الأربعاء, مايو 13, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءطرق مبتكرة لمنع انتقاد إسرائيل...بقلم:لورانس ديفيدسون

طرق مبتكرة لمنع انتقاد إسرائيل…بقلم:لورانس ديفيدسون

فهرس

أصبح التهديد بالقيام باحتجاجات عامة ضدَّ مَن يجتمعون لإجراء نقاش حول سلوك إسرائيل، يُتخَذ ذريعة لمنع عقد مثل تلك الاجتماعات . وأحدث مثال على هذا التكتيك، الذي يمثل في حقيقة الأمر شكلاً من الابتزاز بغرض فرْض الرقابة، حدث في جامعة ساوثامبتون في المملكة المتحدة، في وقت سابق من شهر نيسان .
كان من المقرَّر عقد مؤتمر دولي في جامعة ساوثامبتون، بعنوان “القانون الدولي ودولة إسرائيل: الشرعية، المسؤولية والاستثنائية”، في الفترة الواقعة ما بين 17-19 نيسان 2015 وكان من المفترض أن يضُمّ المؤتمر محامين وأكاديميين، يتدارَسون الأساس القانوني الذي قامت عليه دولة إسرائيل، والمبرّرات المنطقية (أو غياب المبرِّرات المنطقية) لمعاملتها التاريخية للشعب الفلسطيني.
وكان المعيار الذي سيُطبَّق في الحكم على هذه القضايا هو القانون الدولي . وكان المؤتمر سيدرُس أيضاً قضيّة الاستثنائية التي تعامَل بها إسرائيل عند الردِّ على سياساتها وسلوكها . كما كان المؤتمر، سيحتوي ضمن المشاركين فيه، على أشخاصٍ ينتقدون إسرائيل، وآخرين يدافعون عن ممارساتها .
وكان التحضير للمؤتمر جارياً على قدم وساق منذ أكثر من عام . ومع ذلك، وقبل انعقاده ببضعة أيام، أعلنت جامعة ساوثامبتون أنها لن تسمح بالمضي قُدُماً في عقد هذا التجمع في حرمها الجامعي، لأن في ذلك “خطراً على الأمن والنظام العام” . وعزت ذلك إلى احتمال حدوث احتجاجات ضدّ المؤتمر .
ومصدر هذه التهديدات، بطبيعة الحال، هو الاسرائيليون وحلفاؤهم . وبتحديد أكبر، كانت منظمة “أصدقاء “إسرائيل” في ساسيكس”، على أهبة الاستعداد لحشد 300 متظاهر سلمي . وكان يُحتمل بالإضافة إلى ذلك، حضور عدد ضئيل من أعضاء منظمة “رابطة الدفاع الإنجليزية”، المناهضين للمسلمين، والموالين لإسرائيل، الذين ربما يلجأون إلى العنف .
وما مِن شكٍّ في أن الخطاب الاسرائيلي كان متطرفاً ومشحوناً عاطفياً . فقد وُصف المؤتمر بأنه تجمُّع ل”الحاقدين على إسرائيل، و”المتعصبين حقّاً”، وأنه تجمُّع ل”متحدثين ينفثون السموم”، وأنه “كرنفال معادٍ لإسرائيل” . ولم يأبه المتعصبون ذوو الدوافع العقائدية بأن ما خُطط له فعلاً، كان تمحيصاً رصيناً لنماذج تاريخية من السلوك على خلفية المعايير القانونية المعترف بها دولياً .
وعلى الرغم من احتدام الطاقة العاطفية السلبية، كان الخطر الفعلي من الاحتجاجات المزمَعة بالغ الضآلة، بدليل إعلان الشرطة المحلية أنها قادرة على التعامل مع الوضع، ومستعدّةٌ له . ومع ذلك، فإن الجامعة، بدلاً من أن تواجه مَن سيهدّدون حرية التعبير بحزم، استسلمت ورضخت بسهولة .
ولم يكن خوفها نابعاً من تهديدات اللجوء إلى العنف، وهي تهديدات مبالغ فيها، بل كان مردُّه- كما هي الحال دائماً- غضب حفنة من المتبرعين ومانحي الأموال، الذين هدَّدوا بوقف الدعم للجامعة إذا هي وفرتْ منتدى لنقاش مفتوح حول قضايا تجرِّد إسرائيل من ألوانها البراقة . وهكذا، سمحت جامعة ساوثامبتون لنفسها بأن تخضع لابتزاز الرقابة الاسرائيلية .
ويستطيع المرء أن يتخيل ما تكون عليه الأمور لو كان الوضع معكوساً . أي لو كانت تظاهرات موالية للفلسطينيين، تنطوي على “تهديد للأمن والنظام العام” أثناء عقد مؤتمر يهودي يؤيّد الممارسات الإسرائيلية . كان الجيشُ يُستدعى عندئذٍ قبل أن يُلغى مثلُ هذا المؤتمر .
ولم تكن هذه المرةَ الأولى التي يحدث فيها مثل ذلك . ففي عام 2001 قام رئيس جامعة جنوب فلوريدا، جودي غينشافت، بإرغام الدكتور سامي العريان، الذي كان عضواً في هيئة التدريس يومئذٍ، على البقاء بعيداً عن الحرم الجامعي، بسبب قيام وسائل الإعلام بتشويه سمعته، والتهديدات الاسرائيلية التي وُجهت إليه .
ولم يكن ذلك لشيء، سوى تأييده الصريح للحقوق الفلسطينية . وهكذا دخلت هذه الجامعة، في عداد الجامعات التي استسلمت للابتزاز من قبل متعصبين ذوي دوافع أيديولوجية، وتخلت في أثناء ذلك، عن مبدأ حرية التعبير، وأتاحت للرقابة أن تهيمن عن طريق التهديد بالتشويش وافتعال الشغب.
ولا يقتصر الأمر على فرض الرقابة على منتقدي إسرائيل، بل ينطوي أيضاً على تقويض سيادة القانون، ولا سيّما القانون الدولي . وتكمن المفارقة هنا في أن جلَّ منظومة القوانين هذه، كان قد نُشر على الملأ بسبب الاضطهاد الذي عاناه يهود أوروبا وغيرهم أثناء الحرب العالمية الثانية .
ولكنّ العناصر اليهودية (وليس اليهود كلهم) قررت أن مستقبلها لا يكمن في مؤازرة القانون، بل في خلق دولة من خلال عملية احتلال واستيطان استعماري . وسعت تلك العناصر إلى تحقيق هذا الهدف، تماماً في الوقت الذي كانت فيه الامبريالية والاستعمار الكلاسيكي، يلفظان أنفاسهما الأخيرة، وكانت الإمبراطوريات الأوروبية تتفتت وتتمزق .
وهكذا، كانت الصهيونية- حتى في اللحظة التي نجحت فيها في إقامة دولة “إسرائيل”- قد أصبحت نابية عن عصرها، وصارت عقيدة لا يمكن أن تهيمن إلاّ من خلال السياسات المتطرفة، في عالم كان يسعى إلى تجريم كلا النوعين من السلوك .
وكان نجاح الصهيونية حتى الآن، في تحقيق هدفها، يعود بدرجة كبيرة إلى أنها حققت لإسرائيل وضعاً “استثنائياً” في الغرب، مما أتاح لها مهرباً من حكم القانون . وبتعبير آخر، تطورت إسرائيل إلى دولة تحظى بحماية القوى الغربية، ولا سيّما الولايات المتحدة . وقد حققت إسرائيل هذا الوضع “الاستثنائي” بوسيلتين: الأولى، إفساد الصهيونية للحكومات الغربية من خلال عمليات جماعات الضغط ومن بينها رشوة السياسيين، والثانية، عبر استغلال الخوف الغربي من العالم العربي والإسلامي .
وكان مؤتمر ساوثامبتون يسعى إلى كشف هذا الوضع بطريقة رصينة تستند إلى الحقائق، التي يصعب على كل مُنصف أن يشك فيها . وهذا هو السبب الذي جعل الاسرائيليين يذهبون إلى هذا الحدِّ لكي يمنعوا انعقاده.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب