أقلام واراءزوايا

تضخيم جنِّي الإرهاب: تأملات في حالة شيخ مزيف … بقلم :بينوي كامبمارك

فهرس

التغطية المعتدلة، والاحتواء الهادئ، والمياه الباردة التي يجري سكبها على مزاعم هاربة حول الإرهاب الذي يستلهم جنون العظمة، كانت كلها أفضل كثيراً من أن تكون حقيقية، ببساطة. وقد انكب المسؤولون الأستراليون ومحللو الإرهاب الخام على قصة حصار المقهى في سيدني قبل أيام، وكأنها وضع يواجهونه لأول مرة، متجاهلين بحذر ذكر بعض الخصائص في ماضي الجاني، بينما يضيئون ملامح وسماتٍ أخرى. وبالنسبة للآخرين، يشكل ذلك أداء رائعاً من على مسافة وصلة مخادعين في مجال التحذيرات من الإرهاب واستهداف الإرهاب. ومن أجل إثبات هذه الفكرة، سجلت الصحافة الاسترالية نقطة بأنها ضمت جزءاً خاصاً بـ”ردود الفعل العالمية”.

لطالما كانت باكستان والعراق وأفغانستان هي ضحايا إرسالية الهجمات الإرهابية -ولديها كل مسوغ لأن تتمنى أن تُزال من تلك القائمة. لكن ثمة بلداناً تصدر حكوماتها رد فعل مثل المحبين بلا مقابل -فهي تفقد الفرصة ببساطة للحيلولة دون تفجير السيارة المدمر أو شن الهجمات مثل الهجوم على مدرسة بيشاور الذي تسبب في مقتل 141 شخصاً. ومع كل تلك الموارد، وكل ذلك الأمن، فإنه ليس هناك مهرب.

بعد كل شيء، سعى جهاز الأمن الأسترالي إلى تبرير وجوده العزيز الخاص منذ 11 أيلول2011، رافعاً من نبرة الخطاب السياسي والإنفاق على حد سواء، من أجل تبرير موقفه في إطار الرد العالمي على “الحروب”، على أساس الفكرة التجريدية المرنة القائلة إن ذلك إرهاب. كانت هناك إدانات. وثمة اتهامات جاء أحدثها على ضوء التهديدات الفارغة التي تمت على أساسها مداهمات أيلول في غربي سيدني وبريزبان. لكن هذه الأمور تبقى صغيرة في عداد الأشياء الكلية. وكما أشار الكاتب ماكس بلومنثال، فإن “هناك أماكن قليلة في العالم تحت الحصار في الحقيقة. وسيدني ليست واحدة منها”. (تويتر، 14 كانون الأول).

بينما لم تقل عملية احتجاز الرهائن في مقهى سيدني أي شيء على الإطلاق عن “موجة” إرهاب، فقد تمت قراءتها على أنها جزء من تيار راهن، والذي تكون أستراليا واقعة فيه. وكما يستحق الاعتراف، فإن هناك معلقين قليلين يصرون على أن ذلك الحصار لم يكن استيلاء إرهابياً أفضى إلى مقتل ثلاثة أشخاص، مع وعد بالمزيد. لكنه كان عملاً جنائياً ارتكبه شخص مهزوز له سجل جنائي موسع عند السلطات. وفي هذا الصدد، تقول آن ألاي، الأكاديمية في جامعة كيرتين: “يعتقد منفذو الإرهاب أن العنف الذي يرتكبونه يثير قضية (إيديولوجية أو سياسية أو اجتماعية) -صحيفة الغارديان، 16 كانون الأول ، “لكن حالة مونيس (الشيخ هارون) مختلفة”. ومنحه لقب إرهابي يمنحه “الاعتراف والشهرة واهتمام الإعلام العالمي”.

لكن هناك الآن أولئك الذين يصرون على أن الحادث يعكس هشاشة أستراليا -وصف “الهدف الناعم” الذي يشير إلى حالة من الخضوع والضعف في مواجهة فيروس الإرهاب. وكانت الصحافة الأسترالية قد التقطت وصف “ناعم” من المؤرخ البريطاني مايكل برليغ، الذي جعل شغله الشاغل هو العثور على التطرف في كل مكان. وكان قد قال لصحيفة “ديلي ميل” يوم 15 كانون الأول : “أعتقد أنه يُنظر إلى المدن في أستراليا وكندا على أنها أهداف ناعمة نسبياً، مقارنة مع لندن؛ حيث لا تستطيع الانعطاف من حول زاوية من دون أن تشاهد رجل شرطة مدججاً بالسلاح في هذه الأيام”. وبينما تزخر كتاباته بنفحة تاريخية ناعمة، فإن مواعظه السياسية التي يلقيها على طريقة الأحبار، تبقى طائشة في أفضل الحالات.

لعل الأكثر إثارة للقلق هو ذلك السجل غير المتساوق الذي أظهرته السلطات الأسترالية تجاه محتجز الرهائن، الذي كان قد مر عبر سلسلة من التحولات المختلفة: مان هارون مونيس، ومانتيغي بوروجيردي، ومحمد حسن مانتيغي. وثمة القليل جداً من هذا التاريخ الماضي كانت قد غطته دائرة الإعلام الأسترالي. وبدلاً من ذلك، أعطي مونيس بشكل أساسي مسحة الشخص المجهول مخبل العقل -على الأقل حتى عملية الاحتجاز في المقهى.

في الحقيقة صنع مونيس شخصيته المبهمة منذ البداية، طارحاً في مقابلة مع شبكة “إيه بي سي” في العام 2001، في شخصية بوروجيردي، أنه كان مرتبطاً بوزارة الاستخبارات والأمن في إيران. ومقارنة مع إيران وأي بلدان أخرى في الشرق الأوسط، يدّعي مونيس أن البلد الذي يتبناه في الحقيقة، هو “الجنة”.

ولذلك، فإن الاقتراح بأن مونيس يأتي في طليعة هجمات “الذئب الوحيد” الإرهابية المؤطرة بالرواية الجهادية، هو اقتراح سيئ المشورة. وقد قدم “التقرير الديني للراديو الوطني” (31 كانون الثاني 2001)، مونيس على أنه “آية الله مانتيغي بروجيردي، رجل الدين الليبرالي الذي هرب من إيران قبل أربعة أعوام بعد انتقاده للنظام الإيراني”. وذهبت النسخة الأصلية إلى حد الادعاء بأن بوروجيردي كان “ليبرالياً خطيراً، وأفضت آراؤه إلى قيام السلطات في إيران باحتجاز زوجته وكريمتيه”.

في الأثناء، علقت صحيفة “ذا ناشيونال بوست” (15 كانون الأول)، وهي نشرة كندية، على ماضي خاطف الرهائن، مشيرة إلى أنه تبنى اللقب الصبياني “شيخ هارون” فقط بعد وصوله إلى أستراليا، معلناً في صحف مجتمعية عرقية غير إسلامية عن براعته في علم الفلك والأرقام والسحر الأسود.

يتواءم الكثير من مقاربته الإيديولوجية والدينية مع صورة نمطية معينة، رجل الملابس التراثية والتنكر. وقد كشف موقعه العنكبوتي الخاص زيف شخصيته، عارضاً جهلا مميزاً في الرسميات الدينية لشخص من المفترض أن يكون متبصراً في العلم الإسلامي.

لكل ذلك، كان ذلك شكلاً نفع بالنسبة لذوي التفكير العقلي الأقل، وإنما الأكثر موهبة في الجانب العاطفي. وكتب المعلق عرفان يوسف بشيء من السخط في “كريكي” (23 تشرين الأول 2009)، عن الهوس الملازم في المنافذ الإعلامية المتطلعة إلى تحقيق سبق أنيق في الحصول على إدانات من القادة الإسلاميين “للشيخ هارون”، لماذا، سأل يوسف عن استخدام المراسلات البلهاء لشيخ مزيف للطعن في 360.000 شخص لم يسمع معظمهم به أبداً (بمن فيهم الزعماء الدينيون)؟.

في يوم ما، استطاع ذلك الرجل المدعي أن يرى في أستراليا مجتمعاً على مقربة من أن يكون كاملاً: وكان الشيء التالي هو كتابة ملاحظات لاذعة وإرسالها إلى عائلات جنود كانوا قد قتلوا في أفغانستان، وقام بذلك استناداً إلى مبرر عدم تشجيع الصراع. وكان يتقمص شخصية داعم للدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام “داعش”، قائلاً إنه كان قد تم “تحويل” طائفته قبل شهر، رغم أن أي تبرير من جانبه بدا دائماً غير مقنع. ودائماً كمنت في خلفيته ادعاءات من جانبه لتدخل من الأجهزة السرية الإيرانية والأسترالية.

قبل عام من المقالة التي نشرها يوسف، وجهت دعوات من جانب قائد شيعي في أستراليا، كمال مسلماني، للتحقيق في موثوقية بروجيردي، مشيراً إلى أن ادعاءاته بأنه زعيم روحاني كانت من محض الخيال في أفضل الحالات. وبالنظر إلى أن المعلومات عن الموضوع لا تضيف شيئاً ببساطة، فإن جهاز المراقبة والأمن قصّرا، مما أفضى إلى نتائج مميتة. أما الأسوأ، مع ذلك، فهو أن هناك أكثر من مجرد الهمس بأن قوات الأمن كانت لتعرف عن سجل الشيخ المزيف وموقفه وشخصياته المتخفية العديدة. لكن الشخصية الدينية انتهت في نهاية المطاف إلى الموت، وأخذت معها رهينتين أصليتين جداً.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى