الاخبارشؤون عربية ودولية

اقتصاد الانقلاب المصري.. مزيد من الأزمات

protesters-remem-photo-by-gigi-ibrahim

‹›

فيما كانت مصر تغذ الخطى في اتجاه إحياء الذكرى السنوية الأولى لانقلاب الثالث من تموز (يوليو)، استمر الاقتصاد بالترنح. وتعززت العودة المدعومة من الجيش إلى سياسات حقبة الدكتاتور السابق حسني مبارك بمنح سخية من دول مجلس التعاون الخليجي وبتعهدات غامضة باستثمارات مستقبلية لشركات غربية، لا سيما شركة كوكا كولا.
بالرغم من الدعم الإعلامي عالي النبرة للحكومة العسكرية، فقد أشعلت حالات النقص المتواصلة في الغاز وانقطاع الكهرباء، بالإضافة إلى قانون الحد الأدنى للأجور الذي كان قد سنه رئيس الوزراء (السابق) حازم الببلاوي والذي استثنى نسبة 75 % من الأكثر عوزاً من القوى العاملة، كلها أشعلت موجة من الإضرابات التي أجبرت حكومته على الاستقالة في 24 شباط (فبراير).
كان هذا هو السيناريو السائد عندما جاء المسؤولون المصريون صاغرين إلى القمة العربية التي عقدت في الكويت في أواخر شهر آذار (مارس) الماضي. وكان ثمة القليل من الأسباب للشعور بالارتياح في ضوء أن دول مجلس التعاون الخليجي تتقاتل فيما بينها وتختلف حول تعليق عضوية سورية، بينما نظر إلى باقي الأعضاء وأنهم حالات سلة اقتصادية.
بشكل عام، أصبحت جامعة الدول العربية غير ذات صلة على نحو متزايد وقد هيمنت عليها السعودية ودول الخليج الأخرى العالقة في شبكة من التناقضات، سواء من جهة إدانة الإخوان المسلمين في عموم المنطقة كتنظيم إرهابي، أو من جهة دعم الإرهابيين على شاكلة تنظيم القاعدة العازمين على إسقاط الدكتاتور السوري في نفس الوقت.
وكان شيوخ النفط في دول مجلس التعاون الخليجي قد “دفعوا” 15 بليون دولار كمساعدات لانقلاب شهر تموز (يوليو) المصري، لكن العطايا سرعان ما استخدمت لتقوية الجنيه المصري وأنفقت على حزمة محفزات يائسة بقيمة 4.9 بليون دولار. لكن الجنيه المصري تابع انزلاقه وتوقف النمو الاقتصادي (وصل في أفضل حالاته إلى 1 % في الربع الأول من العام 2014). ويقف عجز الموازنة عند 14 % من إجمالي الناتج القومي، في حين وصل معدل البطالة راهناً إلى 13.4 % والتضخم 10 % بينما يتسارع الدين العام شأنه شأن الدين الخارجي. ولا تقتصر مساعدات دول مجلس التعاون على النقود، بل تشمل أيضاً الوقود والغاز الطبيعي الذي كانت مصر تصدره بشكل ريادي حتى العام الماضي.
إلى ذلك، وصف تقرير صدر عن “بانك أف أميركا” محاولة المشير عبد الفتاح السيسي الوصول إلى الرئاسة بأنها “صديقة للسوق على المدى القريب”، لكنه حذر من أن تمسك السيسي بمسؤولين وسياسات لا ثقة فيها من حقبة مبارك لا تبشر بالخير على المدى البعيد، ما يشير إلى أنها “نسخة مخففة من نظام ما قبل الثورة”.
ثمة مشكلة رئيسية تواجه المستثمرين الأجانب هي شرعية الكثير من الخصخصة التي نفذت في ظل حكم مبارك. وبعد انتفاضة العام 2011، بدأ الفساد المتخفي فيها بالتكشف، وتم إطلاق حملة من التحديات القانونية لعمليات الخصخصة، وشرع القضاة في رفض صفقات تحت ضغط شعبي. ويستهدف مشروع قانون استثمار يعد حالياً منع أطراف ثالثة من الطعن في عقود بين الحكومة والمستثمرين.
من جهتهم، يريد المستثمرون الحصول على كعكتهم وأكلها: لا مزيد من مسؤولي مبارك الفاسدين، وفي نفس الوقت لا مزيد من الطعن في صفقات الاستثمار الفاسدة (والتي غالباً ما تجرد شركة حكومية من أصولها وتسرح العمال، مزيلة أي أرباح في الخارج).
كانت حكومة الإخوان المسلمين قد حاولت تربيع الدائرة. فسمحت بالطعن في حالات الخصخصة غير القانونية، وعكست وجهة الفساد الضخم وشجعت طبقة جديدة من رجال الأعمال الصغار والأكثر ورعاً على بناء مصر جديدة، في محاولة لمحاكات المعجزة التركية التي حدثت في ظل حكم الإسلاميين هناك. ومع أن مصر تبدو ناضجة لمثل هذا التطور، فإن الخوف من النخبة العلمانية وعدم رغبتها في إتاحة المجال لتقليل الفساد والمزيد من الدينامية والمزيد من الشرائح غير القاهرية من الرواد الناشئين في الوطن، تعني أن الطريق الوحيدة قدماً بالنسبة لمصر قد أغلقت “في المدى القريب”.
من الطبيعي أن يكون المصريون العاديون هم الذين يواجهون صخب الموسيقى، خسارة المساعدات والوظائف ومشاهدة أجورهم بالحد الأدنى تتآكل بفعل التضخم، في وقت يجري فيه تشكيل مناخ صديق لاستثمار مباركي جديد.
في الماضي، كانت الدول الخليجية تتلقى الحماية من البريطانيين، وراهناً تتلقاها من الأميركيين. والآن، كما يبدو الحال، أصبحت تعتقد بأن مليارات دولاراتهم ستشتري لهم “الأمن” من مصر. وهذا هو مضمون ما تعهد به الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور للصحافة الكويتية عشية القمة العربية: أمن دول مجلس التعاون الخليجي هو الآن مسؤولية قومية بالنسبة لمصر، نظراً لأنهم “شركاء في الهوية”. وشرح بالقول إن الدول العربية تعاني راهناً من “إرهاب أعمى”، وأعلن أن مصر ستحث البلدان العربية على وضع اتفاقية جديدة لمكافحة الإرهاب.
رأى العسكريون المصريون في الإخوان المسلمين تعاطفاً كبيراً مع القضية الفلسطينية، وبشكل خاص مع حركة حماس في غزة. ولذلك خافوا من أن يكون الإخوان المسلمون آخذين في الابتعاد عن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. وفي هذا الصدد، قد يحاجج المرء بأن الإخوان المسلمين كانوا يعالجون نفس المشكلة الجذرية “الإرهاب الأعمى” (مع أنهم يقولون بأنه الإرهاب الأميركي الإسرائيلي)، وأن تعاطفهم مع الغزيين كان لأن الغزيين “شركاء مصريين فعليين في الهوية”. (وفي الحقيقة، كانت مصر قد حكمت غزة حتى العام 1967).
كان الإخوان المسلمون في طور الحصول على تعهد بتمويل دولي لا قيمة له -الأموال المدخرة في أي مساعدات “تعديل هيكلي” لصندوق النقد الدولي، والتي تذهب بالطبع إلى المصرفيين الأجانب-  إلى حين سقطوط نظام الإخوان. وبدلاً من إنهاء المساعدات عبر “الحذف والحرق” حاولوا جعلها تعمل من دون فساد. وكرروا التفاوض مراراً مع صندوق النقد الدولي مقترحين في النهاية إلغاء بعض الدين باعتباره “ديناً كريهاً” في سابقة لم تكسبهم أي حلفاء في واشنطن، بالرغم من أن الولايات المتحدة كانت قد استخدمت هذا المبدأ لإلغاء ديون العراق الأجنبية في العام 2003.
بالإضافة إلى ذلك، كان الإخوان المسلمون يتحركون لإزاحة الجبل الإسرائيلي عبر رفض المفاوضات المؤدبة، وعملوا مباشرة مع حماس (وتوسطوا في المحادثات بين حماس وفتح) وطوروا خطة طموحة لتطوير سيناء، بما في ذلك بناء بنية تحتية مدنية وخلق صناعة وتقوية أمنها الداخلي والعسكري في خروج على الافتراض الأميركي- الإسرائيلي بأنها منطقة حرام. وكانت هناك تلميحات مغرية بأن مجموعة اقتصادية شرق أوسطية جديدة كانت قيد التشكيل، وكان من المقرر أن تشمل إيران. وقبل اعتقاله، أقدم الرئيس محمد مرسي على المئات من عمليات التسريح من الخدمة في صفوف الرتب العسكرية، بالإضافة إلى مئات أخرى في البيروقراطية، وهي ممارسات شرعت في تفكيك خناق النخبة الحاكمة الفاسدة على الاقتصاد المصري.
من جهتهم، تنفس القادة الإسرائيليون الصعداء عندما تولى السيسي زمام الأمور في مصر، وهم حالياً منهمكون في تطوير احتياطيات غاز طبيعي فلسطينية في البحر مخططين ليس فقط لإنهاء الاستيراد من مصر  (والذي كان يسعر بأقل من القيمة السوقية ويكلف مصر بليون دولار) وإنما أيضاً لتصدير الغاز الفلسطيني لمصر للوفاء بحالات نقص الغاز المتواصلة. وستدفع مصر ما يقدر بأربعة أضعاف لهذه الواردات أكثر مما كسبته من صادراتها من الغاز لإسرائيل بين العامين 2005-2011.
يستطيع هذا الانعطاف المحرج للتطورات بالكاد أن يضيف إلى شعبية السيسي. وفي الأثناء، يبذل العسكريون قصارى جهودهم لكي يظهروا على مستوى المسؤولية، لكنه من الواضح أنهم غير قادرين على التعامل مع مشهد متغير بسرعة، ووضع خطة لإنقاذ مصر من المتاعب المتواصلة. ولا توجد أي مسوغات لدى صندوق النقد الدولي، ولا لدى الولايات المتحدة ولا لدى إسرائيل ولا حتى لدى قادة مجلس التعاون الخليجي لكي يشعروا بالتفاؤل إزاء تحسن الوضع المصري، سواء على المدى المنظور أو على المدى البعيد.

إريك فولبيرغ — (كاونتربنتش)

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية

* يكتب عن الشرق الأوسط.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى