ثقافة وادب

طيفُ نبيّ … شعرية الذات الحالمة … بقلم:سليم النفار

salim

   بعد لوعة الهروب وبين ذراعي قمر ، تجيءُ فاطمة الزهراء بنيس بإصدارها الثالث ‘ طيف نبيّ ‘ والذي صدر في العام/2011/ عن دار الغاوون بيروت, لتطلُ علينا من دواخلها ، من لهاثِ أوجاعها وجنوح روحها ، لتدلق بوحها الأجمل ، مؤمنةً بأن فضاءات نقية وحالمة ، ما تزالُ تحجز حدودها في الكون الشاسع ، وتمر على ذلك كلّه ثملة لا بالخمرة ، بل بقوة الروح التي تسعى لخلق عوالمها وفضاءاتها .

‘ يجاذبني الشراب

لا أشربُ

فقط

من بلاغة التحليق

أسكر ‘

الشعرُ سفرٌ باتجاهين ، سفر نحو العوالم الأخرى ، بقصد استقصاء الحقائق والنفوس والأشياء بأدق مكوّناتها ، وهو سفر نحو العوالم الداخلية للذات وهذا هو السفر الأصعب ، والأكثر مشقة ، لأنه يستلزم جرأة عالية ، ورؤية صافية ، لاستقصاء معالم الذات الجوانية وكشفها ، وربما تعريتها أحياناً ، بكل حالاتها : الطفولية والرغبوية الساكنة ، التي يحاول الإنسان غالباً ، عدم إظهارها .

وقليلاً ما ينجح الشعراء في شعرهم ، بالاقتراب وملامسة هذه المنطقة بالشفافية التي نتحدث عنها هنا ، وذلك لاعتبارات متعددة ومختلفة لا تعود لقدرة أو عدم قدرة فنية عند الشعراء ، بل لمكونات وعي تسمح أو لا تسمح بذلك .

وربما هذا الدخول الجزئي ، إلى ماهية الشعر ، يساعدنا على الدخول إلى عوالم / طيف نبي / وهو الديوان الشعري الجديد كما أسلفت للشاعرة المغربية / فاطمة الزهراء .

‘ طيف نبي ‘ نصوص شعرية خفيفة ، وخفّتها هنا لا تحمل المعنى السلبي ، بل الايجابي ، حيث أنها لغة تتمتع برقةٍ شفيفة ، وعوالم حالمة ، تحسن السفر الجواني ، إلى دواخل الذات الشاعرة ، الذات الإنسانة ، فترسم فضاءاتها كما تشتهي ، وتفجر اللغة خاصتها بأناةٍ ، تساعدها على تشظي المعنى الشفيف ، ولكن ذلك كلّه ، لا يغادر مربع معنى الحياة ، التي تريدها وتسعى إليها الشاعرة ، في تفاصيل موجزة عن روحها وجسدها الطافح برغبة الحياة .

‘ لا آبه بالأرض / كي تثمر أجنحتي ، نبضاً ‘

‘ ما أبهاني / بين شفتي بحر ‘

‘ طمرت فردوسي / بين نهديَّ / تأوهتُ : يا للذّةِ هذه الجحيم ‘

هذه بعض الأسطر الشعرية من طيف نبي ، ربما تدلل كما أعتقد ، على ما ذكرت من سعي حثيث من قبل الشاعرة ، إلى الحياة التي تريد ، وهي متهيئة لدفع الثمن مهما كان ، لأنها لا تريد شيئاً سوى ذاتها ، كما هي في نظرتها ورغباتها الجوانية.

 

 

 

نعم هكذا تحاول ‘ فاطمة ‘ في طيف نبي ، رسم نبيها الخاص بها ، رسم عالمها الشعري الجميل ، ولأن الشعر هو كتابة الذات ، أعتقد أن فاطمة أفلحت في محاولة جادة ومتميزة في كتابة ذاتها الأنثوية ، التي تسعى في عوالم قاسية ، بحثاً عن الفارس و الذات والفضاء خواصها .

ولأنها كذلك فهي لا تأبه بكل التفاصيل المعيقة في العالم الخارجي ، وهي لا تتكئ على رؤية بصرية خارجية ، فتراها ترتدُّ إلى دواخلها ، تبصرُ بحواسها الجوانية ، بوجدها وبوحها ، وبلا حواجز تتناغم مع موسيقا شهواتها وأشيائها ، وموجوداتها الحلمية .

هل قلت شيئاً عن فاطمة ، آمل أن أكون قد فعلت ؟

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى