ربما تشكل أصوات الغضب الصادرة عن اللوبي المؤيد لإسرائيل أفضل مؤشر على أن جون كيري ووسيطه الرئيسي في الشرق الأوسط، مارتن إنديك، كانا مصيبين فيما ذهبا إليه. فقد ارتعدت فرائص التنظيمات التي تدعي بأنها تتحدث نيابة عن يهود أميركا -وغالباً ما تكون بعيدة جداً عن أن تكون محقة في ادعاء تمثيل معظمهم- رعباً بعد أن تجرأ كيري على القول قبل أسبوعين: إذا لم تتوصل إسرائيل إلى اتفاق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، فإنها تجازف بأن تصبح “دولة أبارتيد”.
ثم جاءت اللطمة الثانية بعد أسبوع من ذلك، عندما قال إنديك إن حكومة بنيامين نتنياهو قد “نسفت” المفاوضات الأخيرة من خلال الزيادة الجديدة في إنشاء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة، ونزع ملكية الأراضي واسعة النطاق، والتي لا تعود لإسرائيل. وعلى الأثر، وصفت إسرائيل المبعوث بأنه “منافق” ووجهت إليه اللوم في إفشال أحدث المفاوضات. وقد اعتذر وزير الخارجية لاستخدامه كلمة العنصرية قائلاًً إنها “من الأفضل أن تسحب من النقاش” في الولايات المتحدة -وحتى لو استخدمت في إسرائيل نفسها، بما في ذلك من جانب رئيسي وزراء سابقين عرضا تحذيرات مشابهة لتحذير كيري.
ولكن، هل سيكون من الأفضل إيداع كلمة “الأبارتيد” في طي النسيان؟ لقد حقن تعليق كيري بعض الغلظة غير المعتادة والأمانة التي تمس الحاجة إليها كثيراً في النقاش العام في بلده حول ما الذي يجري فعلاً في إسرائيل. وعلى نحو منبئ، قال اعتذار كيري، الذي ورد في عبارات منتقاة بحذر، إنه يقبل بأن إسرائيل لا تنوي أن تصبح دولة فصل عنصري، وهو ما يختلف تماماً عن القول إنها لن تصبح دولة فصل عنصري.
بعد سنوات من السفر في الضفة الغربية وجنوب أفريقيا، من الواضح على نحو أكيد بالنسبة لي أن المستوطنات المتمددة دائماً والتي تنحت جغرافية الضفة الغربية، إنما هي ضرب من الأبارتيد. وإذا كان كيري مخطئاً، فقد كان مخطئاً فقط في طرح تحذيره كنبوءة، وليس كتوصيف للحقيقة القائمة.
إن نية إسرائيل في الضفة الغربية تظل موضوعاً غير مطروق إلى حد كبير في واشنطن. وقد لعب اللوبي المؤيد لإسرائيل، وببعض من المساعدة من جانب الكونغرس، دوراً مهماً في تقييد حدود الانتقاد. وهو يعمل بلا تعب لتصوير الحكومات الإسرائيلية على أنها معتدلة وملتزمة بعمق بتحقيق سلام عادل -فقط إذا كان الفلسطينيون ملتزمين به أيضاً. أما الذين يطرحون غير ذلك، فيتهمون بأنهم “يكرهون إسرائيل” (أو أسوأ).
بتصريحاتهما المباشرة، يزيل كيري وإنديك بعض الأرضية من تحت الفكرة القائلة إن المستوطنات لا تشكل عائقاً أمام السلام، بأن كل من يجرؤ على التلفظ بكلمة “أبارتيد” هو معاد للسامية. وكان استخدام كيري لكلمة ابارتيد موجعا لأنه تحدى إصرار إسرائيل العنيد على أن الاحتلال لا يعدو كونه مدفوعاً فقط بدوافع أمنية، ولا ينطوي على نية للتفرقة أو للسيطرة.
لكن إسرائيل كانت في حاجة إلى التحدي، لأن كل ممتهني الرعب العام والأعضاء النافذين في حزب نتنياهو وحلفائه كانوا مسرورين بدرجة كافية لرؤية مفاوضات السلام وقد انهارت -وليكون لديهم عذر للاستهزاء بكيري. وهم يرون في ذلك فرصة لإنهاء الدور الأميركي والتخلي عن إسداء خدمة شفوية لحل الدولتين والمضي قدما، في نهاية المطاف، نحو المحصلة نفسها التي حذر منها كيري.
من جهته، وصف داني دانون، الرئيس القوي للجنة المركزية لحزب الليكود الذي يترأسه نتنياهو ونائب وزير الدفاع في إسرائيل، تعليق كيري بأنه “غير مقبول”. لكن دانون يعارض بشدة دعم رئيس وزرائه المعلن لحل الدولتين -كما تفعل غالبية أعضاء الليكود الذين جعلوا منه رئيساً للحزب لأنه وعد بوقف نتنياهو عن الموافقة على قيام دولة فلسطينية. وغريباً، كما قد يبدو الحال، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يتمتع بثقة الكثيرين من أعضاء حزبه. ففي الأسبوع الماضي، صوت ناشطو الليكود لصالح زيادة صلاحيات دانون كرئيس للحزب.
وفي مقابلة أجريت في وقت متأخر من العام الماضي، قال لي دانون إنه لن تكون هناك دولة فلسطينية، وإنه لا يتوجب على نتنياهو أن يقلق مما يفكر فيه الأميركيون. وأعتقد أن ذلك يفسر السبب في أنه يجب علينا أن نفعل ما هو جيد بالنسبة لإسرائيل وعدم التفكير فيما يبدو جيداً في واشطن. وقد تحدث دانون عن “إدارة الصراع” في المدى القصير من خلال المحافظة على الاحتلال، بينما يتم “تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين”.
بعد ذلك، قد يكون هدفه قد استقي من طريقة اللعب الجنوب أفريقية؛ إذ يقول دانون بصفاقة إنه يريد أن يأخذ جل أراضي الضفة الغربية -يهودا والسامرة، كما تعرف في إسرائيل- بينما يتم تخليص الدولة اليهودية من مسؤولية حكم الجماهير الفلسطينية. “وعلى المدى البعيد، أنا لا أتحدث عن ضم الفلسطينيين. وهدفي هو ضم -“أو تطبيق السيادة” كما أفضل وصفها- على الأراضي في يهودا والسامرة بأدنى حد من الفلسطينيين” كما قال لي. وعليه، فإنني أرسم الخريطة، أجل، أنا أريد غالبية الأراضي مع الحد الأدنى من الفلسطينيين”.
كانت تلك أساسا مسودة مشروع جنوب أفريقيا في الستينيات لما كان من المفروض أن يكون مواطن البانتوستان ذات الحكم الذاتي بهدف تخليص جنوب أفريقيا البيضاء من ملايين الناس السود، بينما يتم قضم أفضل أراضيهم. وقد رأيت تلك الخطة قيد العمل في جنوب أفريقيا. ولذلك قلت لدانون إن سياسته ليست مشابهة وحسب، وإنما قد تبدو المحصلة النهائية الشيء نفسه: خليط من البلدات والمدن العربية في الضفة الغربية محاطة بإسرائيل. ولم ينف أو ينكر تلك الحقيقة.
قال دانون: “طالما كان هناك حيز كاف لتطويره، فلا حاجة لأن يبدو جيداً. أنت تريد لعيش الفلسطينيين أن يكون جيداً، ولذلك أريد النظر إلى الحياة الفعلية للناس بدلا من الكيفية التي تبدو عليها على الخريطة”.
ليس دانون وحيداً في هذه الرؤية. فثمة أعضاء آخرون في ائتلاف نتنياهو، مثل وزير الاقتصاد نفتالي بينيت، مصممون بالطريقة نفسها على أنها لن تكون هناك دولة فلسطينية. وفي المقابل، فإن الأصوات التي تواجههم، مثل وزيرة العدل ومفاوض السلام الرئيسي (ليفي تسيفني) تبدو وأنها تتعرض للمحاربة بازدياد.
يريد آخرون من اليمين الإسرائيلي جلب الأميركيين إلى طريقتهم في التفكير. وداني ديان هو القائد السابق للمستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة، مجلس ييشا، وهو الآن مبعوث الشؤون الخارجية. وقد صادف أنه كان موجوداً في واشنطن عندما أدلى كيري بملاحظته المثيرة للجدل، ويعمل من أجل ثني الساسة الأميركيين عن “عملية السلام”.
قال لي ديان إن كيري “يدير المصالح الأميركية” عبر انتهاج مفاوضات ستفشل حتماً. وبعمله هذا، فإنه كأنما يعمل من أجل أن تبدو الولايات المتحدة ضعيفة. وهذا التفكير يلقى صدى جيداً عند الجمهوريين.
لكن ديان يقر بأن الخطوة التالية ستكون محاولة بيع صعبة في واشنطن: إنه يريد من الولايات المتحدة أن تتخلى عما يصفه بأنه سراب أو وهم حل الدولتين. وقال إن ما يريده الفلسطينيون أكثر من الدولة هو أسلوب حياة أفضل. وهكذا، وطبقاً للخطة، فإنه يجب على إسرائيل أن تبقي على الاحتلال قائماً لعقدين آخرين أو أكثر -عبر تحسين مستويات المعيشة، مع تعليم أفضل وفرص عمل وتنمية. ثم يعود الجميع بعد ذلك للتحدث عن مستقبل سياسي. وفي الأثناء سيكون توسيع المستوطنات قد تم. وقال: “طبعاً سنستمر في البناء”.
لا شك أن داني دانون ليس رئيس وزراء إسرائيل، وداني ديان يمثل المستوطنين، وهم مجموعة تشكل واحدا من عشرة من يهود إسرائيل البالغ عددهم ستة ملايين نسمة. لكن رؤيتهما عن مستقبل إسرائيل -والأراضي المحتلة التي، سواء أحببت ذلك أم لا، تحمل علامات الأبارتيد- تكسبان أرضية. وقد أصبح لها الآن نوع من الطاقة السياسية خلفها والتي كانت قد قادت اليسار ومجموعات السلام في إسرائيل ذات يوم.
تجدر الإشارة إلى أن مجموعة اللوبي القوية، لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك) هي التي قادت الهجوم على كيري، واصفة تعليقه الخاص بالأبارتيد بأنه “عدواني وغير لائق”، مع استحضار نسخة من ديزني لإسرائيل بأنها “نور يشع بالحرية”. ومع ضغط الجمهوريين، انصاع كيري للواقع السياسي واتخذ خطوة للوراء.
لكن وزير الخارجية الأميركي رأى المستقبل أوضح بكثير جداً من منتقديه.
الغد الأردنية





