أصبحت لدى المسؤولين الغربيين الذين يتعاملون مع الوضع الليبي مهمة مخيفة وغير جذابة في هذه الآونة. وربما يكون الوقت الحاسم الأنسب لتفادي الأزمة مع الصيف، عندما تصاعدت حدة الأعمال القتالية وأجبرت الحكومة الرسمية على مغادرة طرابلس. والآن، أصبح الخطر يحدق بالمهمة الأكثر تواضعاً، والملحة مع ذلك، والمتمثلة في احتواء تمدد العنف، والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وتنصيب حكومة واحدة وحسب. بعبارات أخرى، لم يعد الأمر يتعلق بالدواء بقدر ما يتعلق بطول فترة التعافي -إذا كان ثمة تعاف أصلاً. كل هذا وسط تباين متزايد بين الاستراتيجيتين الفرنسية والإيطالية لحل الأزمة.
منذ أيار (مايو) من هذا العام، ما تزال ليبيا تشهد مواجهة متنامية بين عمليتين عسكريتين بديلتين: “الكرامة” التي جمعت معاً أعضاء من الجيش الرسمي مع ميليشيات ثورية من الزنتان؛ وعملية “الفجر”، وهي ائتلاف تكتيكي بين ميليشيات الثوار من مدينة مصراتة والمجموعات الإسلامية.
كان القصد من وراء الانتخابات التي جرت يوم 25 حزيران (يونيو) الماضي حل أزمة شرعية المؤسسات الليبية على الأقل، مع الأمل بأن يكون البرلمان والحكومة الجديدين قادرين على تفادي التصعيد. ولسوء الطالع، حدث العكس: انعقدت الانتخابات من دون التوصل إلى اتفاقية للوحدة الوطنية، ووسط غياب واسع النطاق للأمن، وهو ما أفضى إلى نسبة إقبال منخفضة، وجعل انتخاب 12 من أصل 200 عضو في البرلمان مستحيلاً. وكان القتال قد بلغ ذروته في شهري تموز (يوليو) وآب (أغسطس) عندما قامت مجموعات ثوار مصراته بمهاجمة مطار طرابلس الدولي الذي كانت تسيطر عليه ميليشيات الزنتان، مما أفضى إلى تدميره في نهاية المطاف.
أفضى القتال الذي دار في طرابلس بين هاتين المجموعتين إلى الإجلاء السريع للحكومة الرسمية التي أصبحت تعمل راهناً في طبرق. وفي الأثناء، أغلقت معظم السفارات الغربية وبعثات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأصبحت تعمل الآن إما في تونس أو في مالطا، مع الاستثناء الملحوظ للسفارة الإيطالية التي ما تزال تعمل في طرابلس.
تشكل ليبيا طرفاً في مواجهة إقليمية أوسع، والتي تدور بين تركيا وقطر من جهة، وباقي دول مجلس التعاون الخليجي مع مصر من جهة أخرى. ويناسب سرد ائتلاف “الكرامة” هذه المواجهة تماماً، حيث الجيش الليبي والميليشيات من الزنتان أكبر مكونين لهذا الفصيل، ويقاتلان ما يريان أنه تهديد إسلامي تشكله حركة أنصار الشريعة والإخوان المسلمين والميليشيات من مصراتة. وكانت طائرات مجهولة الهوية قد شنت غارات جوية في طرابلس في آب (أغسطس) الماضي، والتي نسبت لاحقاً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بدعم لوجستي مصري. وجاءت تلك الضربات دعماً لميليشيات الزنتان التي كانت تدافع عن المطار. وفي نهاية المطاف، قررت هذه الميليشيات الانسحاب من المطار الذي سقط بأيدي ميليشيات مصراتة وتم إحراقه.
على الجهة الأخرى، لا يعرف ائتلاف “الفجر” نفسه بأنه “إسلامي”، لكنه يصف قتاله بأنه قتال ضد فلول النظام السابق. وبينما قد يكون بعض القادة السياسيين والعسكريين لائتلاف الكرامة قد خدم في نظام القذافي في الماضي، فإن من الصعوبة بمكان إنكار الدور الذي لعبه أعضاؤه في ثورة العام 2011. ويتكون “الجيش الليبي” الذي جهزه الجنرال خليفة حفتر في أيار (مايو) وأصبح الآن تحت سيطرة رئيس الأركان عبد الرزاق الناضوري، من وحدات من الجيش القديم الذي انشق عن نظام القذافي في وقت مبكر من الثورة.
بطريقة تتاغم مع الحرب الإقليمية الأوسع، تبنى الائتلافان نهج “الكاسب يأخذ كل شيء”. في البداية، كان البرلمان القديم (المؤتمر الوطني العام) قد أقر قانون العزل السياسي في أيار (مايو) من العام 2013، الذي أبعد فعلياً واستثنى من الحياة العامة رئيس البرلمان في حينه (والقائم بأعمال رئيس الدولة) محمد مقيريف، إلى جانب محمود جبريل زعيم تحالف القوى الوطنية، أكبر حزب سياسي في ليبيا. وعلى نحو معاكس، عندما استهل الجنرال المنشق حفتر عمليته المسماة “الكرامة” في أيار (مايو) من هذا العام، لم يكن يستهدف أقل من القضاء على الإسلاميين والإرهابيين في البلد.
يعيش البلد راهناً في ظل واحدة من أخطر حالاته. هناك حكومتان وبرلمانان: من جهة ثمة البرلمان المعترف به دولياً (مجلس النواب) وحكومة في طبرق؛ ومن جهة أخرى، هناك المؤتمر الوطني العام مع حكومة عمر الحسي في طرابلس. وقد أعلنت عملية الكرامة ولاءها لرئيس الأركان الجديد الذي عينه برلمان طبرق، بينما تهيمن الميليشيات والمجموعات التي تسيطر على طرابلس على المؤتمر الوطني العام.
تتسم حكومة الحسي والحكومة التي يرأسها عبد الله الثني في طبرق بأنهما ضعيفتان سياسياً ومقسمتان وغير فعالتين. لكن حكومة طرابلس تتحكم في الجزء الأضخم من ليبيا، مع أن الانقسامات بين أنصار الشريعة وائتلاف الفجر تجعل من هذا التحكم غير ذي فعالية على الإطلاق. وعلى الجهة المعاكسة، يتمتع الثني بشرعية انتخابية ودولية، لكنه يسيطر على جزء منكمش من الأرض في بنغازي، سوية مع منطقة طبرق ومدينة الزنتان.
يعد أمر التوصل لتسوية بين الحكومتين (والائتلافين من ورائهما) معقداً بفعل الديناميات الإقليمية الخاصة ببلدان مثل مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة، التي تواصل خدمة أجنداتها الخاصة. ورغم ذلك، أعربت أطراف من الائتلافين في أوقات مختلفة، أمام مفاوضين دوليين، عن رغبتها في التوصل إلى تسوية. لكن الصفقة لم تتجسد أبداً لأن المتشددين في كل معسكر يتسيدون، خاصة في ائتلاف مصراتة الذي يعتقد بأنها يتوافر على قصب السبق واليد العليا من الناحية العسكرية.
يجب أن تبدأ أي تسوية في ليبيا من موقع محايد للبرلمان. لكن ائتلاف الفجر يرفض طبرق لأنها تقع في قلب أرض عملية الكرامة. وتجدر الإشارة إلى أن الدستور ينص على وجوب أن يجتمع مجلس النواب في بنغازين وهو أمر غير متاح لأسباب أمنية، ولأنها المكان الذي تعمل فيه ومنه حركة أنصار الشريعة في الغالب أيضاً. على أن من الممكن إيجاد مواقع بديلة بمساعدة المجموعة الدولية. وفي حال تم تحقيق شرط التوصل إلى اتفاقية لوقف إطلاق النار بين الأطراف، يستطيع الغرب أيضاً ضمان الأمن لمكان البرلمان الذي كان في الماضي قد تعرض لهجمات من جانب الميليشيات المتنافسة.
بشكل عام، تشكل حيادية المؤسسات المفتاح الرئيسي، لكنها صعبة الإنجاز. ونظراً لكونه معيناً من جانب برلمان طبرق، قام رئيس الأركان الجديد بزيارتين إلى مصر وزيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أسابيع وحسب من اتهام البلدين بشن ضربات جوية ضد طرابلس. ويظهر هذا العنصر فقط مدى صعوبة تحقيق حيادية المؤسسات وتحسين الأمن. ولسوء الطالع، فإن الجمع بين الديناميات الإقليمية والافتقار إلى التنسيق بين اللاعبين الدوليين وعدد من العوامل المحلية، تدفع كلها نحو المزيد من المواجهة.
في هذا السياق، ألمحت فرنسا تكراراً إلى رغبتها في التدخل، وكان الأحدث هو تصريحات وزير الدفاع جان يفس لو دريان الذي دعا إلى تدخل دولي لتجنب احتمال أن تصبح ليبيا “ملاذاً للإرهابيين”. ويبدو هذا التشديد على مقاتلة الإرهاب متناغماً تماماً مع الجهود التي تبذل في المنطقة، بالإضافة إلى رواية عملية الكرامة عن حكومة طبرق.
في نهاية المطاف، ما يزال التدخل الغربي غير مرجح، لكن التدخل العربي قد يستمر إلى ما وراء الضربات الجوية التي نفذتها دولة الإمارات العربية المتحدة.
من جهته، يواجه الغرب الخيار المربك بين حكومتين ليبيتين، واحدة تسيطر على الأرض والثانية تتمتع بالشرعية. ومن الواضح أن الأغلبية تفضل حكومة طبرق وقتالها ضد “الإرهابيين”. ويبقى أن ننتظر لرؤية ما إذا كانت العواصم الأوروبية -وخاصة روما وباريس- ستستطيع إيجاد نقطة التقاء مشتركة في بحثها عن نزر يسير من الاستقرار وعن طرف محاور فعال في البلد. ويبدو أن عدم التدخل سيكون هو الموقف الخطأ، رغم استعداد فرنسا الواضح لتأمل خيارات أخرى أكثر قوة.
الغد الاردنية





