
لو أنك اخترت أن تتسلح بمايكروف متنقل لتسأل الناس عمن منهم يحمل جواز سفر صالحا للاستخدام في قطاع غزة لقابلك الكثيرون بتهكم كبير سيما وأن امتلاك هذا الجواز ليس إلا كمالية لا فائدة منها خاصة في ظل صعوبة الحركة والتنقل.
ولعل حرمان الناس من أبسط حقوقها الآدمية بعد نسف بيوتها وتعطيل إعمارها ليشكل في وجدانهم المسبب الأول للانفجار وانتهاء آدمية الحياة التي لطالما سرقت في فلسطين أصلا بفعل الاحتلال. الاحتلال لا بد وأن يستمر في مسعاه لضمان استدامة محاولاته التمزيقية الإحلالية، وهذا النهج لن يستديم سوى باستدامة الانقسام وغياب مقومات اللحمة واستعادة رسالة الفلسطينيين في الوطن الواحد والحال الواحد والمشروع الواحد.
فكما نجح الاحتلال جزئيا في تحويل المجتمع الفلسطيني إلى عدة مجتمعات، سيسعى مستميتا للإجهاز على أية احتمالية ممكنة لتحقيق المصالحة الوطنية. وسيحرص على أن يكون الانقسام وفصل قطاع غزة عن الضفة المسمار الأخير في نعش مشروعنا الوطني.
فالفلسطينيون في الداخل الفلسطيني لا يمتلكون مساحة معنوية وزمانية وفكرية لمتابعة ما يجري مع الفلسطيني في غزة والقدس والضفة وفي الشتات. والفلسطيني في الضفة يعيش الحال ذاتها في متابعة شؤون وهموم الشتات بينما القدس تعيش همومها وحياتها وحدها.
كما أن غزة والغزيين يعيشون الحال نفسها في متابعة الشتات والضفة والقدس والداخل. حال بائس يؤسس لكوارث إنسانية نسيجية مهمة تهدد المجتمع الفلسطيني برمته خاصة عندما لا يستطيع الناس في قطاع غزة أن يمارسوا أبسط حقوق الحياة فيتحول القطاع برمته إلى أفغانستان جديدة خاصة في أوج ارتفاع معدلات بطالة الشباب وخسرانهم بصفتهم الشريحة الأكبر عددا لأي أفق إيجابي من الممكن أن يرفدهم بالأمل.
الشباب في غزة ينبض بالحياة ويمتلك مساحة واسعة من القدرة على النهوض من بين الركام. لكن نهوضه ونقله من دائرة اليأس إلى مساحة الأمل لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات أو صخب الخلافات وإنما يتطلع للأخذ بيده لإنهاء الانقسام وتوفير الدعم المادي والمعنوي والنفسي والمهني بحيث نضمن له حياة كريمة تخرجه من الذهاب بالمشروع الوطني إلى الهاوية.
الصورة ذاتها يعاني منها الشباب في الضفة بما فيها القدس مضافا إليهم جيش اللاجئين الجدد من سوريا وجيش اللاجئين المعروف في كل ساحات الشتات.
أينما يكون الفلسطيني يكون الأمل سيصبح عنوانا لمشروع وحدوي طموح ومظلة قيمة لما سيأتي من فرص وتحديات وجواز سفر إلى مربع الخلاص من الاحتلال والمشروع التمزيقي التفريقي الصهيوني ومساعيه المتصاعدة لتدمير المشروع الوطني بفصل غزة عن الضفة نهائيا ليقتل أية احتمالية لقيام دولة فلسطينية متجانسة.
وضع الشباب اليوم في فلسطين كل فلسطين ليس إلا جواز سفر واضحا إلى جهنم، إلا أن الطريق إلى جهنم ربما تزرع بالإصرار على توليد مساحات أكبر لاستشعار الخطر ولفظه ومقاومته والعمل على حرفه باتجاه عكسي من خلال موقف سياسي وحدوي وخطوة كبيرة لإنهاء الانقسام وتوفير الدعم المالي والتسهيلات المادية والقدرات التدريبية تمهيدا للتحول نحو إنتاج المعرفة.
الطريق أمامنا اليوم متاحة لتنظيم صناديق ومشاريع ريادية ومالية ضخمة توفر المذكور بعيدا عن صبغه بأية صبغة خلافية تفريقية وإلا بقيت كلمات شاب غزي التقيته مع كتابة هذه الكلمات عالقة في مخيلتي ومخيلة الكثيرين ممن سمعوه قال فيها إنه فقد القناعة والسبب والأمل بالحياة وأن بقاءه متمسكا بها حتى تاريخه هو لخجله فقط من دموع أمه التي لم تتوقف عن البكاء منذ أن هدمت الحرب الأخيرة منزلها الصغير وقتلت أبناءها الثلاثة. فهل نتحول بعملنا نحو مساحة تخلق “الأمل بالعمل” أم نبدأ بإصدار جوازات سفر إلى جهنم؟!
s.saidam@gmail.com




