الإثنين, مايو 11, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءالقدس ... في القرارات العربية والأممية ... بقلم :نبيل حمودة

القدس … في القرارات العربية والأممية … بقلم :نبيل حمودة

فهرس
انتهت قبل اسابيع الدورة السادسة والعشرين للقمة العربية، وبالرغم من الجروح الدامية التي تنزف وتمزق الجسد العربي، وحالات التشرذم والتشتت والانقسام والمشاكل الداخلية التي تهز وتعصف بالأمة ومعظم المجتمعات العربية، إلا ان الانتهاكات والاعتداءات الاسرائيلية وعلى رأسها ما يجري في شرقي القدس بحق سكانها الفلسطينيين، حظيت بحضور على جدول اجتماع هذه القمة، ولو كان حضوراً باهتاً وفاتراً والذي طرح باستحياء على جدول الأعمال، مما يظهر تقهقر بؤرة ومركز وصدارة الاهتمام العربي بقضية فلسطين والشعب الفلسطيني، أمام التناقضات والمصالح والاختلافات الشائكة التي تمر بها الدول والمجتمعات العربية.
ويتضح ذلك إذا ما قورنت القرارات التي صدرت عنها بقرارات القمم العربية السابقة، لكونها قرارات لا تفضي الى اتخاذ أية إجراءات او خطوات تنفيذية تعزز وتدعم عملياً صمود ورباط الشعب الفلسطيني، عدا تقديم بعض المساعدات المالية محدودة القيمة والمدة، فاكتفي بذكر العبارات ذات الطابع الهجومي التي تندد بما تقوم به اسرائيل من انتهاكات في الاراضي الفلسطينية، والى دعوة المجتمع الدولي بالعمل على إنهاء الاحتلال الاسرائيلي وانسحابه من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإعادة الحقوق الفلسطينية الشرعية لأصحابها ليتمكنوا من تقرير مصيرهم.
كانت قرارات تقليدية لم تأتِ أو تقدم الشيء الجديد، ولم تخرج في فحواها عن قرارات القمم السابقة، والخشية كل الخشية ان تبقى مجرد حبر على ورق، محفوظة في ادراج المكاتب وأرشيفات الحفظ، او ترمى في سلات المهملات لتنسى وتضيع مع مرور الزمن ولا تجد طريقها للتحقيق، لكونها لا تنطوي على الرغبة أو القدرة على آليات التنفيذ. لذا هاجمها واستهجنها العديد من الباحثين والمفكرين والمثقفين والإعلاميين العرب، المتشككين بأهمية وجدوى مثل هذه القمم لقناعتهم بأن قراراتها مجرد شعارات وبيانات متكررة وأقوال مملة، تستعرض بسرد نظري وسطحي وتفصيلي تاريخ وأحداث مشاكلنا السياسية وما يحيطها من آثار خطيرة، فلا تتعدى إلا صياغة تجميعية لما يدلى به من تصريحات وبيانات صدرت عن كبار المسئولين العرب، وسرد وتكرار لما تكتبه الصحف والمجلات، وتتناقله وكالات الانباء، وتردده الاذاعات، والقنوات الفضائية قبل عقد الاجتماع.
فهي بوجهة نظرهم مجرد قرارات تصاغ بعبارات قوية، جياشة ومتينة، شديدة الحماسة، تحرك المشاعر، وتدغدغ العواطف، وتثير النفوس، هدفها امتصاص نقمة الشارع العربي والإسلامي، فلا تتعدى الادانة والاستنكار والرفض والشجب والقلق والاعتراض على ما تقوم به اسرائيل، والدعوات والمطالبة لتدخل القوى العظمى والهيئات وأجهزة الامم المتحدة للضغط على اسرائيل لتطبيق قرارات مجلس الامن والجمعية العمومية والمنظمات الدولية، ومطالبتهم بإيقاف التمادي والتوغل في الاجراءات القمعية والاعتداءات الاسرائيلية المستمرة على حقوق الشعب الفلسطيني.
ولعل التطرق ومتابعة القرارات المختلفة التي صدرت عن القدس بالقمة الاخيرة، خير دليل ومثال على ذلك، باعتبار القدس جوهر ولب القضية الفلسطينية، فمعظم ما جاء عنها كان استعراضاً شاملاً لأهمية القدس ومكانتها، وإظهار الامتعاض “العربي والإسلامي” الكبير لما تتعرض له المدينة المقدسة، وما يتعرض له أهلها العرب من قمع وبطش ومضايقة لتطفيشهم وتهجيرهم وإبعادهم وترحيلهم عن مدينتهم، وما يقوم به الاحتلال من إجراءات تعسفية باعتبارها في وجهة نظرهم مدينة خارجة غير قابلة لاي نقاش، واعتداءات تمس المقدسيين وانتهاك حرمات المسجد الاقصى المبارك وأماكنهم المقدسة، وما يقوم به الاحتلال من تزوير تراث وإرث المدينة وآثارها دون اكتراث من اية جهة ودون مراعاة لأحد، وخطواته لتغيير معالم المدينة ومشهدها العربي، وطمس هويتها، كما تضمنت القرارات الدعوة الى ضرورة التمسك بالحقوق والثوابت الفلسطينية، وقيام الدول الكبرى بتحمل مسؤوليتها للضغط على إسرائيل للإنسحاب منها، ووقف التوسع والإحلال الاستيطاني فيها.
إن هذا الابتعاد والتجاهل التدريجي، وإرجاء وتأجيل تداول بحث ومعالجة قضية القدس، يعتبر نموذجا واضحا للتهرب من مجابهة ما يتم اتخاذه بالقدس وحولها، ومن التراخي وعدم جدية مناقشة القضايا الفلسطينية الجوهرية من النواحي المصيرية او الاستراتيجية، وعدم التمكن من إيجاد اليات ملزمة لتطبيق وتنفيذ قرارات الشرعية، سواء الصادرة عن القمم العربية او المحافل الدولية، فهي محاولات إلتفاف على قرارات الشرعية، تهدف الى محو شرقي القدس من الذاكرة مع مرور الوقت، وإحالتها الى مجرد قضية هامشية تبريرية وترتيبات شكلية ودعائية لتليين المواقف وكسر الثوابت واضاعة الحقوق السيادية الدينية والتاريخية والشرعية للشعب الفلسطيني، بأية وسيلة حتى ولو بالقمع والقتل واستخدام القوة العسكرية، والتمادي والتصلب والتعنت الاسرائيلي. وبفرض وقائع جديدة على الارض تحول دون القدرة على التنفيذ لتحويلها من قضية سياسية وسيادية الى مجرد قضايا مشاكل دينية وأماكن مقدسة.
ان هذا التراخي وهذه المرونة والتناقضات المتعمدة في صيغة القرارات، وعدم ممارسة أي ضغط جدي عليها وإلزام تطبيقها، والابتعاد عن مواجهة الحقائق والأوضاع في القدس، بل القضية الفلسطينية برمتها، ترجع لازدواجية معايير ومقاييس مراكز القوى العالمية المؤثرة، ومواقفها الداعمة والمؤيدة لإسرائيل، وكيلها للصراع العربي الاسرائيلي بمكيالين، وانحيازها الكلي لتأييد المواقف الاسرائيلية، بما يتفق مع المصالح والأهداف الصهيونية المتطابقة والمتشابكة والمتبادلة مع المصالح الحيوية لهذه القوى، لتثبيت اسرائيل على أرض فلسطين وضمان أمنها وسلامتها، وإبقائها قوة متفوقة استراتيجياً على جميع اطراف الصراع معه. فلقد أصدر مجلس الامن الدولي والجمعية العمومية عشرات القرارات بشأن القضية الفلسطينية ومدينة القدس بشكل صريح او ضمني، وبصيغة مباشرة وغير مباشرة، أقرت فيها بحقوق الانسان الفلسطيني ومعاناته، وطالبت بإنهاء الاحتلال ورفض وبطلان اجراءاته غير القانونية لتهويد المدينة وأسرلتها، وخطوات ضمها ومحاولات وإخلاء سكانها وإقامة المستوطنات فيها وحولها، وتهديد وانتهاك مقدساتها، وإيجاد تسوية معها والتي ذهبت جميعها ادراج الرياح، وذلك لرفض الحكومات الاسرائيلية وعزوفها وعدم إذعانها لتطبيق القرارات الدولية وخرقها وتمردها حتى على حلفائها وعلى قواعد القانون الدولي، وعدم تزحزحها عن مواقفها المتشددة وأهدافها المتصلبة ولو قيد انملة، إدراكاً منها بمساندة ووقوف مراكز وقوى الدول الغربية بجانبها والانحياز لها، لذا فهي غير آبهة بما يصدر من قرارات الشرعية الدولية ضاربة إياها بعرض الحائط، ففي القدس تقف وتتعطل ولا تنفذ قرارات الشرعية، وتعلَّق حقوق الانسان المقدسي وقواعد القانون الدولي الانساني، ومواثيق واتفاقيات المنظمات الدولية على لعجز المجتمع الدولي عن مواجهة الخروقات الاسرائيلية ولعدم قدرته على اتخاذ اية اجراءات الزامية او تنفيذية ضدها، لإنحياز المواقف الغربية وسياسة المعايير المزدوجة” واستخدام امريكا على وجه الخصوص لحق النقض “الفيتو” لتوجهاتها الاسرائيلية، وللحيلولة دون صدور قرار يتعارض مع المصالح الاسرائيلية، بل يقوم مقامها القوانين الداخلية و قرارات الرقابة العسكرية، وتعليمات الحكومات والبلديات الاسرائيلية المحلية التي تعتبر أكبر تأثيراً وتطبيقاً من قرارات الشرعية الدولية.
أليست مخالفة الاحتلال لقرار تدويل القدس الصادر عن مجلس الامن منذ يزيد عن 67 عاماً مثالاً على ذلك ؟ أو ليس مخالفة الاحتلال إتفاقيات جنيف لعام 1949 ولاهاي وغيرها من المواثيق والأعراف والقوانين الدولية ذات الصلة بالاستيلاء على الارض الفلسطينية بالقوة وقيامها بالإجراءات والممارسات التي تتعارض مع أنظمتها دليلاً آخر على ذلك. أو ليس عدم الاذعان لقرارات وتوصيات الهيئات الدولية بعدم مساس الاحتلال بالآثار والإرث وبالتراث الانساني للقدس والأقدام على سرقة وتزوير وتشويهه وتغير معالمه امثلة اخرى على ذلك ؟، أو ليس استخدام الاسلحة الفتاكة بما فيها المحرمة دولياً ضد الشعب الفلسطيني والأماكن المقدسة والسكوت عنها دليلاً على ذلك ؟، أليس اصدار قرارات مجلس الامن بدون اشارة أو ربط أي منها بالفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ولو لمرة واحدة لإظهار الجدية دليلاً على ذلك ؟ .س
ومن جانب اخر وفي الوقت الذي صمتت فيه الهيئات العالمية وتنصلت عن تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وأغمضت عينيها عن المخالفات والانتهاكات والخروقات والاعتداءات الاسرائيلية بشأن الحقوق الفلسطينية، تراجعت وتخاذلت وتراخت مواقف وقرارات القمم والدول العربية والإسلامية التي لم يعد لها وزن وثقل سياسي مؤثر، فتبدلت مواقف وقرارات القمم العربية التي كانت محددة وواضحة “كقرار الجامعة العربية عام 1945 بالدعوة الى وجوب مقاطعة الدول العربية لجميع المنتجات والمصنوعات اليهودية في فلسطين”، أو التي اتخذت في “مدينة أنشاص بمصر” عام 1946 والتي تقرر فيها اعتبار الصهيونية خطرا دائما، وان فلسطين عربية، وهي قضية العرب جميعاً”. وموقف القمة العربية التي عقدت عام 1967 في الخرطوم التي عرفت واشتهرت بلاءاتها الثلاثة لا صلح مع اسرائيل، ولا اعتراف بها، ولا تفاوض معها.
ومقارنة مع القمم العربية التي عقدت في السنوات الأخيرة كالقمة التي عقدت عام 1982 والتي صدر عنها مشروع مبادرة السلام العربية، والتي كانت نتيجة لإحساس القادة العرب بتعقيدات القضية الفلسطينية وعدم القدرة على حلها فأبرزت ملامح التحول في الصراع العربي/ الاسرائيلي بالواقعية السياسية، فتحول الصراع من صراع حضاري مصيري ووجودي الى صراع سياسي قابل للحل والتسوية بالطرق السياسية والسلمية عن طريق الحوار وإجراء المفاوضات المباشرة الفردية أو جماعية مع اسرائيل برعاية ومواصفات امريكية، فاستغلت اسرائيل هذا الوضع من الاحباط والضعف والتباين العربي وقامت برفض المبادرة العربية، وهي التي كانت تدعوا وتتمنى الصلح مع العرب والتعايش السلمي معهم.
لقد عايش وخَبَر الفلسطينيون عموماً والمقدسيون خاصة خيوط المؤامرات الدولية التي حيكت ضدهم منذ مؤتمر بال في سويسرا عام 1897م، فهبوا وثاروا وانتفضوا إلا ان حجم المؤامرات وموازين القوى وضخامة الخطط ضدهم كانت اكبر من كفاحهم وإمكانياتهم وقدراتهم، فواقعهم وحالتهم صورة ليست بعيدة عن الاوضاع الحالة العربية.
وما نراه اليوم في الواقع الفلسطيني والمقدسي ليس وليد صدفه بل حصيلة تراكمات ومؤامرات ودسائس وإخفاقات وانهيارات عربية خطط ورتب لها واعدتها وأنجزتها الحركة الصهيونية بتواطؤ سافر مع القوى الدولية العظمى، وان ما نراه من اتفاقيات ما هي الا وسائل تتخذها الصهيونية لتمرير المشروع الصهيوني على حساب المشروع العربي الذي يبدأ من وينتهي في القدس. فالحركة الصهيونية غير قادرة أو مؤهلة للسلام ويستحيل عليها التعايش السلمي مع الغير.
فعزل القدس عن القضية الفلسطينية استراتيجية ومخطط صهيوني بدء في تنفيذه منذ بداية التوسع الصهيوني لهجرة اليهود للقدس عام 1921، الذي هيأ له صدور وعد بلفور عام 1917، تلاها قرار التقسيم الدولي رقم 181 بتاريخ 1947 الذي أوصى بأن يكون للقدس كيان خاص عن فلسطين “باقتراح تدويلها”، وكان بناء الاحتلال لجدار الفصل العنصري الذي احكم سيطرته على القدس وأهلها ومنع دخول الفلسطينيين اليها، حتى يتمكن من الانفراد والتدخل في شئون المدينة المقدسة كما يريد ويشاء دون اي مسوغ قانوني او انساني، وإحكام سيطرته على المسجد الاقصى المبارك للتحكم في الدخول إليه والخروج منه، تمهيداً لهدمه وبناء هيكله الثالث المزعوم مكانه.
إلا انه وبالرغم من كل ما يحاك ضد القضية والشعب الفلسطيني لن يتخلى الفلسطينيون عن حقوقهم الثابتة، او يتنازلوا عن اي جزء من مقدساتهم أو أي ذرة من ترابهم الوطني، او يتهاونوا في تحقيق تطلعاتهم الوطنية والقومية، وسيبقون مدافعين عن قضيتهم وعن القدس والمسجد الاقصى، والأماكن المقدسة، تساندهم في ذلك جميع الشعوب “العربية والإسلامية” وكل انسان محب للكرامة وللحرية والعدالة والمساواة.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب