في هذه الأوقات، يُلاحظ أن كيان الاحتلال في فلسطين يذهب إلى مزيد من العزلة الدولية بسبب سياساته العنيفة، وإجهاضه كافة فرص واحتمالات السلام. وقد بدأنا نلمح بوادر شقاق بين الكيان الصهيوني في فلسطين وبين راعيه الدولي الأول: الولايات المتحدة، والتي تجسدت في التوترات بين القيادتين الحاليتين. بل ان بعض الأصوات اليهودية المؤيدة تقليدياً للكيان هناك، شرعت في انتقاد السياسات اليمينية التي تنتهجها الإدارات الصهيونية في فلسطين، والتي يرون أنها تشكل خطراً على وجود الكيان الاحتلالي هناك نفسه في نهاية المطاف. وكما هو معروف، اختار القائمون على المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين انتهاج سياسة العداء للمحيط العربي، مقروناً بالتطهير العرقي في حق سكان فلسطين العرب الأصليين وترحيلهم وهدم قراهم وبلداتهم. ولم تتغير طوال الفترة منذ نشوء الكيان في العام 1948 سياسة العداء ورفض السلام تجاه الفلسطينيين والشعوب العربية، وعلى النحو الذي أبقى المستعمرين الصهاينة معزولين وراء أسوارهم ومحاطين بالكراهية والرفض المستمرين.
في المداولات الصهيونية الداخلية التي سبقت 1948، كان هناك تيار يدعو إلى شكل مختلف من العلاقة مع الفلسطينيين والعرب، والذي رأى إمكانية للتصالح مع السكان الأصليين ومع المحيط العربي والتوصل إلى نوع من تشارك العيش والحكم. ورأى أنصار هذا التيار في اختيار العدوانية منذ البداية خطراً أكيداً ودائماً على المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. من بين هؤلاء، كانت المفكرة اليهودية ألمانية الأصل حنة أرنت (1906-1975) التي تمتعت ببصيرة نافذة إلى المستقبل، فيما يبدو. وفيما يلي مقتطفات من كتابات قديمة لحنة آرنت، في العامين 1944 و1948 قبل إعلان قيام الكيان رسمياً. وتلاحظ في هذه الكتابات بشكل خاص تنبؤاتها للنكبة، للصراع الذي لا ينتهي، للاعتماد الصهيوني على المجتمع اليهودي الأميركي، للصراع النهائي مع المجتمع اليهودي الأميركي، ومساهمة الصهيونية السياسية في تأجيج ما يدعى المعاداة العالمية للسامية. وقد ظهرت هذه الأفكار في “الكتابات اليهودية” (2007).
* * *
من “إعادة نظر في الصهيونية”، 1944:
إن القومية تكون فكرة سيئة بما يكفي عندما لا تثق في شيء أكثر من القوة الغاشمة للأمة. كما أن القومية التي تعتمد بالضرورة، وبما لا يمكن إنكاره، على قوة دولة خارجية، ستكون أسوأ بكل تأكيد. هذه هي حالة القومية اليهودية المهددة، وحالة الدولة اليهودية المقترحة التي ستكون محاطة حتماً بالدول العربية والشعوب العربية. ولن يتمكن وجود أغلبية يهودية في فلسطين –ولا حتى تنفيذ عملية ترحيل للعرب الفلسطينيين، وهو ما يطالب التعديليون به علناً- من أن يغير بشكل جوهري وضعاً يكون فيه على اليهود إما طلب حماية من قوة خارجية ضد جيرانهم، وإما يتمكنون من الوصول إلى اتفاق عامل مع جيرانهم…
إذا استمر الصهاينة في تجاهل شعوب البحر المتوسط والانتباه فقط للقوى الكبيرة البعيدة، فإنهم سوف يظهرون فقط كأدوات، كوكلاء لمصالح أجنبية ومعادية. وينبغي لليهود الذين يعرفون تاريخهم الخاص إدراك أن مثل هذه الأوضاع سوف تفضي حتماً إلى موجة جديدة من كراهية اليهود؛ وسوف تؤكد معاداة السامية الكبيرة في الغد أن اليهود لا يكونون قد استفادوا بطريقة انتهازية من وجود القوى الخارجية في المنطقة فقط، وإنما يكونون قد تآمروا من أجل ذلك، وبذلك يكونون مذنبين بالتسبب بالعواقب…
القطعة الوحيدة من الفلسفة التي قدمها الصهاينة من تجربتهم الخاصة الجديدة (كانت) “إن الأمة هي مجموعة من الناس… الذين يجمعهم معاً عدو مشترك” (هيرتزل) –وهي فكرة سخيفة وعبثية…
من أجل تحقيق مثل هذا الاستقلال (السياسي)، كما كان يعتقد، تستطيع الدولة اليهودية أن تظل مختبئة تحت الأجنحة الحامية لأي قوة عظمى قوية بما يكفي لتحمي نموها… وقد انتهى المطاف بالصهاينة بجعل هدف الانعتاق القومي اليهودي معتمداً كلية على المصالح المادية لأمة أخرى.
كانت النتيجة الفعلية هي عودة الحركة الجديدة إلى الأساليب التقليدية ليهود البلاط، التي كان الصهاينة ذات مرة يحتقرونها بمرارة وينددون بها بعنف. الآن أيضاً، لم يعرف الصهاينة مكاناً أفضل سياسياً من لوبيات الأقوياء، ولا أسس أسلم للاتفاقيات من عرض خدماتهم الجيدة كوكلاء للمصالح الأجنبية…
الحماقة فقط يمكن أن تملي سياسة تثق بقوة إمبريالية بعيدة لضمان الحماية، بينما تزدري النوايا الحسنة للجيران. ويجد المرء نفسه محفزاً على التساؤل: ماذا إذن سيكون مستقبل سياسة الصهيونية فيما يتعلق بالقوى الكبرى، وأي برنامج سيكون لدى الصهاينة ليعرضوه لحل الصراع العربي-اليهودي؟…
إذا تم الحصول على دولة يهودية في المستقبل القريب –مع أو بدون تقسيم- فإن ذلك سيعزى إلى النفوذ السياسي لليهود الأميركيين… لكنه إذا تم إعلان هذه الدولة اليهودية ضد إرادة العرب ومن دون دعم شعوب البحر المتوسط، فإنها ليست المساعدة المالية فقط، وإنما الدعم السياسي سوف يكون ضرورياً ومطلوباً لفترة طويلة قادمة. وربما يتبين أن ذلك سيكون مزعجاً جداً في الحقيقة لليهود في هذا البلد (الولايات المتحدة)، الذين غالباً ما يكونون بلا حول ولا قوة في توجيه الأقدار السياسية للشرق الأدنى. وربما يكون ذلك مسؤولية أكبر بكثير مما يتخيلونه اليوم، أو يمكن أن يسفر عنه الغد.
* * *
من أجل إنقاذ الوطن اليهودي، 1948 (بمناسبة الحرب في فلسطين):
حتى لو استطاع اليهود كسب الحرب (1948)، فإن النهاية سوف تشهد تدمير الإمكانيات الفريدة والإنجازات الفريدة للصهيونية في فلسطين. سوف تكون الأرض التي ستظهر إلى الوجود شيئاً مختلفاً تماماً عن حلم يهود العالَم، من الصهاينة وغير الصهاينة على حد سواء. سوف يعيش اليهود “المنتصرون” محاطين بسكان عرب معادين تماماً، وسيظلون منعزلين في داخل حدود مهددة على الدوام، منغمسين في الدفاع الجسدي عن النفس إلى درجة تُغرق جميع المصالح والأنشطة الأخرى. سوف يكف بناء ثقافة يهودية عن أن يكون موضع اهتمام كل الشعب؛ سوف يتم التخلص من التجارب الاجتماعية (مثل تجربة الكيبوتسات) باعتبارها كماليات غير عملية؛ سوف يتركز التفكير السياسي حول الاستراتيجية العسكرية… كل هذا سيكون قدر أمة سوف تبقى –بغض النظر عن كم من المهاجرين يمكن أن تستوعب وإلى أي مدى توسع حدودها (كل فلسطين وشرق الأردن هو مطلب التعديليين المجنون)، سوف تبقى مع ذلك شعباً صغيراً جداً وأقل عدداً إلى حد كبير من شعوب الدول المجاورة المعادية.
في ظل هذه الظروف… سوف يتحول اليهود الفلسطينيون إلى واحدة من تلك القبائل الصغيرة المحاربة التي أخبرنا التاريخ عن احتمالاتها وأهميتها بوضوح منذ أيام إسبارطة. سوف تصبح علاقاتهم مع يهود العالَم إشكالية، بما أن مصالحهم الدفاعية قد تصطدم في أي لحظة مع مصالح أولئك في الدول الأخرى، حيث يعيش عدد كبير من اليهود. وسوف يفصل يهود فلسطين في نهاية المطاف أنفسهم عن الجسم الأكبر ليهود العالم، وسوف يتحولون في عزلتهم هذه إلى شعب جديد كليّة. بذلك يكون واضحاً في هذه اللحظة وتحت الظروف الحالية، أنها ستمكن إقامة دولة يهودية فقط على حساب فكرة الوطن اليهودي…
الغد الاردنية





