أقلام واراءزوايا

كعك بالتمر والدم … بقلم :خيري منصور

فهرس
حين قرأنا ما كتبه المؤرخون العرب عن غزو المغول للعراق عام 656 للهجرة وسقوط بغداد على ذلك النحو التراجيدي قلنا لأنفسنا إن تلك فترة غابرة ولم يبق منها غير بعض أطلال أو صفحات من مخطوطات غارقة في النهر، ولم يخطر ببالنا أن العيد الذي سأله أبو الطيب بأي حال يعود سيشهد مجزرة يتجاوز عدد ضحاياها المئة في مكان واحد من العراق، وأن الأمر الذي مضى يتجدد بصور شتى، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه، فهو لا يفعل ذلك إلا من خلال ملهاة أو مأساة بل لأن أسباب الشقاء باقية ما بقي الإنسان، والصراع أبدي بين الظلام والنور.
هكذا صَحت بغداد في يوم عيد، الحلوى المحشوة بالتمر أضاف إليها الدم مذاق الكارثة، والأطفال الذين ارتدوا ثياباً جديدة أو ما تيسر منها لم يكملوا بها يومهم، فتحولت إلى أكفان ملونة!
والعراق ليس الوحيد الذي ينزف على مدار الساعة ومن كل عضو فيه لأن الوحدة التي حلمنا بها تحققت في هذه الآونة الرمادية لكن على نحو معكوس، حيث أصبح التناغم بين عدة عواصم عربية محكوماً بإيقاعات الرصاص والمتفجرات.
أما الدم فهو أيضاً له أوانيه المستطرقة في هذه الفيزياء القومية المجنونة، من منا لم تنفجر مرارة السكر وتمر البرحي في حلقه وهو يشاهد الدخان يتصاعد من أجساد بشرية، فهؤلاء الضحايا ليسوا قادمين من مجرة أخرى.
إنهم أبناء جلدتنا ودماؤهم تنبض بالأبجدية ذاتها التي كنا ذات عروبة ننطق بها، ثم أصبحنا ذات عولمة نصمت بها.
لقد حلم عرب هذه الألفية بحاسوب آخر يقيس منسوب التنمية والصحة والتعليم، وإذا بهم يجدون بين أيديهم حاسوباً لا يتقن غير احصاء القتلى ومنسوب الدم من بردى إلى دجلة!
فمن شَكوا ذات يوم من فائض الماء والفيضان يشكون الآن من الظمأ ومن فائض الدم. وما من عطلة على الاطلاق في هذا المسلسل الدرامي الذي يُبث باللحم المحترق والدم الساخن، فلا العيد ينجو ولا حتى أحذية الأطفال التي تتحول إلى توابيت صغيرة تماماً مثلما تحولت المهود إلى لحود.
أما المؤرخون الذين وصفوا ذلك السقوط بأنه آخر الأحزان فقد كذبوا!

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى