
يجب أن أقر بأنني كنت متشككاً نوعاً ما عندما اقتربت الأسبوع الماضي من «قمة البيت الأبيض بشأن مكافحة التطرف العنيف». وكنت قلقاً من ألا تتمخض عن شيء. وخشيت من أن يُنظر إليها على أنها تستهدف المسلمين الأميركيين وتشكل شعوراً بالغربة بالنسبة للبعض، بينما تغذي في الوقت ذاته إحساس الشك الناتج عن زيادة جرائم الكراهية ضد المسلمين. وقد توجست خيفة أيضاً من حقيقة أن «مكافحة التطرف العنيف» قد أصبحت «مهنة» لبعض «مُسترزقي العلاقات الاجتماعية» الذين كانوا يسبرون أغوار «مصادر رزق» مربحة وإن كانت مضللة وعديمة الجدوى كتلك المؤسسة التي أنشأها
من يصفون أنفسهم بـ«خبراء الإرهاب» منذ جيل كامل.
وعلى رغم ذلك، فقد ذهبتُ وشاركت. وبالطبع، وجدت هناك بعض «المسترزقين»، وحضرت بعض الجلسات التي شعرت بأنها عديمة الجدوى، وحضر أيضاً بعض المسلمين الذين احتجوا على الحدث لاقتناعهم بأن أية مناقشة حول المسلمين قد تُسهم في مزيد من التمييز ضد مجتمعهم. وعلى رغم ذلك، لم يكن هذا هو ما ميّز القمة بالنسبة لي، لأنني وجدت في البيت الأبيض أيضاً بعض الأشخاص الجديرين بالاهتمام الذين كانوا يقومون ببعض الأمور الاستثنائية للمجتمعات في أنحاء الولايات المتحدة، وقد طُلب مني ترأس إحدى جلسات القمة، واندهشت من النقاش الذي دار. فقد كانت القاعة مليئة بالأشخاص المميزين، من قادة الجاليات والسياسة وقطاع الأعمال ورجال الدين من أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا، وجميعهم كانوا يبذلون جهوداً حثيثة لبناء الجسور وتعزيز التفاهم. وإن كانت التحديات الراهنة قد تظهر أسوأ ما في البعض، إلا أنها أيضاً تتيح الفرصة لاجتماع أشخاص مميزين سوياً لدعم بعضهم بعضاً.
ولكن ما أضفى أهمية في نهاية اليوم كان الخطاب الختامي الذي أدلى به الرئيس أوباما، الذي لعب من خلاله أدواراً متعددة، كمعلم ومحلل ووالد متعاطف وزعيم ملهم، فاكتست تصريحاته بالحنكة والانضباط.
وفي حين تقود الولايات المتحدة ائتلافاً موسعاً يضم كثيراً من الدول التي تستهدف تنظيم «داعش» الإرهابي عسكرياً، حرص الرئيس أوباما على توضيح استراتيجية للهجوم على الأيديولوجية التي يستخدمها التنظيم في تجنيد بعض الشباب المهمش والساخط.
وأشار الرئيس إلى أن تحدي وهزيمة مقاتلي «داعش» تتضمن أكثر من القوة العسكرية للائتلاف، وستتطلب تحدي أيديولوجيتهم وتفكيك البنية التحتية لعمليات التجنيد التي يقومون بها. وقد كان ذلك محور تركيزه.
والحال أن تقويض أيديولوجية المتطرفين هو أول الواجبات، ولابد أيضاً من معالجة المظالم السياسية والاقتصادية التي يستغلها الإرهابيون. ويتعين تفعيل الشراكات مع المجتمعات المسلمة لكي يتم تمكينها من تحدي الأهداف الخاطئة والخطيرة التي يسعى المتطرفون إلى تحقيقها.
وقد أوضح الرئيس أن الاستياء والغضب أو التهميش هو ما يجعل بعض الشباب عرضة للتضليل والتغرير بأفكار المتطرفين. ولكن في حين أن دعاة العنف يمكنهم الاستفادة من غضب الشباب، إلا أنه لا يمكنهم تقديم شيء حقيقي. ولابد من توضيح ذلك أمام المجندين الذين يتم إغواؤهم وجرهم إلى شبكة المتطرفين.
وسيتطلب فعل ذلك جهوداً منسقة وتعاوناً من قبل المجتمعات. وقد واصل الرئيس تصريحاته الحازمة تجاه تنظيم «داعش»، وكان قوياً في عزمه على هزيمة الإرهاب.
بيد أن الرئيس كان واضحاً أيضاً في أن استهداف «داعش» والأيديولوجيات المتطرفة العنيفة الأخرى، لا يعني أن الولايات المتحدة والغرب بشكل عام في حرب مع الإسلام، مؤكداً أن «داعش» و«القاعدة» يرغبان في تأطير الصراع بهذا الشكل. وأوضح أن «التنظيمين يستميتان من أجل الحصول على الشرعية، فيحاولان تصوير عناصرهم على أنهم زعماء دينيون، ومقاتلون في حرب مقدسة دفاعاً عن الإسلام، ويروجان مفهوماً مغلوطاً يزعم أن أميركا في حرب مع الإسلام، وبهذه الطريقة يجندان المقاتلين. ولكن ذلك كله أكذوبة، فلا هم زعماء دينيون ولكنهم إرهابيون، ولا أميركا في حرب مع الإسلام».
ومن غير المثير للدهشة أن منتقدي الرئيس في أميركا هاجموا هذا التصريح الأخير، فعلى مدار أيام، عكف الجمهوريون ومحللو عدد من وسائل الإعلام على مهاجمة ما لم يصرح به الرئيس بدلاً من التركيز على تصريحاته. ومن الواضح أنهم أرادوا أن يقول الرئيس أن الولايات المتحدة في حرب مع «الإرهاب الإسلامي» أو «التطرف الإسلامي». فمن جانبه قال السيناتور الجمهوري جون ماكين، «لا يمكنك الفوز في حرب إذا لم تستطع تسمية عدوك»!
وكان الهجوم الأشد من رئيس بلدية مدينة نيويورك السابق رودي جيولياني، الذي قال: «إن على أوباما أن يتمكن من انتقاد الإسلام»، موضحاً أن مشكلة أوباما أنه لا يحب الولايات المتحدة، و«لم يتربّ على حب هذه البلاد».
ولكن انتقادات جيولياني وماكين لم تكن بائسة ومهينة فحسب، ولكنها كانت أيضاً خاطئة تماماً، ذلك أن الرئيس دشّن تحالفاً حشد فيه معظم الدول الإسلامية، وجعلها شركاء في الحرب ضد التطرف العنيف. واختار مساراً مخصصاً لعزل وتدمير التنظيم الذي وصفه بـ «طائفة الموت».




