يقوم أحد محاور استراتيجية الرئيس باراك أوباما لهزيمة “الدولة الإسلامية” على تحشيد المقاتلين من القبائل العراقية وحفزهم على الانضمام إلى الجيش العراقي، في إطار الجهود الرامية إلى استعادة السيطرة على محافظة الأنبار والمناطق الأخرى التي تتواجد فيها أغلبية سنية. لكن الأبحاث الجديدة تبيّن أن الجهاديين كانوا يعملون منذ العام 2009 على إخضاع نفس القادة القبليين السنيين الذي تعتمد عليهم عودة أوباما إلى الميدان العراقي -مما جعل الحملة الأميركية الجديدة هناك أكثر صعوبة.
يريد الاستراتيجيون الأميركيون خلق نسخة عن “الحرس الوطني” من رجال الميليشيات القبلية المعروفة باسم “الصحوات”، والتي استطاعت في العامين 2007-2008 أن تسحق تنظيم القاعدة في العراق، سلف تنظيم “الدولة الإسلامية” الحالي. لكن الأدلة المتوفرة تُظهر أن الجهاديين عملوا مسبقاً وبطريقة منهجية على تدمير الصحوات، فقاموا باغتيال الزعماء القبليين الذين ربما يتحدون حكمهم ويشكلون خطراً عليه.
تضيف حملة الإخضاع القائمة منذ وقت طويل، والتي شنها الجهاديون ضد القبائل السنية، مؤشراً جديداً إلى ما كان قد قاله لي جيمس كلابر، مدير الأمن القومي، في شهر أيلول (سبتمبر)، من أن الولايات المتحدة “قللت من شأن” الدولة الإسلامية. وفيما بعد، قال الرئيس أوباما لبرنامج “ستون دقيقة” الذي تبثه محطة (سي. بي. إس) إنه يُشارك كلابر رؤيته أيضاً.
رغم هذه الانتقادات، ربما يكون المخططون الأميركيون بصدد ارتكاب أخطاء مشابهة حالياً، لدى افتراضهم أنه يمكن إعادة بناء الشبكات القبلية سريعاً. ويعتقد المسؤولون الأميركيون بأنها قد تمت استعادة الدعم السني بذهاب رئيس الوزراء الشيعي المتسبب بحالة الاستقطاب. وهذا صحيح، لكن المقاتلين الجهاديين قطعوا مسافة طويلة إلى الأمام على ما يبدو.
البحوث التي توثق هجوم “الدولة الإسلامية” المذكور قام بجمعها كريغ وايتسايد، ضابط الجيش السابق الذي قاتل في العراق، والذي يدرّس الآن في كلية الحرب البحرية. وحسب أرقامه، فإن نحو 1.345 من أعضاء مجالس “الصحوات” قد تم قتلهم في العراق منذ العام 2009 على يد “الدولة الإسلامية” والمنظمات التي سبقتها. كما كتب موقع مداخلات عسكري يدعى “حرب على الصخور” عن هذا الموضوع أيضاً: “في المناطق السنية حيث تتمتع الحكومة العراقية بسيطرة قليلة، لم يتطلب الأمر وقتاً طويلاً حتى تمكنت “الدولة الإسلامية” ببطء وبطريقة منهجية من استئصال المقاومة، على طريقة التخلص من شخص واحد في كل مرة”.
يستشهد وايتسايد بمثال البلدة الاستراتيجية “جرف الصخر” الواقعة إلى الجنوب من بغداد. ففي الأعوام بين 2009 و2013، تم قتل نحو 46 من أعضاء الصحوات في 27 حادثة مختلفة في هذه البلدة. وضم القتلى أربعة من شيوخ عشيرة الجنابيين المحلية. وكتب وايتسايد أن عمليات القتل المماثلة التي تمت عبر كانل المناطق السنية من العراق “حظيت بالكاد بملاحظة الحكومة العراقية أو الإعلام”.
كان الجهاديون قد وثقوا حملة الاغتيالات التي نفذوها في شريط فيديو مروع بعنوان “صليل السيوف”، والذي يستشهد به وايتسايد في تقريره. ولدى مشاهدة الفيديو، فإنك ترى سلسلة من عمليات الاغتيال بواسطة السيارات، مصحوبة بموسيقى إسلامية حماسية، بينما يقوم مقاتلو الدولة الإسلامية بإطلاق النار على مركبات مختارة على الطريق أو على المارة في الشوارع. ويقول معلق عربي، ترجمت كلماته إلى اللغة الإنجليزية: “الأسود الجائعة تطارد فرائسها”. ومن الواضح أن المعلومات الاستخباراتية للقتلة كانت دقيقة.
كما استهدف المقاتلون الإسلاميون أيضاً قوات الشرطة ووحدات الجيش العراقي في المناطق السنية وفي بغداد نفسها، منذ أكثر من عامين. وقد زعمت بيانات أطلقتها “الدولة الإسلامية” في شباط (فبراير) 2013 بأن المجموعة نفذت في النصف الثاني من 2012 نحو 37 هجوماً في بغداد و34 عملية اغتيال في مناطق أخرى من العراق. وقد فشل محللو الولايات المتحدة في رؤية هذه العاصفة وهي تتجمع.
بينما كانت الحملة ضد القوات القبلية السنية تكسب الزخم في العامين 2012 و2013، شرعت “الدولة الإسلامية” في عرض عفو عن السنة الذين كانوا جزءاً من ميليشيات “الصحوات” أو عملوا في قوات الأمن العراقية. ويعرض الفيديو الجهادي عشرات من السنة وهم يشهدون “فرحة التوبة” في قاعة محاضرات كبيرة في الأنبار. ويظهرهم الشريط وهم يتلون تعهداً بالتوبة والندم بشكل جماعي، ثم يحتضنون الجهاديين الملثمين على المسرح، واحداً تلو الآخر.
حتى تتمكن من تضخيم صفوفها، شنت “الدولة الإسلامية” أيضاً سلسلة من الغارات الجريئة على السجون، والتي سمتها حملة “كسر الجدران”. ويحصي وايتسايد سبع هجمات شُنت على السجون بين تموز (يوليو) 2012 وتموز (يوليو) 2013، والتي بلغت ذروتها في غارة على سجن “أبو غريب” والتي أسفرت عن تحرير أكثر من 500 من كبار مقاتلي “الدولة الإسلامية”، بمن فيهم المسمى “أبو وهيب” الذي أصبح لاحقاً قائد المجموعة في الأنبار. ولم يستطع محللو الولايات المتحدة أيضاً أن يفهموا أهمية حملة اقتحام السجون وتحرير السجناء لعملية البناء السريع لقوات “الدولة الإسلامية”.
يقول مسؤولو الولايات المتحدة إن القادة القبليين السنة ما يزالون يريدون العمل مع مستشاري الجيش الأميركي -وهي الرغبة التي أصبحت أكثر من أي وقت مضى بعد حملة التخويف والإخضاع الوحشية التي شنها الجهاديون. وقال لي الشيخ زيدان الجبوري في عمان في الشهر الماضي: “إننا نريد إقامة علاقة استراتيجية مع الأميركيين”.
لكن على القادة القبليين هذه المرة أن يقاتلوا عدواً متخندقاً بقوة. الآن، تسيطر “الدولة الإسلامية” على الكثير من الأرض؛ ولديها استخبارات؛ ولديها مقاتلون شرسون ممن قسّتهم المعارك. وسوف يكون أوباما محقاً في سعيه إلى إيجاد “أحذية على الأرض” من السنة العراقيين في الحملة الجارية ضد الجهاديين. لكنه يحتاج إلى أن يوضح للشعب الأميركي جذور هذا الصراع بشكل أفضل، وكم سيكون صعباً ومطوّلاً.
الغد الاردنية
ديفيد إغناتيوس – (الواشنطن بوست)
ترجمة: علاء الدين أبوزينة





