
رام الله – القدس دوت كوم -من مهند العدم – ثمّة، من بين أسباب معروفة لحالة الإرباك المهنية في المستشفيات الحكومية، وهي حالة تنتج معها “أخطاء طبية” يودي بعضها بأرواح المواطنين، ما بات معروفا عن بقاء الطبيب “المقيم”أكثر من 30 ساعة عمل متواصلة، وغياب الطبيب الاخصائي في معظم الأوقات، وبيع بعض الاطباء مناوباتهم لأطباء آخرين كي يتسنى لهم العمل في عياداتهم الخاصة، إلى جانب أن المستشفيات تحولت الى “كليات تدريبية” لخريجي الطب الجدد، بمن فيهم المتدربين للحصول على درجة الطبيب الاخصائي.
وحسب متابعات القدس دوت كوم للأوضاع في عدد من المستشفيات الحكومية في الضفة، يحدث أن الطبيب المقيم بالوردية الواحدة يناوب أربع “شفتات متتالية”قد تصل الى 36 ساعة دون قسط نوم أو راحة ، ما ينعكس على أدائه المهني، لا سيما حين يتزامن ذلك مع ارتفاع عدد المراجعين والمرضى، وهو ما يزيد من “فرص” حدوث الأخطاء الطبية.
واشار أطباء قيد التدريب في أحاديث منفصلة مع القدس دوت كوم، إلى ان الطبيب المقيم “يتحمل المسؤولية الكاملة في تشخيص وتقديم العلاج للمرضى في ظل غياب الاخصائيين في معظم الوقت، ولا يسمح للطبيب الاتصال بالاخصائي الا في الحالات الطارئة جدا”.
وقال طبيب يقيم في “مجمع فلسطين الطبي” في رام الله للقدس دوت كوم أن مناوبته تبدأ من الثامنة صباحا وتنتهي عند الثالثة عصرا في اليوم التالي، وهو ما يجعله عرضة لضغوط عمل كثيرة، بينها أنه يقوم بتغطية عمل الاخصائي في بعض الاوقات رغم انه يتواجد بالمستشفى تحت مسمى متدرب”، إضافة إلى أنه يحدث أن يقوم الطبيب في كثير من المرات بالاتصال بالطبيب المختص لأجل عملية جراحية مستعجلة، الا أنه يطلب تأجيل العملية لانشغاله في أمور أخرى “.. مضيفا : “يكفيك تجربة واحدة لزيارة العيادات الخارجية يومي الاحد والخميس لتكتشف تغيب الاخصائيين عن عياداتهم”.
“لا أستطيع تخيل ما حدث” !!
وفي حديث للطبيب الذي تعامل مع حالة ولادة بالمستشفى الحكومي بالخليل انفصل فيها رأس الجنين، قال لـ القس دوت كوم: ان الأم وصلت المستشفى في وقت متأخر من الولادة وكان جسد الطفل قد خرج جزء منه، ولم يكن هناك امكانية لاجراء عميلة قيصرية مع نزول جسد الطفل والماء الذي يحيط برأسه ، مع وجود ضعف في دقات قلب الجنين، ما دفعه لمحاولة انقاذ المولود بسحبه، واثناء عملية الشد التي وصفها بـ”العادية”، خرج جسد الطفل بشكل مفاجئ بدون الرأس .. وحينها، كما قال – “صعقني الموقف ولم أستطيع التحرك من هول الصدمة”.
واشار إلى أنه حاول انقاذ الطفل بسحبه الا ان الرأس كان عالقا في عنق الرحم وقال “اعتقد ان الجنين كان يعاني من هشاشة بالعضلات او العظام، ولا استطيع تخيل ما حدث معي تلك اللحظة”.
واوضح الطبيب المتدرب في سنته الثانية في رده على سؤال للقدس دوت كوم بخصوص من يتحمل مسؤولية ما حدث طبيا، انه لا يتحمل كل مسؤولية ما حدث، خاصة مع عدم وجود الطبيب الاخصائي الذي يجب ان يكون حاضرا عند الطلب، مشيرا الى انه لا يستطيع وفق “البروتكول” المعمول به في المستشفيات الاتصال مع الاخصائي مباشرة، حيث يتوجب عليه ان يقوم أولا بتبليغ الطبيب الأعلى رتبة منه، غير أن الاخير كان منشغلا في تلك اللحظة بحالة ولادة اخرى ولا يمكنه تركها؛ بالرغم انه حين علق رأس الجنين حاول اخبار الطبيب بذلك لكن رأس المولود انفصل أثناء ذلك .
الطبيب الذي تتحفظ القدس دوت كوم على ذكر اسمه أوضح أن “الخطأ الطبي وارد الحدوث في أي مكان بالعالم “و “هناك اخطاء طبية ارتكبت اكثر خطورة مما حصل، لكن لم يتم التشهير بها ولم تخرج للعلن”، واصفا ما تعرض له من طرد من العمل بـ”الظلم”، لافتا في حديثه إلى انه سيبحث عن وظيفة اخرى، وهو “غير نادم” لأن ضميره ودافعه الانساني كان انقاذ الجنين وليس قتله .
ويضيف الطبيب الذي أمسى عاطلا عن العمل “ان ساعات العمل التي كانت تستمر لـ31 ساعة متواصلة مرهقة ومتعبة، وتجعل الطبيب في كثير من الاوقات في حالة نعاس و ارهاق شديد، ما يتسبب في زيادة المخاطر في ظل غياب الطبيب المدرب او الاخصائي في الحالات الصعبة، فيما أبدى أطباء متدربون في احاديث منفصلة مع القدس دوت كوم خشيتهم من تحويلهم إلى”كباش فداء” في حال وقوع اخطاء طبية، لا سيما وأنهم يعملون تحت الضغط لساعات طويلة و بدون تواجد “المدرب” .
من جهته، قال رئيس نقابة الاطباء الطبيب نظام نجيب في حديث مع القدس دوت كوم” أن نحو 450 طبيبا يعملون في نظام التدريب في المستشفيات الحكومية ويتعرضون لضعوط عمل خطيرة، مشيرا في المجال إلى “خلل خطير” في نظام التعليم والتدريب الطبي في المستشفيات، حيث يعمل الاطباء اجباريا في ورديات طويلة تصل الى 35 ساعة متواصلة دون راحة، وبعضهم يعمل في مناوبات تصل الى 15 مناوبة في الشهر، ولا توجد برامج محددة توضح ما سيتعلمه الطبيب في سنوات تدريبه؛ مع نقص الاخصائيين (المدربين) وعدم اشرافهم عليهم بسبب انشغالاتهم؛ ما يتطلب اعادة النظر في النظام التعليمي في المستشفيات برمته”.
وأضاف نجيب أن الورديات الطويلة للاطباء الذين يشرفون خلالها على مئات المرضى، تسبب لهم الارهاق الشديد وترفع من احتمالية حدوث الاخطاء الطبية، كما تتسببت في وقوع حوادث سير لعدد من الاطباء اثناء توجهم الى منازلهم بسبب الارهاق والنعاس؛ ما يستوجب تنظيم أوقات عملهم، فضلا عن تخصيص مقابل مالي او ما شابه للمدربين من الاطباء مقابل تدريبهم لزملاء لهم.
الاخطاء الطبية من منظور النقابة !
ويرى نجيب أن الاخطاء الطبية شيء وارد الحدوث وتقر بها النقابة، لكن ما يزعج هو طريقة التعامل مع الاطباء حين يقع الخطأ كما حصل مع “طبيب مستشفى الخليل الحكومي”، حيث تم التشهير به ورافق ذلك ذم وقدح للاطباء بشكل خطير، فيما يتطلب “الخطأ الطبي تشكيل لجنة طبية ذات خبرة واسعة لتحديد اذا ما حصل خطأ طبي أو مضاعفة طبية، ولا يجوز اتخاذ اجراء قبل اصدار اللجنة نتائجها كما فعلت وزارة الصحة”، معتبرا أن نتائج اللجان “مطلوبة ليس بهدف الحساب بقدر مساهمتها في التطوير والتدريب وعدم تكرار الخطأ، ولكن في حال تبين أن اهمالا وتقصيرا حدث؛ فنعتبر ذلك جنحة ونعاقب عليها كنقابة”.
تذمر بعض المواطنين من معاملة الاطباء
و
يشتكى بعض المواطنين من سوء معاملة الاطباء لهم اثناء مراجعة المستشفيات والعيادات الحكومية، كما حصل مع المواطن احمد عيد قرعيش في مستشفى يطا الحكومي الذي وجه رسالة الى وزير الصحة يعرب فيها عن استياءه من معاملة الاطباء له في “مستشفى الشهيد ابو حسن قاسم” الحكومي في يطا، حيث قال للقدس دوت كوم بانه واثناء مراجعته للمستشفى للاطمئنان على زوجته الحامل كان هناك سوء معاملة من قبل الاطباء والممرضين، لافتا الى انهم طلبوا منه التوجه الى العيادات الخاصة بدل العلاج في المستشفى.
بيع المناوبات
وفيما يخص ما يعرف بـ”بيع المناوبات”، قالت مصادر طبية مختلفة للقدس دوت كوم، “ان بيع المناوبات شيء مألوف في المستشفيات الحكومية، حيث يقوم طبيب مناوب ببيع نوبته لزميله مقابل ما يتقاضاه عن تلك المناوبة ليتسنى له الدوام في عيادته الخاصة، مشيرين الى أن هذا الأمر “ليس خطيرا، خاصة أن هناك طبيبا يغطي غياب زميله”.
واستبعد “نجيب” حدوث ذلك، لافتا الى انه في حال ثبت بيع طبيب مناوبته لآخر ستتم محاسبته.
آثار قلة النوم !
وفق بعض الدراسات التي طالعتها القدس دوت كوم حول آثار قلة النوم، فإن الاشخاص الذين يعانون من قلة النوم يشعرون بالغضب السريع، والعمل بصورة سلبية، فضلا عن التأثير السلبي على الذاكرة والحد من قدرة الشخص على التفكير أو تفسير الأحداث بدقة؛ ما يصعب عليه الاستجابة بشكل صحيح للحالات التي تحتاج لقرار فعال وذكي، وهو ما قد يفسر حالة الغضب عند بعض الاطباء والانفعالات السريعة لديهم.
من جهته، قال الخبير الاخصائي في امراض النوم في الولايات المتحدة الامريكية د. مصطفى حماد في حديث مع القدس دوت كوم، ان النوم بمثابة “restart” للدماغ والجسم حتى يبدأ بداية جدية في يوم جديد، مضيفا أن العمل لساعات طويلة منتشر في بعض المهن كالأطباء والممرضين والطيارين مما يؤدي الى حرمانهم من النوم، وبالتالي يخلق مشاكل وخيمة في حياتهم الصحية ويؤثر على أداء وظائفهم وحياتهم الاجتماعية.
واوضح المختص، أن نتائج الابحاث العلمية اثبتت مضار الحرمان من النوم حيث يؤدي الى الإرهاق، والتعب، وقلة التركيز، وإضطرابات نفسية واكتآب، و ضعف في الوظائف الحركية التي تتطلب دقة عالية كالجراحين، ويضيف أن الحرمان من النوم يمنع إفراز الهرمونات التي تفرز اثناء النوم مما قد يؤدي الى أمراض عضوية مثل السكري وضغط الدم، والسمنة.
ويشير د.حماد الى أن قلة النوم تتسبب عند الاطباء في خلل باللغة اثناء الحديث، والحسابات، وخلل في قراءة تخطيط القلب، وتقصير وضعف في وضع المريض على جهاز التنفس، واستغراق وقت أطول في العملية الجراحية والرفع من احتمالية زيادة الأخطاء الطبية، خاصة في غرف الانعاش، وحدوث تقصير مع المريض وقلة الإحساس معه والحديث اليه، اضف الى ذلك مشاكل في العائلة والحياة الزوجية.
وبين الطبيب أن الحرمان من النوم يعتبر في الولايات المتحدة المسبب الثاني لحوادث السيارات وخاصة بين سيارات الأطباء، ويلفت حماد الى ان احتمالية حقن الطبيب نفسه بالخطأ تزداد بنسبة ٣١٪ عند الاطباء المحرومين من النوم وبالتالي تعريض أنفسهم لخطر انتقال الامراض المعدية اليهم.
ووفق حماد فانه في الولايات المتحدة الامريكية يسجل 5-10 الاف وفاة بين المرضى في السنة بسبب الاخطاء الطبية ومعظم اسباب وقوعها متعلق بالحرمان من النوم عند الأطباء المتدربين بالذات.
ويقول الطبيب أن قلة النوم يسبب ارتفاع (Cytokines and Inflammatory Markers) “علامات للالتهابات” عند الأطباء الذين يعملون لمدة ٣٠ ساعة أو اكثر متواصلة ويتسبب في أمراض القلب وتصلب الشرايين.
واشار د.حماد الى ان جميع هذه الدراسات الدالة على الآثار السلبية للحرمان من النوم دعت الحكومة والمؤسسات الامريكية والأوروبية ان تضع حدا أقصى لساعات عمل الأطباء من ٤٨-٨٠ ساعة في ألاسبوع، وان لا يعمل الطبيب اكثر من ٢٤ ساعة متواصلة قبل أخذ قسط من النوم، ونجحت هذه الأجراءات في تقليص عدد الأخطاء والضحايا.
وفي المقابل، يعمل قسم كبير من الاطباء في نوبات طويلة في القطاع الخاص بالتزامن من ساعات العمل في القطاع الخاص مما يزيد من الانهاك والتعب لديهم.




