
بالنسبة لأولئك الذين يأملون تناسي ما يجري الشرق الأوسط خلال أعياد الفصح، سأكون الشخص الذي سيسرق منهم راحة العطلة. لقد مات نحو 140.000 شخص خلال الثلاث سنوات من المأزق المريع القائم في سورية. وقد جنت روسيا، بالرغم من ضعفها والافلاس الأخلاقي لسياستها الخارجية، محصولاً جيداً من اتساق نهجها وثبات فكرتها. وقد دعمت تماماً وبهمة لا تفتر نظام بشار الأسد، واستخدمت مكانتها كعضو دائم في مجلس الأمن لممارسة حق النقض ضد أي قرار معارض، وزودت الحكومة السورية بأسلحة متفوقة في حربها ضد الأغلبية الضعيفة من مواطنيها. وما تزال روسيا تتجاهل الرفض الأوروبي والأميركي وتقوم بكل ما هو ضروري للإبقاء على قاعدتها البحرية المتوسطية في ميناء طرطوس السوري، وتدعي بأن القاعدة تستمر هناك لموازنة نفوذ الأسطول الأميركي السادس في البحر المتوسط.
لكن سلوك الولايات المتحدة من جهة أخرى كان أصعب بكثير على المتابعة والتبرير. وقد بدأ الأمر بإشارة هيلاري كلينتون سيئة المشورة إلى الأسد على أنه “مصلح.” ثم قامت الولايات المتحدة بدعم المعارضين معنوياً لأنهم كانوا يشكلون الأغلبية بوضوح، ولأن الإطاحة بالأسد سوف تضمن وضع نهاية لخط إمداد المساعدات الإيرانية لحزب الله، بل وحتى لحماس عند نقطة ما، من أجل الحد من الأذى الكبير الذي ألحقته الحركتان بكل من لبنان وإسرائيل. لكن الولايات المتحدة أحجمت عن تسليح الثوار السوريين بالقدرات المضادة للطائرات التي يحتاجونها، ولو أن مثل هذه الأسلحة تعد دفاعية تماماً، وذلك لثلاثة أسباب: خافت حكومة الولايات المتحدة من احتمال أن تقع تلك الأسلحة في أيدي المتطرفين السنة؛ وتسمرت في مكانها بسبب ما اعتبرته العلاقة الأكثر أهمية مع روسيا (وهي علاقة أثبتت أنها عدائية تماماً وقائمة على حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصحيحة بأنه يمكن تأمين الرضى الأميركي بلا كلفة تقريباً)؛ وثالثاً، لأن الجمهور الأميركي، بعد 10 سنوات، و2 ترليون دولار، وأكثر من 50.000 من الضحايا، كان معارضاً لأي تورط في أي حرب شرق أوسطية أخرى.
كان الاستفزاز الوحيد الذي ربما حفز الولايات المتحدة على التدخل هو استخدام الأسد الغاز السام ضد مواطنيه. وعندما حدث ذلك، أعلن الرئيس باراك أوباما أنه سيعاقب الأسد، وقام بنشر السفن الحربية الأميركية في وضع يمكنها من إطلاق صواريخ كروز على سورية، لكنه تنازل بعد ذلك عن الصلاحية المسندة إليه دستورياً كقائد عام للقوات المسلحة الأميركية لصالح الكونغرس. وعندما بدا مرجحاً أن ينكر النواب أي سلطة لهم بمهاجمة سورية، على الرغم من تأكيد وزير الخارجية جون كيري أن مثل هذا الإجراء سوف يكون “صغيراً بشكل لا يصدق”، (وبذلك ربما لا يكون رادعاً أو عقاباً جدياً)، تمسك أوباما بشكل مثير للشفقة بقشة بوتين المتمثلة بالإشراف على التسليم السوري لمخزونات الغاز السام لروسيا.
هكذا، أصبحت الولايات المتحدة في وضع “كش ملك” –إذ يستمر الأسد في كونه دمية سوفياتية وإيرانية، وأصبح خصومه الرئيسيون هم الجهاديون والمنظمات الداعمة للإرهابيين، وأصبح أكثر من 2.5 مليون سوري (أكثر من 10 % من سكان البلد) لاجئين في ظروف يرثى لها. وفي كل ذلك، كانت الولايات المتحدة متواطئة في كل ما حدث خطأ، ولو أن ذلك كان فقط من خلال السلبية والتجاهل، لكنها لا تمتلك الوسائل لجني الميزة مع ذلك.
قامت كل من تركيا، وقطر والعربية السعودية، كلها برعاية فصائل الثوار في الحرب الأهلية السورية. وتخوض العربية السعودية صراعاً إقليمياً على النفوذ مع إيران، وهو ما يشكل في جزء منه صراعاً إسلامياً داخلياً سنياً-شيعياً، ويجب لا ننسى في هذا الإطار جهود الجماعات الأصولية في المنطقة للإطاحة بالعائلة السعودية الحاكمة في الثمانينيات. وكانت تركيا وقطر أقل تمييزية، فدعم الأتراك جماعة الإخوان المسلمين السورية، في حين دعمت قطر الميليشيات السلفية. ومع أن كلا البلدين يلتزم بإسقاط الأسد، فقد احتفظا بعلاقتيهما مع إيران. وما يزال التخطيط والتآمر مستمرين بلا نهاية، في كل الاتجاهات ومن كل الأطراف، على النحو الذي يمكن أن يحدث فقط في الشرق الأوسط.
كسبت سورية دعم إيران المخلص لأنها استمرت بكافة الوسائل والطرق في أن تكون رواقاً إلى حزب الله. وفي المقابل، ظل الإيرانيون مزودين ثابتين للأسلحة، والنفط قليل الثمن بشكل مصطنع، والتدريب العسكري الكثيف لقوات الأسد شبه العسكرية، وحتى لقواته النظامية.
في الوقت الذي انعطفت فيه الولايات المتحدة وتراجعت من المنطقة، تبدو روسيا وإيران قويتين بما يكفي للإبقاء على الأسد في المنصب وممارسة السلطة على جزء من سورية أكبر مما يسيطر عليه أي طرف آخر. وبشكل عام، يستفيد الأسد من قدر أكبر من المساعدة ومن وجود معارضة منقسمة بحدة. وقد أخفقت كافة المحاولات لتوحيد جماعات المعارضة السورية المختلفة، وما يزال الوضع مرتبكاً بشكل مريع بسبب الفروقات الغامضة والاختلافات الاصطلاحية الدقيقة، كما حدث قبل ثلاثة أشهر، عندما انسحب المجلس الوطني السوري من المجلس الوطني السوري. والآن، أصبحت القوى الأكثر اعتدالاً (يجب توخي بالغ الحذر لدى استخدام هذه الكلمة في أي مكان في الشرق الأوسط)، تقف في انتظار تكشف الأحداث، وقد أنهكها القتال الضروس الذي بلا فعالية. وقد أصبح من الصعب الآن تخمين من يعمل في الجيش السوري الحر، أو المجلس العسكري الأعلى، أو في الجبهة الثورية السورية، وأين ينتهي كل من هذه الكيانات وأين يبدأ الآخر. وتبدو الجبهة الإسلامية التي لديها نحو 50.000 مقاتل بدوام جزئي، واحدة من الكيانات الأكثر قوة وتماسكاً، وهي تسعى إلى إقامة دولة إسلامية يحكمها قانون الشريعة. وتشكل المنظمة التابعة المحلية للقاعدة، جبهة النصرة، تشكيلاً أكثر انضباطاً وإنما أصغر حجماً، وكانت هي الأكثر احتراساً من المعظم عندما يتعلق الأمر بالخسائر الجانبية.
بشكل عام، يعمل سقوط سورية في دوامة الفوضى، والهزيمة السريعة التي حلت بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي كانت تشكل الغوريلا التي تزن 900 رطل في الغرفة لمدة 60 عاماً، على جعل الحياة أسهل بالنسبة لإسرائيل، ويصنع لها برقاً في الأفق لا يخفف ضوءه سوى الضعف الأميركي والدولي في الرد على البرنامج النووي الإيراني. لكن الرسالة الجاهزة بالنسبة لسورية، هي أنه تحت كل الظروف، ومهما كانت جماعة الأسد فظيعة، ومهما كانت دوافع رعاتها الروس والإيرانيين مخجلة وغير مقبولة، فإنه ليس من الواضح ما إذا كان بديل أفضل موضوعياً، والذي يمتلك فرصة لتحقيق نجاح عملي، موجوداً حقاً.
يبدو أن هذه الرسالة نفسها هي التي تأتي من جزء كبير من أنحاء العالم العربي. كان هناك القليل من التقاليد الديمقراطية أو المدنية، ولم يكن هناك بشكل رئيسي سوى أنظمة استبدادية تعتمد على الجيوش أو قوى البوليس من أجل الحيلولة دون حدوث التفكك الذي تروج له مجموعات فرعية من الإسلام الراديكالي. وبينما يشكل الوضع العربي الراهن سخرية كاملة من حرب جورج دبليو الصليبية من أجل الديمقراطية ومن معظم الزغاريد الجذلة التي احتفت بالربيع العربي في مراحله الأولى، فإن عجز القوى العربية قلل كثيراً من مستوى الأذى السياسي المصدَّر في العالم، ويأمل المرء بأن يفضي الصراع المدني الدائر على هذا النطاق الواسع في نهاية المطاف إلى أن تصبح معايير أكثر تطوراً من الحكم المدني طموحاً منتشراً في المجتمع العربي بشكل أوسع نطاقاً.
في هذه الأوقات، تبدو إيران بكل وضوح قريبة من حيازة قدرة نووية. وإذا ما استطاعت تسليح نفسها على هذا النحو، فإن كلاً من تركيا، والعربية السعودية، ومصر، سوف تفعل الشيء نفسه، وربما تصبح مسألة وقت فقط عندئذ قبل أن يصل سلاح نووي صغير على الأقل إلى أيدي الإرهابيين، ويتم تفجيره عندما يكون لدى الجناة مستوى معقول من الارتياح إلى أن هويتهم يمكن أن تظل مجهولة. وسوف يبقى شن أي بلد آخر هجوماً على إسرائيل أمراً غير مرجح، بما أن الرد الانتقامي سيكون ساحقاً ولأن الدفاعات الإسرائيلية المضادة للصواريخ متطورة جداً، ولا يمكن تقدير مدى الضرر الذي يمكن أن تحدثه الضربة الأولى. ولعل ما تمس الحاجة إليه هو إبرام اتفاق عام بين الدول الرئيسية على إبقاء الأسلحة النووية بعيدة عن الوقوع في أيد لا تتمتع بأي قدر من المسؤولية، بما أن اتفاقية عدم الانتشار القائمة ليست أكثر من خلطة من النفاق؛ ومن أجل تحديد الدول الفاشلة وتدخل المنظمات الدولية فيها لمنعها من التحول إلى تربة خصبة لنمو الإرهاب، كما فعلت كل من أفغانستان واليمن والصومال والسودان مسبقاً.
بالنظر إلى مشاكل الإرهاب المحلي في روسيا، والتي تم الحديث عنها بإسهاب في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الأخيرة، ينبغي أن يكون من الممكن التعامل مع الكرملين بشأن هذه المسألة، ولكن ذلك لم يتم حتى الآن. وما تزال الحقائق حدوث بعض التقدم في العالم المسلم غائبة عن المشهد إلى حد كبير. قد لا تكون العراق، وتونس، وليبيا أفضل حالاً الآن مما كانت عليه قبل الاضطرابات التي حلت بها. لكن كلاً من المغرب والأردن وتركيا، والإمارات -وحتى بطريقة غريبة، المملكة العربية السعودية، وبعض دول الخليج الأخرى، والدول المسلمة الشرقية، وخاصة إندونيسيا وماليزيا، كلها أظهرت بعض الاستعداد للحكم الذاتي والنمو الاقتصادي. ولكن، وسواء كان ذلك للأفضل أو الأسوأ، فإنه ليس هناك أي جزء تقريباً من العالم المسلم يبدو قابلاً للتدخل الخارجي المفيد، ولا تبدو أي من القوى العظمى، أو حتى الإقليمية التقليدية، على استعداد للتدخل بشكل فعال.
لا يبدو من الطبيعي أن يضطلع الغرب الآن بتهيئة أجواء الحكم الرشيد، بالنظر إلى مدى السوء الذي أديرت به معظم بلدانه في الآونة الأخيرة، لكن انتظار أن يحقق العالم المسلم حتى مستوياتنا غير المرضية من السياسة العامة المسؤولة، يمكن أن يكون عملية مطولة ومحبطة للغاية.
الغد الأردنية




