتزامن مع فرض الحصار على مدينة الخليل وتعطيل المؤسسات وشل الحياة العامة، وسط خسائر اقتصادية بلغت ملايين الشواقل وما زالت تتفاقم.
الخليل شريان اقتصاد فلسطين
ويشير أبو السباع إلى أن الخليل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الفلسطيني ورافداً مهماً لخزينة السلطة الفلسطينية، إذ تعتمد آلاف الأسر في معيشتها على المصانع المنتشرة في المدينة، خصوصاً بعد إغلاق سوق العمل داخل إسرائيل منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
الخليل تواجه نكبتين
ووفق أبو السباع، فإنه بذلك تواجه المدينة نكبتين متزامنتين: تهجير آلاف السكان من منازلهم وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، وضرب اقتصادها مع خلو الشوارع وتوقف جانب كبير من النشاط التجاري والصناعي.
ويلفت أبو السباع إلى أن الخليل لا تضم أنفاقاً أو معسكرات أو وجوداً مسلحاً، ومع ذلك تتعرض لاستباحة عسكرية، معتبراً أن تصريحات الوزراء الإسرائيليين بشأن تهجير السكان بلا رجعة وتدمير منازلهم، على غرار ما جرى في غزة ولبنان، تكشف انتقال الحكومة الإسرائيلية من سياسة الردع إلى الانتقام.
ويؤكد أبو السباع أن إصرار نتنياهو على استمرار العملية العسكرية في الخليل، خلافاً للتقييم الأمني الذي أكد أنه لا ضرورة لذلك، يعزز الاعتقاد بأن الحكومة الإسرائيلية تبحث عن ذريعة لتوسيع تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية، وصولاً إلى ضرب مقومات الاقتصاد وخلق بيئة طاردة للحياة تدفع السكان إلى الهجرة.
تقويض الاقتصاد الوطني
يحذر الخبير الاقتصادي والمالي د. مؤيد عفانة من التداعيات المتصاعدة للحصار والعمليات العسكرية الإسرائيلية في محافظة الخليل، مؤكداً أن ما تتعرض له المحافظة لا يقتصر تأثيره على اقتصادها المحلي، وإنما يهدد بتقويض الاقتصاد الوطني الفلسطيني، نظراً لمكانة الخليل باعتبارها مركزاً اقتصادياً رئيسياً وشرياناً أساسياً للإنتاج والتجارة والتشغيل في فلسطين.
ويوضح عفانة أن التقديرات تشير إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الإجراءات الإسرائيلية في الخليل تبلغ نحو 12 مليون شيكل يومياً، محذراً من أن استمرار الأزمة والإغلاق لفترة طويلة سيؤدي إلى خسائر تراكمية أكبر بكثير، يصعب على المنشآت الاقتصادية تعويضها، موضحاً أن المنشأة التي تستطيع تجاوز خسائر الإغلاق لفترة قصيرة قد تفقد تدريجياً قدرتها على التعافي والتعويض إذا طال أمد التعطيل.
قاعدة صناعية وإنتاجية واسعة
ويشير عفانة إلى أن أهمية الخليل الاقتصادية لا تنحصر في كونها مركزاً تجارياً، بل تمتلك قاعدة صناعية وإنتاجية واسعة تشمل الصناعات الغذائية والأجبان والمنتجات الاستهلاكية، إلى جانب صناعات الحجر والأحذية وغيرها، ما يجعل تعطيل النشاط الاقتصادي فيها ذا انعكاسات مباشرة على مجمل الاقتصاد الفلسطيني، الذي يعاني أصلاً من تداعيات إجراءات الاحتلال وتراجع الناتج المحلي الإجمالي واتساع الفجوة الاقتصادية.
ويلفت عفانة إلى أن الأضرار لا تقتصر على رأس المال والمنشآت الاقتصادية، بل تمتد إلى رأس المال البشري، بفعل تعطيل الحياة العامة والمدارس والجامعات والخدمات الصحية والعامة، وما يترتب على ذلك من فاقد تعليمي وصحي وخدمي، مؤكداً أن المفهوم الاقتصادي الحديث يعتبر الإنسان ورأس المال البشري جزءاً أساسياً من مدخلات العملية الإنتاجية، وأن تعطيل هذه الموارد يراكم الخسائر ويعمق الأزمة الاقتصادية على المدى البعيد.
ويشير عفانة إلى الجهود التي تبذلها بلدية الخليل ومؤسسات المدينة لمواجهة التداعيات، معتبراً أن تحويل الحكومة الفلسطينية مبلغاً مالياً لدعم المدينة والبلدية خطوة إيجابية، رغم أن حجم الاحتياجات يفوق المساعدات المقدمة، مشدداً على أهمية التعاضد والتعاون في هذه المرحلة.
مخاوف من استدامة العدوان
ويحذر عفانة من استغلال إسرائيل الوضع الأمني لفرض حصار اقتصادي واجتماعي طويل الأمد على الخليل، على غرار ما جرى في شمال الضفة الغربية، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية التي قُدمت باعتبارها محدودة في يناير/ كانون الثاني 2025، لا تزال مستمرة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، بعد نحو عامين، مع استمرار نزوح وتهجير أكثر من 40 ألف فلسطيني من مساكنهم وتدهور أوضاعهم الاقتصادية.
ويشدد عفانة على ضرورة التحرك العاجل لتفادي تكرار هذا السيناريو في الخليل، داعياً الحكومة الفلسطينية والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية والعاملة في المحافظة إلى إطلاق حراك على المستويات الدولية والعربية للضغط من أجل إنهاء الحصار ومنع استمراره، محذراً من أن استهداف الخليل، بما تمثله من ثقل اقتصادي وديموغرافي، ستكون له انعكاسات واسعة على مجمل الاقتصاد الوطني الفلسطيني.
استهداف المنظومة الاقتصادية للخليل
يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن محافظة الخليل تتعرض لحصار مشدد وعمليات عسكرية ممنهجة تستهدف بنيتها التحتية ومقوماتها الاقتصادية والإنتاجية، معتبراً أن ما يجري يتجاوز التداعيات الأمنية والإعلامية، ليطال بصورة مباشرة المنظومة الاقتصادية للمحافظة، التي تشكل إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الفلسطيني.
أبعاد متعددة للخسائر الاقتصادية
ويوضح أبو الروس أن الخسائر الاقتصادية المباشرة تتخذ أبعاداً متعددة، أبرزها النزيف المالي اليومي، إذ تتكبد المحافظة خسائر تتجاوز 4 ملايين دولار يومياً، نتيجة الحصار وشلل الحركة التجارية والاقتصادية.
ويشير أبو الروس إلى أن الأسواق والقوة الشرائية شهدتا انكماشاً يقدر بنحو 70% في عموم المحافظة، ويصل إلى 80% داخل مدينة الخليل، التي تشكل مركزاً اقتصادياً وتجارياً يستقطب أعداداً كبيرة من الأيدي العاملة، ويخدم البلدات والمخيمات المحيطة، فضلاً عن كونها من أهم مراكز الإنتاج والتوريد للمحافظات الفلسطينية.
ويلفت أبو الروس إلى أن استهداف المنشآت الصناعية والتجارية في منطقة فرش الهوى، حيث جرى تخريب وهدم ما لا يقل عن 13 منشأة، يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الإنتاجي.
ويؤكد أبو الروس أن عدداً من المصانع اضطر إلى إغلاق خطوط إنتاج، بسبب تعذر تصدير منتجاته إلى المحافظات الفلسطينية، وعدم تمكن العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، الأمر الذي أدى إلى اضطراب سلاسل التوريد والإنتاج وتعطيل النشاط الصناعي.
ويشير أبو الروس إلى أن قطاع الألبان يعد من أكثر القطاعات تضرراً، إذ تقدر خسائره اليومية بنحو مليون شيكل، في ظل عمل مصانع الألبان الكبرى بطاقة إنتاجية لا تتجاوز 30% من قدرتها الفعلية، موضحاً أن طبيعة هذه المنتجات سريعة التلف تجعل تعذر تسويقها وتوزيعها أولاً بأول سبباً مباشراً في خسائر إضافية، وتهديداً للأمن الغذائي.
تداعيات تطول حركة التصدير
كما انعكس حصار الخليل بحسب أبو الروس، على حركة التصدير إلى الأسواق الفلسطينية التي تعتمد بدرجة كبيرة على منتجات الخليل الصناعية، وعلى البضائع المستوردة من الخارج والواصلة عبر المحافظة إلى بقية المناطق.
وفي قراءته للأبعاد الأوسع، يؤكد أبو الروس أن ما يجري في الخليل يمثل سياسة عقاب جماعي تستهدف تفكيك المنظومة الاقتصادية وتقويض رأس المال الوطني البشري، بالتزامن مع تهجير مئات العائلات وهدم المنشآت والمصانع، بما يهدد الركيزة الاقتصادية الرئيسية للمحافظة.
ويرى أبو الروس أن استهداف الخليل، باعتبارها عاصمة الإنتاج الفلسطيني، يحمل تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية، مشيراً إلى أنها تسهم بما لا يقل عن 45% من القدرة الصناعية الفلسطينية.
تهديد الاستدامة الاقتصادية والتنموية
ويحذر أبو الروس من أن استمرار عزل الخليل يهدد الاستدامة الاقتصادية والتنموية في مناطق السلطة الفلسطينية، ويضعف قدرتها على مواصلة الإنتاج والتشغيل والتجارة، لافتاً إلى أن إسرائيل بدأت بتطبيق نمط جديد يقوم على تحويل المدن إلى كانتونات معزولة، بدءاً من محافظة الخليل، بما يفتح الباب أمام عزل المحافظات الفلسطينية وتعطيل ترابطها الاقتصادي.





