الأربعاء, مايو 13, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارسياسات أميركا في العالم العربي لا تعكس قيمها

سياسات أميركا في العالم العربي لا تعكس قيمها

فهرس

حاول وزير الخارجية الأميركية جون كيري أن يحول دون نشر التقرير عن التعذيب الذي مارسته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، متعللاً بالمخاوف من حدوث ضربة ارتدادية ضد أهداف أميركية في الشرق الأوسط. لكن الحقيقة هي أن المنطقة تُعنى بالكاد بالرد على نشر الوثيقة المكونة من 528 صفحة.
لقد تجاهلت كل وسائل الإعلام التي تديرها الحكومات في المنطقة تقريباً هذا التقرير بشكل كامل، وظلت حريصة على التقليل من شأن تواطؤ الأنظمة المحلية الخاص في برامج التسليم، واستخدامها المستشري للتعذيب في سجونها المحلية. وأخذ الجمهور العربي هذه المكتشفات ببساطة، باعتبارها تأكيداً للحقائق التي لطالما اعتقد الناس هنا أنها صحيحة منذ وقت طويل. أما أن يثير التقرير مثل هذه الضجة في الولايات المتحدة، فهو مظهر كوميدي بالنسبة لمنطقة تتوقع سلوكاً غادراً من الولايات المتحدة. وإذا كان ثمة شيء، فهو أن العالم العربي يشك في أن هذه الأبعاد إنما تشكل مجرد جزء صغير من مجموعة أوسع نطاقاً بكثير من الانتهاكات التي لن يتم الكشف عنها بعد.
على الرغم من رد الفعل المُسكَت، فإن ما تكشف عن استخدام الاستخبارات المركزية الأميركية الكثيف للتعذيب يلحق ضرراً هائلاً بالولايات المتحدة والغرب بشكل عام. ويتم استخدام التفاصيل فعلاً الآن كذخيرة تستعملها “الدولة الإسلامية”، أو “داعش”، لنزع الصدقية عن تدخل التحالف في سورية والعراق، كما أنها ستعمل بقوة على تقويض جهود الولايات المتحدة للحد من استخدام التعذيب في الشرق الأوسط.
مع ذلك، تبقى الحقيقة هي أنه الولايات المتحدة فقدت، بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط، سلطتها الأخلاقية قبل وقت قليل من نشر هذا التقرير، فيما يعود في جزء كبير منه إلى تدخلاتها المعروفة في الصراع العربي الإسرائيلي، ودعمها للحكومات الاستبدادية. وقد عمل انحياز الولايات المتحدة الواضح في مسألة الصراع بين إسرائيل وفلسطين على تقويض شرعيتها الأخلاقية في المنطقة، حيث يعتقد أكثر من 80 % من الأردنيين، والمغاربة، والسعوديين واللبنانيين، بأن الولايات المتحدة لم تكن طرفاً نزيهاً ونظيف اليد في جهودها للتوصل إلى حل متفاوض عليه.
عمل الدعم الأميركي المستمر للحكومات القمعية أيضاً على خفض منسوب الثقة في ذلك البلد. وفي أيلول (سبتمبر)، ألقى الرئيس أوباما خطبة في مبادرة كلينتون العالمية، والتي قال فيها: “لقد أصبحت الشراكة مع منظمات ومجموعات المجتمع المدني حول العالم وحمايتها الآن مهمة يضطلع بها كامل حكومة الولايات المتحدة”. وفي الوقت نفسه، حاربت إدارته من أجل التجاوز عن الشروط الخاصة بدعم الديمقراطية في موضوع المساعدات العسكرية لمصر، وحققت الإدارة هدفها في الأسابيع الأخيرة عن طريق إدراج متغير “الأمن القومي” في قانون الإنفاق الذي يتوقع أن يمرره الكونغرس قريباً. ويجري هذا على الرغم من أن حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي شنت هجوماً شرساً ضد منظمات المجتمع المدني في مصر، وأجبرت الكثير منها على تعليق عملياتها أو مغادرة البلد.
هناك إحساس لدى البعض في إدارة أوباما بأن الولايات المتحدة، في مواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة، لا تستطيع تكلف عبء تطبيق سياسة مؤيدة للديمقراطية. لكنه في حين تفشل الولايات المتحدة في الارتقاء إلى مستوى القيم التي تزعم أنها تعتبرها عزيزة، فإنها تقوم في الحقيقة بإثارة عواطف المعاداة للأميركا في الشرق الأوسط، وبتقويض مصالحها الخاصة هناك. وبالإضافة إلى ذلك، تقوم الكثير من الأنظمة الاستبدادية التي تدعمها الولايات المتحدة بترويج دعاية مناهضة للولايات المتحدة، في محاولة مكشوفة لإنقاذ وتدعيم شرعيتها الخاصة على حساب الولايات المتحدة. وفي شهر آب (أغسطس)، اتهم السيسي الولايات المتحدة بالعمل مع جماعة الإخوان المسلمين، وقطر وتركيا، من أجل تمويل مشاريع إعلامية على الإنترنت، والتي “تهدف إلى تقويض استقرار مصر”. وتمتلئ وسائل الإعلام المصرية التي تسيطر عليها الدولة بنظريات المؤامرة الغرائبية المناهضة لأميركا.
الحكومة البحرينية، التي فشلت الحكومة الأميركية في تحميلها المسؤولية عن حملاتها القوية ضد الحركة المؤيدة للديمقراطية في البلد، شنت هجمات غاضبة على نحو مماثل ضد رجل الكونغرس، جيمس ماكغوفيرن، ومنعته من دخول البلاد، وقامت بطرد مساعد وزير الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، توم مالينوفسكي، وهي تقود حملة لتشويه سمعة السفير الأميركي توماس كراجيسكي.
والنتيجة هي أن مؤيدي النظام ومعارضيه على حد سواء يكنون كراهية كبيرة للولايات المتحدة، حيث يشتري الطرف الأول الدعاية التي يوزعها النظام، ويتأسف الأخيرون على غياب الدعم الأميركي لحركاتهم المؤيدة للديمقراطية. وفي البحرين، يصبح كل من الملكيين والشيعة المتخاصمين، معادن للولايات المتحدة باطراد. كما وجدت دراسة أكاديمية حول مصر أن الكثيرين من أولئك الذين يفضلون الانقلاب العسكري ضد الرئيس مرسي وأولئك الذين ضد الانقلاب، ينطوون على وجهات نظر معادية لأميركا على السواء.
إن المخاوف من أن يفضي الإفراج عن تقرير مجلس الشيوخ عن التعذيب إلى احتمال تقويض مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تفشل في الاعتراف بالضرر الهائل الذي تم إلحاقه مسبقاً. وقد ساهمت كل من تناقضات الولايات المتحدة في سعيها إلى تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، بالتزامن مع إشعال العواطف المعادية لأميركا بواسطة الصحافة التي تديرها الحكومات في العالم العربي، في خلق مشاعر من الشكوك العميقة إزاء نوايا الولايات المتحدة في المنطقة. والنتيجة هي أنه حتى لو حاولت الولايات المتحدة الانخراط بشكل إيجابي في المنطقة، فإنها سوف تُقابل ببحث الناس بلا كلل عن دوافعها الخفية من وراء الانخراط.
لعل أفضل طريقة تمكن الولايات المتحدة من تحسين موقفها في المنطقة، هي أن تنتهج سياسات تنسجم مع القيم الأميركية. إنها لا تستطيع التبشير ضد تعذيب السجناء عندما تسمح لمثل هذه الانتهاكات بأن تحدث في وكالاتها الخاصة، وتفشل في إخضاع المسؤولين عنها للمساءلة والمحاسبة.
يجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تعيد توجيه سياستها الخارجية، وبطريقة تجعل الحكومات الأخرى موضع مساءلة وتحمل للمسؤولية عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وأن ترفض تزويد المساعدات العسكرية لتلك الدول التي تستخدم العنف في قمع معارضيها. وعلى المدى البعيد، سوف يعمل دعم مثل هذه الأنظمة على المزيد من الإضرار بمصداقية الولايات المتحدة وسوف يهدد أمنها.
يبقى الأمل أن يكشف تقرير موثوق يصدر ذات يوم، أن الولايات المتحدة قامت بنجاح بفرض سياسة لا تقبل أي قدر من التسامح مع التعذيب وسوء المعاملة. وعندئذ فقط، سوف يشعر الشرق الأوسط بالمفاجأة حقاً.

د. نسيبة يونس* – (الأبزيرفر)

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية

*هي باحثة مشارِكة رفيعة في “مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب